سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:14/10/2026 | SYR: 14:19 | 14/10/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير

 زيدون الزعبي يكتب : عن أي أزمة نخب نتحدّث؟
14/10/2026      




سيرياستيبس 

كتب الدكتور زيدون الزعبي 

سُئل الوزير مايكل غوف على شاشة سكاي نيوز ، في الثالث من يونيو/ حزيران 2016، وقبل 20 يوماً من استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، عن تحذيرات الاقتصاديين والمؤسسات الدولية من عواقب هذا الخروج، فأجاب بأن الناس في بلاده "سئموا من الخبراء". لم تكن هذه العبارة حكماً زلة لسان، وقد لا تكون حتى رأياً شخصياً، بل قراءة دقيقة لمزاج عام ومحاولة التأثير عليه. عكس توقعات "النخب" الاقتصادية والسياسية والفكرية صدم البريطانيون العالم وصوّتوا للخروج، ومضى العالم بعدها في الطريق ذاته: شعبويون يفوزون بالانتخابات وهم يشتمون "المؤسسة"، و"الدولة العميقة" ويتحدثون عن هويات مهدِّدة وأخرى مهدَّدة من جهة، ومن جهة أخرى يحشد صانعو محتوى من المتابعين ما لا تحلم به صحيفة عريقة، وجامعات ومراكز أبحاث تكتشف أن أحداً لم يعد ينتظر رأيها.
أما في سورية، فللسؤال طعم آخر. فمنذ رحيل النظام المخلوع، ومع كل توتر أو أزمة أو سجال، يتردد السؤال نفسه: أين النخب؟ لماذا تصمت؟ ولماذا لا يسمعها أحد حين تتكلم؟ ولماذا قد تتعرض، في المرات القليلة التي تسمَع، لحملات تشهير كبيرة؟ غير أننا، قبل أن نجيب، ربما كان علينا أن نطرح أسئلة أسبق: من هي النخبة السورية اليوم أصلاً؟ هل هي في أزمة فعلاً؟ ما أوجه هذه الأزمة؟ وكيف نخرج منها؟

درجنا على حصر النخبة بالمثقفين، وربما بمن يشبهوننا منهم. أزعم أن التعريف أوسع بكثير. النخبة هي كل من يملك قدرة على التأثير في القرار أو في الرأي: السياسيون في السلطة وفي المعارضة، والأكاديميون والكتّاب والإعلاميون، وأصحاب الأعمال، وعلماء الدين، والوجهاء المحليون وشيوخ العشائر، والناشطون المدنيون، والنقابيون، والمؤثرون. لا تلعب النخب جميعها ذات الأدوار وإن زعمت ذلك. فبعض هذه النخب يسعى إلى التعبير عن هموم الناس ومخاوفهم، والتجسير بين المختلفين منهم، وإنارة الدرب إلى المستقبل، وأخرى لا تؤدي أياً من هذه الأدوار وإن زعمت. بالطبع، وللأسف، لن يكون سهلاً الفصل بين "النخبتين" فالجميع يدعي هذه الأدوار، غير أننا نتحدث هنا عن النخب التي تسعى إلى نظام ديمقراطي وسلم أهلي واستقرار مجتمعي وبناء هوية وطنية جامعة لا إقصاء فيها لفرد أو مكون، والتي نرى أنها تعاني من أزمة كبيرة.
بداية وقبل كل شيء هل هناك أزمة حقيقية تواجه هذه النخبة؟ قد يقول أحدهم إن الشكوى من النخب قديمة قدم النخب نفسها، وإن كل جيل رثى نخبته وبكى على سابقتها. وفي هذا القول وجاهة لا شك. لكن جوابي على السؤال هو نعم، بالتأكيد هناك أزمة نخب في البلاد، ونحن بحاجة إلى تشخيصها بشكل دقيق. فالنخب السورية ليست غائبة. هي حاضرة على كل شاشة ومنصة، وفي كل ورشة، ومؤتمر، وحفل، غير أن صوتها ضعيف وغير قادر على منافسة جيل جديد من المؤثرين قادر على احتلال ساحاتها بسهولة. ربما كان السؤال الأصح إذن ليس: أين النخب؟ بل: هل تخلّت النخب عن أي وظيفة من وظائفها؟ وأي وظيفة تحديداً؟  هنا ثلاثة أوجه للأزمة، يقابل كل منها وظيفة من الوظائف الثلاث.

