يعاني معظم العاملين والعاملات في قطاع التعليم واقعاً أقل ما يقال عنه إنه مُزرٍ. فضلاً عن كل المشكلات التي يتشاركونها مع سائر الموظفين، من تدنّي الرواتب قياساً بغلاء المعيشة، تواجه العاملين في المجال التعليمي مشكلات جوهرية تتعلق بطبيعة عملهم. يمكن القول إنّ عرض وجوه معاناة هذه الشريحة في مادة صحافية واحدة أمرٌ مستحيل، معاناة تبدأ مع افتقاد التقدير، ولا تنتهي بسوء الظروف الاقتصادية. ورغم ذلك، يجد هؤلاء أنفسهم مطالبين بتقديم الكثير

ينسحب الطلاب، واحداً تلو الآخر على درج البناء. لا يوجد وقت للكلام أو السلام، تلتقي الأعين وتشير حركات الرأس إلى انتظار المُدرّسة للطالب التالي. الوقت هنا على حساب الطالب، ولن تتسامح المُدرّسة بهدر أي دقيقة، فلكل دقيقة ثمن.
تفضّل مدرّسة مادة الرياضيات، عبير، التكتّم على إعطائها الدروس الخصوصية، خوفاً من عقوبات وزارة التربية، فهي تدرّس أبناء زملائها المدرسين، وبعض الجيران. تقول لـ«الأخبار»: «تهجّرت مع عائلتي من الرقة عام 2013، وقمت بوضع نفسي تحت تصرف الوزارة. استأجرت مع زوجي غرفة صغيرة، على أمل العودة إلى منزلنا يوماً. لكن هذا الأمر لم يعد ممكناً بعد دمار حيّنا». وتضيف «زوجي موظف، ولدي ثلاثة أطفال. راتبي وراتب زوجي لا يكفيان إيجار المنزل وثمن الطعام، لذلك لجأت إلى إعطاء الدروس الخاصة».
يحاول كثير من المعلمين والمعلمات إيجاد أعمال إضافية لسد احتياجاتهم اليومية، التي ازدادت بفعل الحرب. وقد تجد مدرساً افتتح بسطة لبيع القرطاسية، وآخر يبيع الفوشار، فيما يعمل البعض في السمسرة العقارية، وغيرها، بينما يفضل كثيرون اللجوء إلى إعطاء الدروس الخصوصية، فهي «تحفظ ماء وجههم» وتسدّ جزءاً من احتياجاتهم.
فرضت وزارة التربية السورية في العام 2018 عقوبات مسلكية ومادية على المخابر اللغوية والمعاهد الخاصة، التي تعطي دروساً خصوصية. وصلت العقوبات المادية إلى 500 ألف ليرة سورية (نحو 1000 دولار وفق سعر الصرف وقتها)، فضلاً عن إغلاق المكان، واحتمال تعرض المُدرّس لعقوبات مسلكية أو إيقافه عن العمل.

لست شريكاً حقيقياً
عدد كبير من المدرسين الذين تحدثنا إليهم لا يجدون أنفسهم شركاء حقيقيين في العملية التدريسية. بين فترة وأخرى، تنشر المُدرّسة، نعمى سليمان، صوراً لتجاوزات وأخطاء موجودة ضمن المناهج الدراسية. تقول «لم تأخذ الوزارة برأينا في المناهج الحالية، التي تعاني من خلل وإشكاليات حقيقية في طريقة طرح المعلومة. بعض التفاصيل تم أخذه بطريقة قص لصق من ويكيبيديا! مع ما تحويه من مغالطات وتجاوزات». تؤكد سليمان، وهي إحدى مدرسات اللغة الإنكليزية في طرطوس، أن «واقع المدرسين في سوريا يندى له الجبين، مع كل ما يتحمّله من صعوبات، في ظل واقع معيشي سيّئ جداً». ترى سليمان أن «كل القرارات تصبّ عكس مصلحة المدرّس. عليه أن يواجه الصعوبات وحده، مثل التنقل بين المدارس لإكمال نصاب ساعات عمله (عدد ساعات تدريس يجب على المدرس إعطاؤها أسبوعياً)، فيما يتم حرمان العديد من المتخرّجين من التدريس بنظام الساعات». وتضيف «أحياناً يضطر مدرسو اللغة العربية والجغرافيا والفلسفة وغيرها إلى تدريس مادة الديانة لاستكمال نصابهم المفروض عليهم!».

