سيرياستيبس :
توقع البنك الدولي أن يتسارع نمو الاقتصاد السوري إلى ما بين 8 و10 % خلال عام 2026، مسجلاً أعلى معدل نمو منذ عام 1996، مدفوعاً بانتعاش قطاعات النفط والزراعة والبناء والسياحة، وتحسن النشاط الاقتصادي والتجاري، رغم استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف المعيشة.
وقال البنك الدولي، في تقرير "آفاق الاقتصاد الكلي والفقر" الصادر في تشرين الأول 2026، إن التعافي الاقتصادي في سوريا اكتسب زخماً خلال النصف الأول من العام الجاري، بدعم من أنشطة إعادة الإعمار، وتحسن الربط التجاري والمالي، وزيادة الإنتاج الزراعي والنفطي، إلى جانب تخفيف القيود الدولية على التعاملات الاقتصادية.
وأشار التقرير إلى أن معدل النمو الاقتصادي ارتفع من 0.8 % عام 2024 إلى 3.6 % عام 2025، قبل توقع تسارعه بصورة كبيرة خلال العام الجاري، مع تحسن الطلب المحلي وتوسع النشاط في عدد من القطاعات الإنتاجية والخدمية.
ورغم هذه التوقعات، حذر البنك
الدولي من أن التعافي لا يزال هشاً ومعرضاً لمخاطر أمنية واقتصادية داخلية
وإقليمية، في حين يُتوقع أن يبقى تحسن مستويات معيشة السكان محدوداً، نتيجة
ارتفاع الأسعار وعدم كفاية فرص العمل الجديدة لاستيعاب القوى العاملة.
ما المؤشرات التي يستند إليها توقع النمو؟
أوضح البنك الدولي أن النشاط الاقتصادي السوري شهد تحسناً واسع النطاق خلال النصف الأول من عام 2026، مستنداً إلى مجموعة من المؤشرات المرتبطة بالإنتاج الصناعي وحركة النقل والطلب المحلي.
وبحسب التقرير، بلغ إنتاج الإسمنت في سوريا نحو 4.1 ملايين طن خلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري 2026، مقترباً من مستويات الإنتاج المسجلة قبل اندلاع الحرب، في مؤشر على انتعاش قطاع البناء والطلب المرتبط بإعادة الإعمار.
كما ارتفعت شدة الإضاءة الليلية بنسبة 8.4 % خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وهو أحد المؤشرات غير المباشرة التي تُستخدم لرصد النشاط الاقتصادي، ولا سيما في الاقتصادات التي تعاني نقصاً في البيانات الإحصائية المنتظمة.
وفي قطاع النقل، سجلت حركة الرحلات الجوية ارتفاعاً بنسبة 118 % خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري على أساس سنوي، بما يعكس تحسناً في حركة الطيران والاتصال الخارجي.
ولفت التقرير إلى أن تحسن الهطل المطري أسهم في زيادة إنتاج القمح بعد موجة جفاف قياسية شهدتها البلاد خلال العام السابق، مشيراً إلى أن سوريا حققت الاكتفاء الذاتي من القمح للمرة الأولى منذ عام 2010.
واعتبر تقرير البنك الدولي أن هذه التطورات، إلى جانب زيادة الإنتاج النفطي وتحسن الطلب المحلي وتوسع أنشطة إعادة الإعمار، شكلت المحركات الأساسية للتعافي الاقتصادي.
ومع ذلك، أشار التقرير إلى غياب بيانات رسمية حديثة للناتج المحلي الإجمالي، موضحاً أن تقييم النشاط الاقتصادي خلال الفترة الأخيرة يعتمد على مؤشرات دورية عالية التواتر، إلى جانب البيانات الحكومية المتاحة.
النفط والزراعة والبناء تقود التعافي
يتوقع البنك الدولي أن يستفيد الاقتصاد السوري خلال عام 2026 من ارتفاع الإنتاج في قطاعي النفط والزراعة، إلى جانب زيادة نشاط البناء والسياحة، وانتعاش أوسع في أنشطة القطاع الخاص.
ويشير التقرير إلى أن تحسن الظروف الأمنية الداخلية خلال النصف الأول من العام ساعد على استعادة النشاط الاقتصادي تدريجياً، رغم استمرار توترات محلية ومخاطر مرتبطة بعدم الاستقرار الإقليمي.
كما أسهم تخفيف معظم القيود الدولية المتبقية على سوريا، بما في ذلك رفع اسمها من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب، وفق ما أورده التقرير، في تحسين آفاق التجارة والاتصال بالنظام المالي الدولي وجذب الاستثمارات.
وفي قطاع الطاقة والنقل، لفت البنك الدولي إلى أن الصراع الإقليمي، رغم تسببه في ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل وزيادة حالة عدم اليقين، أبرز في الوقت نفسه إمكانية تحول سوريا إلى ممر بديل للطاقة والخدمات اللوجستية
وأشار في هذا السياق إلى بدء نقل مشتقات نفطية عراقية عبر الأراضي السورية لتصديرها من ميناء بانياس، في خطوة تعكس الفرص المرتبطة بالموقع الجغرافي لسوريا وشبكات النقل الإقليمية.