لن تكتسب النخبة مكانتها ولا شرعية مقولاتها ما لم تقرن حضورها في الفضاءات بمعرفة مباشرة للواقع وحوار مباشر مع الناس في كل مكان

أولاً، الانفصال عن المجتمع. يتحدث جزء واسع من النخب في العالم بلغة تفسيرية للواقع، والتي وإن كانت صائبة في بعض أوجهها، فإنها تفتقد لحلول ينتظرها موظف خسر وظيفته ورب أسرة يسعى إلى إطعام أسرته. أما في سورية فللانفصال جغرافيا. تشكلت نخبنا خلال أربعة عشر عاماً في أماكن لا تلتقي، وجلها في المنفى، مع قلة ظلت في مناطق سيطرة النظام، ومناطق سيطرة المعارضة، ومناطق سيطرة قسد. حمل كل منها معجمه وذاكرته ومظلوميته، وعاد كثير من نخب المنفى بلغة المانحين والورشات، يتحدث عن "المناصرة"، و"أصحاب المصلحة"، لمن يسأل عن الكهرباء، والخبز، وبيته المهدّم، وابنه المفقود! ولهذا الانفصال أسبابه، ومن الإنصاف ذكرها. فالنظام الأسدي جرّف على مدى عقود كل ما ينتج نخبة طبيعية: الأحزاب، والنقابات، والجامعات المستقلة، والصحافة. بالتأكيد لم يكن المنفى خياراً لمعظم من ذهب إليه، غير أن تفسير الانفصال لا يعفي من مسؤولية ردمه. قد يبدو هذا كلاماً عاماً ومتفقاً عليه! ليس تماماً في زمن الفيسبوك والتيك توك. فوسائل التواصل الاجتماعي تخلق وهمين. الوهم الأول مرتبط بشعور عام بوجود شرعية لما يقوله الشخص بسبب عدد المشاهدات أو الإعجابات التي تحظى بها منشوراتها والثاني مرتبط بشعور يتولد لديها بقدرتها على معرفة الواقع بشكل دقيق بمجرد قراءة منشور هنا أو هناك. في واقع الأمر هناك تقاطعات حقيقية بين ما تقوله هذه الفضاءات وما هو على الأرض، لكن مهما عظمت هذه التقاطعات، تظل بعيدة عن توصيف الواقع كما هو. لن تكتسب النخبة مكانتها ولا شرعية مقولاتها ما لم تقرن حضورها في الفضاءات بمعرفة مباشرة للواقع وحوار مباشر مع الناس في كل مكان.
ثانياً، الاستقطاب. كان يُنتظر من النخب أن تجسَّر بين أطراف الاستقطاب، فإذا بكثير منها طرف فيه. صار لكل جماعة مثقفوها، ولكل سلطة مفسروها، ولكل معارضة خطباؤها. يدين أحدهم مجزرة ويصمت عن أخرى، ويسمّي الانتهاك "جريمة" حين يرتكبه خصمه، و"تجاوزاً فردياً" حين يرتكبه حليفه. ليست هذه حالة سورية خالصة، ففي ديمقراطيات عريقة باتت النخب السياسية والإعلامية تخاطب معسكرها وحده. والمشكلة هنا ليست أن يكون للنخبة موقف. فالانحياز للحقوق والمبادئ واجب، وقد قلنا في مقال سابق إن الوسطية ليست رمادية ولا حياداً بين الجاني والضحية. المشكلة أن يتحدد الموقف بهوية الجاني وهوية الضحية لا بالفعل نفسه، وحين يحدث ذلك، تكف النخبة عن كونها نخبة، وتصير ناطقاً باسم طائفة أو جماعة!

السوريون والسوريات اليوم، وهم يكتبون عقدهم الاجتماعي الجديد، لا يحتاجون إلى نخبة تفكر عنهم، بل إلى نخبة تفكر معهم

