سيرياستيبس
أثار فرز خريجة اختصاص هندسة غذائية إلى إحدى الجامعات السورية، ومن ثم تعيينها في ديوان كلية التربية، كما أي موظف فئة ثالثة، جدلاً ساخناً في أحد الاجتماعات الرسمية، حول خلل مزمن يعتري آليات القبول الجامعي أساساً قبل توزيع المخرجات على المؤسسات. طبعاً الحالة أثارت جدلاً بناء على “واسطة” حرّكها ذوي الخريجة، لكنها لم تكن الوحيدة على الإطلاق.. إلا أن النقاش انتهى حينها وبقيت الأمور على حالها، أي بقي الخلل قائماً على الرغم من إثارته في أعلى مؤسسة تنفيذية آنذاك "عام 2019".
مفترق مصيري اليوم تقف البلاد على بوابة انتظار معدلات القبول الجامعي، ومن المهم أن يكون السؤال عاماً وشاملاً .. في أي الاتجاهات سيصار إلى توجيه خيارات التعليم العالي.. وعلى أي أساس؟ هل حاجة سوق العمل هي ما يرسم خريطة الطريق، أم رغبات الطلاب المدفوعين بغواية الأهل والشغف بالاستعراض والألقاب؟ أي الاختصاصات تبدو ” إستراتيجية “ في زمن المتغيرات والتحولات وصعود اختصاصات إلى واجهات الأفضلية، وسقوط أخرى، ليس محلياً وحسب، بل على مستوى العالم؟ تساؤلات بحاجة إلى وقفة وإعادة نظر عميقة من وزارة التعليم ومجلس التعليم العالي، قبل” توريط” دفعة جديدة من الجيل، في دوامة يخرجون منها بعد أربع أو خمس سنوات بمجرد لقب علمي وليس إلا.
أولويات واقعية يدعو الدكتور عمار تركاوي، وهو أستاذ القانون العام في جامعة دمشق وعميد الحقوق السابق في جامعة خاصة، إلى رفع الطاقة الاستيعابية للتخصصات المهمة والمؤثرة في سوق العمل كالذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والأطراف الصناعية والهندسة الطبية والإدارة الفندقية والسياحية ... وغيرها ويرى في حديثه مع “ العين السورية” أن ثمة صلة وثيقة تربط بين سياسات القبول الجامعي والتخصصات الدراسية الأكاديمية وهذا ما يجب أن تقوم به وزارة التعليم العالي والبحث العلمي. و يلفت إلى أن الأمر الذي يحدث غالباً، أن التخصصات الطبية والهندسية تتطلب معدلات أعلى من التخصصات الأدبية و العلوم الانسانية.
غواية "النخبة" في ذات الاتجاه، يطالب الدكتور علي الخضر وهو أستاذ الإدارة وعميد أسبق للمعهد العالي لإدارة الأعمال كما لكلية الاقتصاد في جامعة دمشق، بنشر ثقافة جديدة فيما يتعلق بالاختصاصات الجامعية. ويشير إلى أن الميل دائماً يكون باتجاه ما يُسمى "اختصاصات النخبة"، والتي تتمثل في الطب البشري، وطب الأسنان، والصيدلة، إضافة إلى المعلوماتية. ويشير الخضر في حديثه لـ “ العين السورية” إلى أن الجامعات في العديد من دول العالم، لا تركز بالضرورة على منح العلامات الأعلى لطلاب هذه التخصصات الثلاثة. ويرى أنه ينبغي على السلطات المعنية أن تسعى إلى عملية توطين العمالة المحلية بكافة اختصاصاتها، والعمل على توفير البيئة المواتية لها، بحيث لا تكون الاستثمارات موجَّهة إلى الخارج فحسب، بل يكون مردودها أيضاً في عودة المجتمع السوري واستقراره. وهذا الأمر بحاجة إلى دراسة شاملة وتفصيلية ومعمّقة، ينبغي أن تهتم بها الدوائر السياسية والعلمية والاقتصادية وغيرها.
تفاؤل حذر بشيء من التفاؤل يشير الدكتور تركاوي، إلى أن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، قامت بإحداث وافتتاح العديد من الكليات الجديدة في جامعات القطر المختلفة للعام الدراسي ٢٠٢٧/٢٠٢٦ ، وهذا جيد ومهم لأنه يخدم المسيرة التعليمية والأكاديمية بشكل متوازن، ويعمل على توسيع سياسة الاستيعاب الجامعي في كل المحافظات. لكنه يرى أنه من الضروري جداً إقامة ورشات عمل وندوات علمية في رحاب الجامعات عن الموضوعات المستجدة والملحة، وإتاحة الفرصة لطلاب الجامعات بالمشاركة فيها وطباعة ما يخرج عن هذه الورشات والندوات في كتيبات وتوزيعها على الجامعات كافة للافادة من مضمونها. فسوريا الجديدة في مرحلة دقيقة تحتاج فيها لجهود جميع أبنائها للمشاركة في إعادة الاعمار والبناء وتحقيق التنمية المتوازنة، كي تستعيد مكانتها الرائدة وموقعها الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط . وهذا الأمر يقع على عاتق الجميع من أجهزة الدولة ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام والأفراد.