واعتبر أن استكمال دمج شمال شرقي سوريا في المؤسسات الوطنية، إلى جانب تعزيز الاتصال المالي والتجاري مع دول المنطقة، يمكن أن يرفع مستويات الإنتاج والاستثمار ويوسع فرص تمويل إعادة الإعمار خلال المرحلة المقبلة.
إيرادات حكومية أعلى وعجز في الموازنة
على مستوى المالية العامة، أظهر التقرير تحسناً ملحوظاً في أداء الموازنة السورية خلال عام 2025، إذ انتقل رصيدها من عجز يعادل 2.7 % من الناتج المحلي الإجمالي عام 2024 إلى فائض محدود بلغ 0.2 % عام 2025، نتيجة ضبط الإنفاق الحكومي.
لكن هذا الاتجاه تغير خلال النصف الأول من عام 2026، مع ارتفاع الإنفاق العام بوتيرة أسرع من نمو الإيرادات.
ووفق تقرير البنك الدولي، بلغ الإنفاق الحكومي خلال الأشهر الستة الأولى من العام نحو 419 تريليون ليرة سورية، بما يعادل 17.8 % من الناتج المحلي الإجمالي، مدفوعاً بزيادة رواتب العاملين في القطاع العام وارتفاع الإنفاق الاستثماري.
في المقابل، تجاوزت الإيرادات الحكومية ضعف مستواها السابق، لتصل إلى نحو 309 تريليونات ليرة سورية، أو ما يعادل 13.1 % من الناتج المحلي الإجمالي، بدعم من إيرادات الجمارك والنفط والاتصالات.
ونتيجة ارتفاع النفقات بوتيرة أسرع من الإيرادات، سجلت المالية العامة عجزاً بنحو 110 تريليونات ليرة سورية خلال النصف الأول من العام، يعادل 4.7 % من الناتج المحلي الإجمالي، وفق الأرقام الواردة في التقرير.
ويتوقع البنك الدولي أن يبلغ عجز الموازنة العامة نحو 3.4 % من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية عام 2026، مع استمرار زيادة الإنفاق على الرواتب والخدمات الأساسية وإعادة الإعمار، بوتيرة تتجاوز تعافي الإيرادات الضريبية والجمركية والنفطية.
كما رجح استمرار العجز التجاري
عند مستويات مرتفعة، نتيجة زيادة الطلب على الواردات المرتبطة بإعادة
الإعمار وارتفاع الاستهلاك المحلي.
التضخم يعود رغم النمو الاقتصادي
بالتوازي مع تسارع النشاط الاقتصادي، حذر البنك الدولي من عودة الضغوط التضخمية إلى الاقتصاد السوري، بعد تسجيل انخفاض في المستوى العام للأسعار خلال عام 2025.
وأوضح أن معدل التضخم السنوي بلغ 27.5 % في نيسان 2026، متأثراً بارتفاع تكاليف الوقود والنقل والكهرباء والاستيراد، إضافة إلى أثر المقارنة بمستويات الأسعار المنخفضة في الفترة السابقة.
ويتوقع البنك الدولي أن يبلغ متوسط التضخم خلال عام 2026 نحو 21.4 %، مقارنة بانخفاض الأسعار بنسبة 27 % خلال عام 2025، بعدما سجل التضخم 108 % عام 2024 و130 % عام 2023.
وأشار التقرير إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة والنقل، الناجم جزئياً عن التوترات والصراعات الإقليمية، يزيد تكاليف الإنتاج والاستيراد، وينعكس على أسعار السلع والخدمات في السوق المحلية.
وفي الوقت نفسه، أوضح أن ارتفاع أسعار النفط العالمية قد يحمل تأثيرات متباينة على الاقتصاد السوري، إذ يمكن أن يعزز الإيرادات الحكومية والتدفقات المالية الخارجية، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى ارتفاع أسعار الوقود محلياً، بما يزيد التضخم والضغوط المعيشية.
واقترح البنك الدولي استخدام جزء من الإيرادات الإضافية المحتملة للنفط في تمويل برامج دعم موجهة إلى الأسر الأكثر هشاشة، للحد من تأثير ارتفاع تكاليف المعيشة.
نمو اقتصادي مرتفع وتحسن محدود في مستويات الفقر
رغم توقع تسجيل أعلى معدل نمو اقتصادي منذ ثلاثة عقود، يرجح البنك الدولي أن يكون تراجع معدلات الفقر في سوريا محدوداً خلال عام 2026.
وبحسب تقديراته، ستنخفض نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر الدولي البالغ ثلاثة دولارات يومياً، وفق تعادل القوة الشرائية لعام 2021، من 21.8 % عام 2025 إلى 20.6 % عام 2026.