ثالثاً، وربما الأخطر، لا يحتمل الفضاء العام الفراغ. حين انسحبت النخب من وظيفة التفسير والقيادة والتوجيه، تقدم إليها من يجيد لغة المنصات. فالخوارزمية تكافئ الغضب لا الدقة، والاختصار لا العمق، وصار عدد المتابعين معيار الشرعية بدل المعرفة، أو التجربة، أو الخبرة، أو التمثيل. وفي بلد هش كسورية، قد يشعل بث مباشر واحد توتراً في ساعات، لا تطفئه عشرات المقالات في أسابيع. الأزمة الحقيقية في ظهور منافس جديد على ساحة التأثير العام يجيد لغة الترند، في حين تظل النخب، على الأقل التقليدية منها، أقل قدرة على استخدام هذا الفضاء، لأسباب ترتبط أحياناً بالقيم التي تحملها، والتي تجعلها "تترفع" عن أدوات العصر الجديدة هذه، وأحياناً أخرى لعدم قدرتها على استخدام الأدوات. في جميع الحالات، يظهِر المنافس الجديد حضوراً طاغياً يجعل من النخب المثقفة في حالة ضعف شديد. بالطبع كانت النخب على الدوام عرضة للمنافسة، غير أن منافسها اليوم أصبح أكثر قدرة على الوصول إلى الناس. ولا يعني ذلك شيطنة المؤثرين. فبعضهم أوصل صوت من لم تلتفت إليه النخب يوماً، ومتابعوهم جزء أصيل من المجتمع لا يحق لأحد أن يتعالى عليهم. فالفرق كبير بين أن ننتقد منطق الترند وأن نحتقر جمهوره. غير أن حلول المؤثرين محل النخبة في صناعة الرأي العام يجعل من الرأي العام رهينة أهواء ومزاج وربما أجندة مؤثرين لا يملكون المعرفة اللازمة أو القدرة، وفي أحيان الضمير اللازم لتوجيه المجتمع نحو مصلحته!
كيف نخرج إذن؟ لن نخرج بالتأكيد بالحنين إلى زمن كانت فيه النخب وصية على الناس، ولا بلعن المنصات ومن عليها. المخرج، برأيي، يبدأ من أربع قواعد.
أولها إعادة بناء القنوات التي تنتج النخب وتحاسبها: أحزاب، ونقابات، وجامعات مستقلة، وإعلام مهني، ومجالس محلية منتخبة. فالنخبة التي لا تأتي عبر قناة يختارها الناس ويحاسبونها، تأتي بالتعيين من فوق أو بالترند من تحت، وكلاهما لا يصنع تمثيلاً. نعم ستكون النخب أمام تحد يضمن وصولها إلى قيادة هذه المؤسسات وهي تواجه لعنة الترند ووسائل التواصل، ولهذا فإن كل ما سبق يجب أن يستند إلى القواعد الثلاث الباقية!
ثاني هذه القواعد النزول إلى الناس: أن تُعقد الحوارات في المحافظات والبلدات لا في فنادق العاصمة، وأن تتكلم النخب لغة يفهمها من تتحدث باسمه، وأن تصغي قبل أن تشرح. في القرى والبلدات والمحافظات هناك شباب ينتظر أن تمد النخبة يدها لهم، لا بمنطق المشاريع الممولة، بل بمنطق الحراك السياسي والاجتماعي الفاعل. فالنخب التي تتعلم من حوارات الأحياء والبلدات تمنح نفسها فرصة ضبط الخطاب بمحددات الواقع من جهة، كما تمنح خطابها شرعية الواقع ذاته.
ثالثاً أن تحظى النخب بثقة الناس وهذا يتوفر بالصبر والاتساق في المواقف: أن تُسمّى الجريمة جريمة أياً كان مرتكبها وأياً كانت ضحيتها، وأن تكون النخب قادرةً على احتمال هجمات الترند مهما كانت قاسية. لم يطلب أحد من النخب أن تكون نخبة. هي اختارت لنفسها ذلك، وعليها أن تتحلى بصبر الجمال وهي تواجه تبعات ذلك. 
ورابعاً وأخيراً، دخول الفضاء الرقمي من دون الخضوع لمنطقه. لا يمكن تجاهل الفضاء الرقمي فهذه مساحة التأثير الموجودة ولا يجب أن تترك فارغة. غير أن لهذه المساحة قواعدها: التبسيط أهمها على ألا يتحول التبسيط إلى تسطيح، ومن يملك معرفة ولا يحسن إيصالها يترك الساحة لمن يحسن الإيصال وإن لم يعرف.
لم يسأم الناس من المعرفة، لا في بريطانيا ولا في سورية. سئموا من نخب لا تراهم، ولا تشبه ما تقوله، ولا تدفع ثمن أخطائها. والسوريون والسوريات اليوم، وهم يكتبون عقدهم الاجتماعي الجديد، لا يحتاجون إلى نخبة تفكر عنهم، بل إلى نخبة تفكر معهم.
في حوار مع صديق، قال لي إن كل ما أقوم به عبث. قلت له حسناً لنفترض هذا، ما الذي تراني فاعله؟ صمت وأجاب: لا شيء. لكن اللاشيء لا يمكن أن يكون خيار النخبة مهما كانت الأسباب .

العربي الجديد



طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق