سيرياستيبس
"كل يوم وأنا داخلة آخد شام من المدرسة، بحس إنو كل العيون عليّ. كأني مذنبة، بس لأن بنتي هيك". بهذه الكلمات بدأت راما، والدة الطفلة شام، حديثها عن ابنتها التي تعاني التقزم الناتج عن سوء التغذية المزمن، وهو ما انعكس على نموها الجسدي، وأدى إلى تأخر في النطق والنمو وصعوبات في التعلم. طفولة بدأت تحت الحصار تعود قصة شام إلى سنوات الحصار الذي فرضه النظام المخلوع على الغوطة الشرقية، حين حملت راما بابنتها وأنجبتها في ظل نقص حاد في الغذاء والرعاية الصحية. لم يكن الحرمان من الغذاء تفصيلاً عابراً، بل واقعاً يومياً عاشته الأم خلال الحمل، ثم رافق شام في سنواتها الأولى، وهي المرحلة الأكثر حساسية في النمو الجسدي والعصبي للأطفال. التعليم.. حق معلّق اليوم، تواجه شام تحدياً آخر يتمثل في حقها في التعليم. تتابع الطفلة دراستها في مدرسة حكومية بموافقة استثنائية من مديرة المدرسة، في ظل غياب مدارس حكومية دامجة ومجهزة لاستقبال الأطفال الذين يحتاجون إلى دعم تعليمي وتأهيلي متخصص. وتؤكد راما، كما تقول أم مظهر، وهي والدة طفل يعاني الحالة نفسها، أن مطلب الأهالي لا يتجاوز توفير صفوف دامجة داخل المدارس الحكومية، يشرف عليها معلمون واختصاصيون مؤهلون للتعامل مع الأطفال الذين يعانون من آثار سوء التغذية وتأخر النمو. حين لا يلائم الدمج احتياجات الأطفال وفي محاولة لإيجاد بديل، سجلت أسرة شام ابنتها في مركز تعليمي خاص، بعد أن تكبدت مشقة تأمين الرسوم المرتفعة. إلا أن التجربة لم تستمر طويلاً، إذ تقول الأسرة إن المركز كان يجمع في الصف الواحد أطفالاً يعانون التوحد ومتلازمة داون، إلى جانب أطفال لديهم تأخر في النمو أو آثار ناجمة عن سوء التغذية، رغم اختلاف احتياجاتهم التعليمية والتأهيلية. ويقول والدا شام إنهما لاحظا خلال تلك الفترة ظهور سلوكيات جديدة لدى طفلتهما لم تكن موجودة سابقاً. ويربطان ذلك بعدم ملاءمة البيئة التعليمية وغياب البرامج المتخصصة التي تراعي الفروق الفردية بين الأطفال، ما دفعهما إلى سحبها من المركز والبحث عن بيئة أكثر مناسبة لاحتياجاتها. خديجة.. مضاعفات الولادة والحصار وتقول سهام، والدة خديجة، إن ابنتها كانت تحتاج إلى ولادة قيصرية، لكنها اضطرت إلى الولادة الطبيعية خلال فترة الحصار في الغوطة الشرقية، ما أدى إلى نقص أكسجة حاد عند الولادة. وتضيف أن نقص الرعاية الطبية، وغياب الحضانات، وصعوبة تأمين التغذية المناسبة بعد الولادة، كلها عوامل فاقمت حالة ابنتها في أشهرها الأولى. لم تتوقف معاناة خديجة عند الجانب الصحي. فمع تقدمها في العمر، أصبحت تواجه أيضاً التنمر والسخرية بسبب قصر قامتها وتأخر نموها، ولم يقتصر ذلك على محيطها الاجتماعي، بل امتد، بحسب والدتها، إلى بعض أفراد العائلة، ما ضاعف الأعباء النفسية الواقعة على الطفلة وأسرتها. خدمات غير متخصصة ووعي متأخر وخلال إعداد هذا التقرير، أُجريت مقابلات مع أسر أطفال، إلى جانب منظمات وجمعيات ومراكز تُعنى بتقديم