لا تقوم نقابة المعلمين بدورها المطلوب ولا تستجيب للمطالب


وعن التدريس بالطرق الحديثة، تقول نعمى «تطبّق في مدرستي المناهج الحديثة، لكن من دون توفير مستلزماتها الأساسية، أو الوسائل المساعدة. المناهج الحديثة تدعم الطرق الإبداعية والبحث، وكلنا يعلم وضع الإنترنت في بلادنا، وتفاوت جودته بين الريف والمدينة». وتضيف «نحن مطالبون بالقيام بكل شيء، بمردود ضئيل. حتى في أعمال التصحيح والمراقبة، الأجور تستدعي الضحك لأنها مخجلة. للأسف، صوتنا لا يصل. ومن يتسلم منصب مسؤول، يبتعد تماماً عن الواقع، وتغدو المصلحة هي السيد. أما نقابتنا فغير نشيطة وغير فعالة، ولا تدافع عن حقوقنا».

نقص حاد
يعاني معظم مدارس القنيطرة من نقص في المدرسين. ووصل الأمر بمدير إحدى المدارس الابتدائية إلى أن يطلب من الأهالي ترشيح مدرسين، ليقوم هو بتقديم أوراقهم إلى التربية، من أجل تعيينهم، بعد أن تناوب أكثر من أربعة مدرسين للغة الإنكليزية على تدريس طلاب الصف الرابع والخامس الابتدائي، في مدرسته، خلال أقل من ثلاثة أشهر، فيما بقي طلاب الشهادة الثانوية (البكالوريا) في إحدى المدارس الثانوية من دون مدرس (ة) لمادة الجغرافيا، حتى الآن. وكان وزير التربية، عماد العزب، قد وعد تحت قبة «مجلس الشعب» برفع عدد المدرسين في البلاد، مشيراً إلى أن الوزارة «ستعلن عن مسابقة لتعيين عشرة آلاف مدرس ومدرسة من الفئة الأولى، قسم منهم على الملاك وقسم بموجب عقود سنوية لخمس سنوات». كما أوضح أنه «سيتم سحب صلاحية الوزير لتحديد مركز العمل، بهدف توطين التعليم والحد من المعاناة، ولا سيما في أرياف دمشق وحلب والقنيطرة واللاذقية».

هموم فوق هموم
معلمة اللغة العربية في ريف دمشق، هداية طعمة، تتحدث عن «فقدان المدرس في هذه الأيام الهيبة التي كان يتمتع بها من قبل». تقول «عندما تراجعت قيمة المدرس وهيبته بين طلابه، تراجع مستوى التدريس. المدرس لم يعد يلقى التقدير والاحترام من طلاب المدارس، بينما يقابله الطلاب الذين يتلقون منه الدروس الخصوصية بتقدير معنوي ومادي». وتضيف «اليوم نحن نتعامل مع طلاب من مختلف الشرائح الفكرية والعادات. عدد كبير منهم عانى من التهجير والنزوح والتفكك الأسري، وباتوا يمارسون العنف في المدرسة، ليجب على المدرس أن يكون معلماً ومرشداً نفسياً وموجّهاً تربوياً واجتماعياً في آن واحد». تستفيض طعمة في شرح جوانب من المعاناة؛ تقول «نحن نتكلم عن أعداد كبيرة في الصف الواحد. نجد - نحن المعلمين - أنفسنا وقد استنزفنا، نصل إلى نهاية الخدمة ونحن نعاني من أمراض عديدة، ولم نعش أيامنا، ولا نحظى بتقدير مادي أو معنوي». وتضيف «أي زيادة قد تطرأ على الرواتب تكون قاصرة لناحية رواتب المعلمين الذين يجب أن يحصلوا على تعويض طبيعة عمل، علاوة على أي زيادة عامة. مثلاً، عندما نطلب إعفاءات من أعمال المراقبة والتصحيح، بسبب الأمراض الناتجة عن الوقوف ساعات طويلة كالدوالي أو الديسك، يقابل طلبنا بالرفض».
تؤكد طعمة أن نقابة المعلمين لا تقوم بدورها المطلوب، ولا تستجيب للمطالب، الكبيرة منها أو الصغيرة. وتضيف «علاوة على كل ذلك، بتنا نجد أنفسنا أنداداً مع طلابنا، ومع الأسف يتم تصديق الطلاب على حساب المعلم. نحن ضد الضرب، لكننا بحاجة إلى عقوبات تردع الطلاب الذين لا يحترمون المدرّس والموجّه والمدير، ويقومون بأعمال شغب. نحن نطالب بتعويضات تتناسب مع عملنا، فالمعلم إنسان يبني إنساناً، وإذا كان هذا الانسان مستنزفاً، مادياً ومعنوياً واجتماعياً وصحياً، فكيف سيكون شكل بنائه؟!».