أما نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر البالغ 4.20 دولارات يومياً، المستخدم لقياس الفقر في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، فيُتوقع أن تتراجع من 47.8 % إلى 45.8 % خلال الفترة نفسها.
ويشير التقرير إلى أن ارتفاع النمو الاقتصادي لا يعني بالضرورة تحسناً موازياً في دخول الأسر، ولا سيما مع استمرار ارتفاع الأسعار وضعف فرص العمل وتراجع المساعدات الإنسانية.
وفي هذا السياق، أوضح البنك الدولي أن الحد الأدنى للأجور ارتفع من 7,500 ليرة سورية في تموز 2025 إلى 12,560 ليرة في أيار 2026، وفق الوحدات النقدية المستخدمة في التقرير، لكنه لا يزال يغطي أقل من نصف الحد الأدنى لسلة الإنفاق اللازمة لتلبية الاحتياجات الأساسية للأسرة، ونحو 75 % فقط من الاحتياجات الغذائية.
كما أن الانتشار الواسع للعمل غير المنظم يحد من استفادة شرائح كبيرة من العاملين من الزيادات المقررة في الأجور.
وحذر التقرير من أن فرص العمل التي سيولدها التعافي الاقتصادي لن تكون كافية على الأرجح لاستيعاب الزيادة في القوى العاملة، خصوصاً مع استمرار عودة اللاجئين والنازحين، الأمر الذي سيحد من التحسن المتوقع في دخول الأسر.
وأضاف أن تراجع تغطية المساعدات الغذائية الإنسانية، نتيجة نقص التمويل، يزيد الضغوط على الأمن الغذائي والقدرة الشرائية للأسر، ولا سيما الأكثر فقراً.
عودة أكثر من 3.7 ملايين سوري وتأثيرها في الاقتصاد
خصص البنك الدولي جانباً من تقريره لتأثير عودة اللاجئين والنازحين في مسار التعافي الاقتصادي، مشيراً إلى أن الفترة الممتدة من كانون الأول 2024 حتى نهاية تموز 2026 شهدت عودة أكثر من 1.75 مليون لاجئ ونحو 1.97 مليون نازح داخلي.
وبذلك، تجاوز إجمالي العائدين 3.7 ملايين شخص، من أصل نحو 16 مليون سوري تعرضوا للنزوح خلال سنوات الحرب.
واعتبر التقرير أن هذه العودة الواسعة تتيح فرصاً لتعزيز النشاط الاقتصادي، من خلال زيادة الطلب المحلي وتوسيع القوى العاملة وعودة مهارات ورؤوس أموال يمكن أن تسهم في الإنتاج والاستثمار.
لكنها تفرض في المقابل ضغوطاً إضافية على المساكن والبنية التحتية والخدمات العامة وسوق العمل، في ظل استمرار الدمار ونقص الوظائف وعدم تسوية العديد من قضايا حقوق الملكية.
وأشار البنك الدولي إلى أن محدودية القدرات المؤسسية والإدارية للدولة، وضعف الإدارة المالية العامة والقطاع المالي، وعدم وضوح بعض الأطر التنظيمية، تمثل عوائق إضافية أمام تحقيق تعافٍ اقتصادي مستدام.
وشدد على أهمية استعادة الخدمات الأساسية، وتعزيز المؤسسات والثقة بالبيئة الاقتصادية، وتوفير مصادر دخل وفرص عمل منتجة، لضمان أن يكون التعافي أكثر شمولاً واستدامة.
ما المخاطر التي قد تعرقل النمو المتوقع؟
رغم المؤشرات الإيجابية، أكد البنك الدولي أن توقعاته للنمو الاقتصادي السوري خلال عام 2026 تخضع لدرجة مرتفعة من عدم اليقين، في ظل استمرار التحديات الداخلية والتوترات الإقليمية.
ويحدد التقرير عدداً من المخاطر، أبرزها تجدد الاضطرابات الأمنية، وتصاعد الصراعات الإقليمية، وما قد يترتب عليها من تعطيل النشاط الاقتصادي وتأخير تدفقات التمويل الخارجي.
كما أشار إلى أن محدودية الوصول إلى النظام المصرفي الدولي، وضعف البنية التحتية، وغياب إطار فعال للسياسة النقدية، تجعل الاقتصاد أكثر عرضة للصدمات.
وفي المقابل، يرى البنك الدولي أن نجاح جهود دمج شمال شرقي سوريا، وتحسين الاتصال المالي والتجاري مع الخارج، وتوسيع الإنتاج النفطي والزراعي، يمكن أن يدعم النمو والاستثمار ويعزز فرص تمويل إعادة الإعمار.
ويخلص تقرير البنك الدولي إلى أن استدامة التعافي الاقتصادي السوري لن تتوقف على زيادة الإنتاج والنشاط التجاري وحدهما، بل ستعتمد أيضاً على قدرة المؤسسات الحكومية على تحسين الخدمات وإدارة الموارد العامة، وتوفير فرص العمل، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، بما يسمح بانتقال مكاسب النمو إلى مستويات معيشة السكان.