خدمات للأطفال ذوي الإعاقة. وأظهرت الجولة الميدانية أن الأطفال الذين يعانون من التقزم أو تأخر النمو الناتج عن سوء التغذية لا يحظون، في معظم الجهات التي شملها التحقيق، بخدمات متخصصة تتناسب مع احتياجاتهم. بل يُدمجون غالباً مع أطفال يعانون من التوحد أو متلازمة داون أو اضطرابات نمائية أخرى، رغم اختلاف الاحتياجات الصحية والتعليمية والتأهيلية لكل فئة. كما أظهرت المقابلات مع الأهالي أن عدداً من الأسر لا ينظر إلى تأخر النمو بوصفه مشكلة تستدعي التقييم الطبي أو التأهيلي. ويعتقد بعضهم أن التأخر سيزول مع التقدم في العمر، أو أن الطفل سيلحق بأقرانه من تلقاء نفسه، وهو ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تأخر التشخيص والتدخل المبكر. التقزم بالأرقام ولا تقتصر القضية على الحالات الفردية التي وثقها التحقيق، إذ تُظهر بيانات الأمم المتحدة استمرار تدهور مؤشرات سوء التغذية بين الأطفال في سوريا. فبحسب أحدث التقديرات لعام 2025، يعاني نحو 591 ألف طفل دون سن الخامسة من التقزم، بينما يحتاج 587 ألف طفل إلى علاج من سوء التغذية الحاد، بينهم نحو 97 ألف طفل يعانون الهزال الشديد. كما ارتفعت نسبة التقزم من 12.6 في المئة عام 2019 إلى 17.1 في المئة عام 2025، في مؤشر يعكس اتساع آثار سوء التغذية المزمن على نمو الأطفال. وتشير التقارير إلى أن استمرار انعدام الأمن الغذائي، وضعف الوصول إلى الخدمات الصحية والتغذوية، وتراجع جودة الأنماط الغذائية، كلها عوامل أسهمت في تفاقم المشكلة، بما يجعل آثارها تمتد إلى ما هو أبعد من نقص الوزن أو قصر القامة، لتطول النمو الجسدي والعصبي للأطفال.
أول ألف يوم.. نافذة لا تعوّض وتحذر الدكتورة سهى (اسم وهمي) من مشفى الأطفال الجامعي في دمشق، من أن سوء التغذية خلال أول ألف يوم من عمر الطفل قد يخلّف آثاراً تتجاوز التقزم وتأخر النمو، لتطول التطور العصبي والمعرفي والمناعة والقدرة على التعلم. وتؤكد أن التدخل المبكر، ولا سيما خلال أول عامين، يمنح الطفل فرصة كبيرة لتعويض ما فاته من النمو، في حين قد تصبح بعض الأضرار الناجمة عن سوء التغذية الشديد أو المطوّل غير قابلة للتعويض بالكامل. وتشير إلى أن كثيراً من الأطفال يصلون إلى المشفى في مراحل متقدمة بسبب الفقر، وضعف الوعي بأنماط التغذية السليمة، ومحدودية الخدمات الصحية في عدد من المحافظات، ما يقلل فرص الاستفادة من العلاج المبكر. وتلفت أيضاً إلى أن الدمج بين الأطفال الذين يعانون من آثار سوء التغذية وأطفال لديهم اضطرابات نمائية، مثل التوحد أو متلازمة داون، لا يكون فعالاً إلا إذا جرى ضمن برامج متخصصة يشرف عليها فريق متعدد الاختصاصات يراعي الفروق بين كل حالة وأخرى. أما الدمج غير المهني، فتقول إنه قد يأتي بنتائج عكسية، لأن الأطفال المتأثرين بسوء التغذية يعتمد جزء أساسي من تأهيلهم على التحفيز والمحاكاة والتفاعل مع بيئة مناسبة، وهو ما قد ينعكس سلباً على تطورهم إذا غابت المعايير العلاجية الصحيحة.