جمود وارتباك يرصد الدكتور الخضر، حالة الـ “ستاتيك “ التي تغلف سياسات الاستيعاب في منظومة التعليم منذ عقود طويلة، مع بعض التعديلات الطفيفة عليها والحقيقة، على الرغم من التوجه العالمي، نحو إلغاء عشرات الآلاف من البرامج الجامعية القائمة في الدول المتقدمة. وخير مثال على ذلك أن الصين، منذ فترة، ألغت نحو عشرين برنامجاً تعليمياً من جامعاتها ، وفكّرت جدياً بإحداث تخصصات جديدة تحاكي روح العصر، وتحاكي متطلبات الحاجة وسوق العمل. بالفعل، لا تزال سياسة الاستيعاب وبرامج المفاضلة في جامعاتنا، إلى حد كبير، تتسم بالتقليدية وتطرح الكثير من التساؤلات. وهنا يشير د. الخضر إلى أن التخصصات الحيوية مثل الرياضيات والفيزياء والكيمياء والعلوم الحيوية والتطبيقية ،تتطلب من الطلاب الحصول على معدلات مرتفعة جداً، رغم أن هذه التخصصات تُعتبر الركيزة الأساسية والبوابة الرئيسية للعلوم المتقدمة. أما عن الجانب الآخر، فيضيف : أنا شخصياً ممن يؤمنون بأن المشكلة تكمن في التمييز في نوعية التخصص وليس في طبيعة التخصص نفسه. فكم يوجد من المؤرخين أو الباحثين في علوم اللغة، أو الفلسفة، أو علم الاجتماع، أو العلوم السياسية، أو الجغرافيا، ممن يمكن الإشارة إليهم بالبنان، والذين قدّموا إضافة نوعية حقيقية في مجالاتهم؟ هذه العلوم هي علوم حيوية ومهمة، رغم أنها تُعتبر من العلوم الكلاسيكية والتقليدية، ولا يمكن الاستغناء عنها على الإطلاق. فمشكلات المجتمع لا بد أن يعالجها علماء الاجتماع، والمشكلات السياسية لا بد أن يعالجها علماء السياسة، وهكذا.
إعادة هيكلة بناءً عليه، يقترح أستاذ الإدارة اختصار أعداد الطلاب المقبولين في بعض هذه التخصصات، مع التركيز على أن يكون الخريج متخصصاً نوعياً تماماً، قادراً فعلاً على تقديم قيمة مضافة حقيقية في مجاله، وأن يكون مساهماً بناءً في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية.
أولويات أما البعد الآخر الذي يذهب إليه د. الخضر، فيتعلق باستخدامات التعليم العالي الجديدة، فهذا الأمر يحتاج برأيه إلى التركيز على نقطتين أساسيتين: الأولى: حاجة سوق العمل حاضراً ومستقبلاً الثانية: اعتماد وفتح برامج ومناهج جديدة للعلوم المعاصرة، وخاصة التقنية منها، والتي لها صلة قوية بالمعلوماتية والذكاء الاصطناعي.
عصف ذهني يذكر د. الخضر بتصريح جديد لإيلون ماسك يقول فيه: إن "الروبوت" على سبيل المثال سيحل محل كبار جراحي العمليات الدقيقة وهنا يطرح السؤال نفسه: هل نركز على تعليم الطبيب، أم يجب أن نركز على تعليم مبرمجي ومطوري ذلك الروبوت؟ هذا يدل على أن هناك نقلة نوعية في عالم التخصصات المعاصرة، وعلينا أن نفكر جدياً كيف يمكننا التعاطي معها حاضراً ومستقبلاً. في ظل كل المعطيات الجديدة، يبقى السؤال..هل هناك تخصصات يجب إلغاؤها وأخرى يجب إدراجها؟ لا يرى عميد “ هبا “ السابق، أنه يجب إلغاء أي تخصص على الإطلاق، لأنه لا يوجد تخصص إلا وله أهميته الخاصة في ميدان محدد. لكنه يؤكد أن التركيز يجب أن ينصب على المحتويات العلمية التي ندرّسها، خصوصاً للعلوم ذات الطابع الاجتماعي التقليدي والكلاسيكي، والتي لا يرغب كثير من الطلاب في الالتحاق بها رغم أنها في غاية الأهمية. أما بالنسبة للتخصصات الجديدة التي يجب إدراجها، فهذا الأمر مرتبط بطبيعة توفر البنية التحتية التي تسمح لنا باستقبال الطلاب في هذه التخصصات، مع توفير الكادر التدريسي والفني والتعليمي، وتوفير المخابر المطلوبة والأدوات والمستلزمات الضرورية، التي تضمن الممارسة الحقيقية لهذا النوع من التخصصات الحديثة، والتي هي في غاية الأهمية لمواكبة أسواق العمل الحالية والمستقبلية.
العين السورية
|