مستقبل يتوقف على التدخل المبكر لم يعد أثر سوء التغذية يُقاس بما ينقص من وزن الطفل أو طوله فقط، بل بما يتركه من فجوات في نموه وتعليمه ومستقبله. وبين قصص الأهالي، وبيانات الأمم المتحدة، وتحذيرات الأطباء، يبقى السؤال مفتوحاً: كم طفلاً آخر سيكبر قبل أن يُمنح فرصة التدخل التي كان يحتاج إليها في الوقت المناسب؟
تلفزيون سوريا
سيرياستيبس
"كل يوم وأنا داخلة آخد شام من المدرسة، بحس إنو كل العيون عليّ. كأني مذنبة، بس لأن بنتي هيك". بهذه الكلمات بدأت راما، والدة الطفلة شام، حديثها عن ابنتها التي تعاني التقزم الناتج عن سوء التغذية المزمن، وهو ما انعكس على نموها الجسدي، وأدى إلى تأخر في النطق والنمو وصعوبات في التعلم. طفولة بدأت تحت الحصار تعود قصة شام إلى سنوات الحصار الذي فرضه النظام المخلوع على الغوطة الشرقية، حين حملت راما بابنتها وأنجبتها في ظل نقص حاد في الغذاء والرعاية الصحية. لم يكن الحرمان من الغذاء تفصيلاً عابراً، بل واقعاً يومياً عاشته الأم خلال الحمل، ثم رافق شام في سنواتها الأولى، وهي المرحلة الأكثر حساسية في النمو الجسدي والعصبي للأطفال. التعليم.. حق معلّق اليوم، تواجه شام تحدياً آخر يتمثل في حقها في التعليم. تتابع الطفلة دراستها في مدرسة حكومية بموافقة استثنائية من مديرة المدرسة، في ظل غياب مدارس حكومية دامجة ومجهزة لاستقبال الأطفال الذين يحتاجون إلى دعم تعليمي وتأهيلي متخصص. وتؤكد راما، كما تقول أم مظهر، وهي والدة طفل يعاني الحالة نفسها، أن مطلب الأهالي لا يتجاوز توفير صفوف دامجة داخل المدارس الحكومية، يشرف عليها معلمون واختصاصيون مؤهلون للتعامل مع الأطفال الذين يعانون من آثار سوء التغذية وتأخر النمو. حين لا يلائم الدمج احتياجات الأطفال وفي محاولة لإيجاد بديل، سجلت أسرة شام ابنتها في مركز تعليمي خاص، بعد أن تكبدت مشقة تأمين الرسوم المرتفعة. إلا أن التجربة لم تستمر طويلاً، إذ تقول الأسرة إن المركز كان يجمع في الصف الواحد أطفالاً يعانون التوحد ومتلازمة داون، إلى جانب أطفال لديهم تأخر في النمو أو آثار ناجمة عن سوء التغذية، رغم اختلاف احتياجاتهم التعليمية والتأهيلية. ويقول والدا شام إنهما لاحظا خلال تلك الفترة ظهور سلوكيات جديدة لدى طفلتهما لم تكن موجودة سابقاً. ويربطان ذلك بعدم ملاءمة البيئة التعليمية وغياب البرامج المتخصصة التي تراعي الفروق الفردية بين الأطفال، ما دفعهما إلى سحبها من المركز والبحث عن بيئة أكثر مناسبة لاحتياجاتها. خديجة.. مضاعفات الولادة والحصار وتقول سهام، والدة خديجة، إن ابنتها كانت تحتاج إلى ولادة قيصرية، لكنها اضطرت إلى الولادة الطبيعية خلال فترة الحصار في الغوطة الشرقية، ما أدى إلى نقص أكسجة حاد عند الولادة. وتضيف أن نقص الرعاية الطبية، وغياب الحضانات، وصعوبة تأمين التغذية المناسبة بعد الولادة، كلها عوامل فاقمت حالة ابنتها في أشهرها الأولى. لم تتوقف معاناة خديجة عند الجانب الصحي. فمع تقدمها في العمر، أصبحت تواجه أيضاً التنمر والسخرية بسبب قصر قامتها وتأخر نموها، ولم يقتصر ذلك على محيطها الاجتماعي، بل امتد، بحسب والدتها، إلى بعض أفراد العائلة، ما ضاعف الأعباء النفسية الواقعة على الطفلة وأسرتها. خدمات غير متخصصة ووعي متأخر وخلال إعداد هذا التقرير، أُجريت مقابلات مع أسر أطفال، إلى جانب منظمات وجمعيات ومراكز تُعنى بتقديم خدمات للأطفال ذوي الإعاقة. وأظهرت الجولة الميدانية أن الأطفال الذين يعانون من التقزم أو تأخر النمو الناتج عن سوء التغذية لا يحظون، في معظم الجهات التي شملها التحقيق، بخدمات متخصصة تتناسب مع احتياجاتهم. بل يُدمجون غالباً مع أطفال يعانون من التوحد أو متلازمة داون أو اضطرابات نمائية أخرى، رغم اختلاف الاحتياجات الصحية والتعليمية والتأهيلية لكل فئة. كما أظهرت المقابلات مع الأهالي أن عدداً من الأسر لا ينظر إلى تأخر النمو بوصفه مشكلة تستدعي التقييم الطبي أو التأهيلي. ويعتقد بعضهم أن التأخر سيزول مع التقدم في العمر، أو أن الطفل سيلحق بأقرانه من تلقاء نفسه، وهو ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تأخر التشخيص والتدخل المبكر. التقزم بالأرقام ولا تقتصر القضية على الحالات الفردية التي وثقها التحقيق، إذ تُظهر بيانات الأمم المتحدة استمرار تدهور مؤشرات سوء التغذية بين الأطفال في سوريا. فبحسب أحدث التقديرات لعام 2025، يعاني نحو 591 ألف طفل دون سن الخامسة من التقزم، بينما يحتاج 587 ألف طفل إلى علاج من سوء التغذية الحاد، بينهم نحو 97 ألف طفل يعانون الهزال الشديد. كما ارتفعت نسبة التقزم من 12.6 في المئة عام 2019 إلى 17.1 في المئة عام 2025، في مؤشر يعكس اتساع آثار سوء التغذية المزمن على نمو الأطفال. وتشير التقارير إلى أن استمرار انعدام الأمن الغذائي، وضعف الوصول إلى الخدمات الصحية والتغذوية، وتراجع جودة الأنماط الغذائية، كلها عوامل أسهمت في تفاقم المشكلة، بما يجعل آثارها تمتد إلى ما هو أبعد من نقص الوزن أو قصر القامة، لتطول النمو الجسدي والعصبي للأطفال.
أول ألف يوم.. نافذة لا تعوّض وتحذر الدكتورة سهى (اسم وهمي) من مشفى الأطفال الجامعي في دمشق، من أن سوء التغذية خلال أول ألف يوم من عمر الطفل قد يخلّف آثاراً تتجاوز التقزم وتأخر النمو، لتطول التطور العصبي والمعرفي والمناعة والقدرة على التعلم. وتؤكد أن التدخل المبكر، ولا سيما خلال أول عامين، يمنح الطفل فرصة كبيرة لتعويض ما فاته من النمو، في حين قد تصبح بعض الأضرار الناجمة عن سوء التغذية الشديد أو المطوّل غير قابلة للتعويض بالكامل. وتشير إلى أن كثيراً من الأطفال يصلون إلى المشفى في مراحل متقدمة بسبب الفقر، وضعف الوعي بأنماط التغذية السليمة، ومحدودية الخدمات الصحية في عدد من المحافظات، ما يقلل فرص الاستفادة من العلاج المبكر. وتلفت أيضاً إلى أن الدمج بين الأطفال الذين يعانون من آثار سوء التغذية وأطفال لديهم اضطرابات نمائية، مثل التوحد أو متلازمة داون، لا يكون فعالاً إلا إذا جرى ضمن برامج متخصصة يشرف عليها فريق متعدد الاختصاصات يراعي الفروق بين كل حالة وأخرى. أما الدمج غير المهني، فتقول إنه قد يأتي بنتائج عكسية، لأن الأطفال المتأثرين بسوء التغذية يعتمد جزء أساسي من تأهيلهم على التحفيز والمحاكاة والتفاعل مع بيئة مناسبة، وهو ما قد ينعكس سلباً على تطورهم إذا غابت المعايير العلاجية الصحيحة.
مستقبل يتوقف على التدخل المبكر لم يعد أثر سوء التغذية يُقاس بما ينقص من وزن الطفل أو طوله فقط، بل بما يتركه من فجوات في نموه وتعليمه ومستقبله. وبين قصص الأهالي، وبيانات الأمم المتحدة، وتحذيرات الأطباء، يبقى السؤال مفتوحاً: كم طفلاً آخر سيكبر قبل أن يُمنح فرصة التدخل التي كان يحتاج إليها في الوقت المناسب؟
تلفزيون سوريا
|