سيرياستيبس
لم يكن قرار رفع أسعار المحروقات في سوريا مجرد زيادة جديدة تضاف إلى قائمة الأسعار بالنسبة إلى العائلات التي أنهكتها تكاليف المعيشة المتراكمة. المشكلة بالنسبة لكثير من العائلات، لا تبدأ من سعر ليتر البنزين أو المازوت وإنما من الخوف الناتج عن تأثير أي زيادة جديدة في سلسلة واسعة من النفقات التي تبدأ بالنقل وتمتد إلى الغذاء والدواء والتعليم وكل المستلزمات اليومية.
مع كل ارتفاع جديد تعيد الأسرة السورية حساباتها، لكن ليس بالضرورة لتعرف ما يمكن شراؤه وإنما لتحدد ما الذي تستطيع الاستغناء عنه.
وكثير من العائلات انتقلت خلال السنوات الماضية من تقليص نفقات الترفيه والكماليات إلى تخفيض الإنفاق على بعض الاحتياجات الأساسية مع تراجع مساحة الادخار والتخطيط إلى المستقبل أمام أولوية الوصول إلى آخر الشهر . نعيش بـ "قدرة الخالق"
وقالت ليلى وهي موظفة في محل لبيع الألبسة وأم لطفلين ، إن الحياة المعيشية أصبحت "أكثر صعوبة" مع كل ارتفاع جديد في الأسعار، مضيفة/ "إننا نعيش في سوريا بقدرة الخالق فقط".
وتوضح ليلى أن معظم العائلات بدأت بتقليص احتياجاتها، منذ فترة طويلة قائلة:" كنت أشتري اللحمة أربع مرات في الشهر ومن ثم استغنيت عنها بالكامل إذ إن مكعب الماجي في الطبخة يعوض عن طعم اللحوم لكنه لا يعوض عن فوائدها".
وتحدثت ليلى عن شرائها الملابس لأطفالها في كل موسم، لكنها منذ عام لم تشترِ لهم قطعة واحدة جديدة إلا "إذا كانت القديمة وصلت حد الاهتراء".
ولا تقتصر الصعوبات لدى ليلى بالغذاء والكساء، بل يتعدى إلى الدخل بأجمله قائلة: "إن الدخل لم يعد يسمح بتغطية جميع الاحتياجات اليومية من غذاء ودواء إلى بقية النفقات، وعن الرفاهية فهي خارج القائمة منذ أعوام."
واستغنت ليلى وعائلتها منذ مدة، عن المشوار العائلي إلى منتزه شعبي لـ "ارتفاع تكاليف النقل والمكان".
ومن الملاحظ، هنا أن العائلات السورية تشهد تحولاً في طريقة إدارة مصاريف الأسرة شهرياً، فالتقشف يبدأ عادة بالكماليات، إلا أنه أصبح يطول أصنافاً من الطعام واللباس والنشاطات العائلية.
المشكلة ليست ليتر بنزين
"إن ارتفاع أسعار المحروقات لا يعنيني بشكل مباشر لأنني لا أمتلك رفاهية اقتناء سيارة مهما كان سعرها رخيصاً"، هذا ما قاله الموظف المتقاعد أبو محمد (60 عاماً) لموقع تلفزيون سوريا.
لكن المشكلة بالنسبة له تكمن في ما يرافق ارتفاع المحروقات من زيادات في الأسواق، مشيراً إلى أن المشكلة ليست بسعر ليتر البنزين أو المازوت وإنما بحالة جنون الأسعار في الأسواق حيث يصبح السوق بحالة تنافسية من يرفع السعر أكثر.
وأضاف، أن راتبه التقاعدي الذي يعادل نحو 100 دولار أو أقل من ذلك _ (نحو 13 ألف ليرة سورية جديدة) ـ، لا يكفي لتغطية نفقات الشهر، إذ يذهب الجزء الكبير منه للفواتير الكهرباء والماء والأدوية.
وأضاف: مع وصولي لمنتصف الشهر ينتهي الراتب وتبدأ رحلة الاستدانة من محال الخضراوات والغذائيات"، آملاً بزيادةٍ لرواتب المتقاعدين حتى يسد ديونه.
ولفت أبو محمد إلى أن جميع الدول تحترم كبار السن إلا في سوريا، إذ إن تلك الدول لا تخفض الرواتب بعد سن التقاعد، وتوفر للمتقاعدين جميع المستلزمات ويكون لهم معاملة خاصة تصل إلى الرفاهية.
أما في سوريا، فقال، أبو محمد: "إن الشخص يتقاعد فيجري الإنقاص من راتبه وبعد سن التقاعد، وترى العجوز إما يبيع البقدونس على الرصيف أو يعمل بتصليح الأحذية لكي يكمل ثمن دوائه ولقمة عيشه".
يعاني، أبو محمد من أمراض "الضغط والقلب" وهو بحاجة لدواء مستدام صباحاً ومساءً ولكنه بدأ بتقليص استخدام الدواء ليتناوله فقط في الصباح، قائلاً: "حبة واحدة في اليوم أو حبة كل يومين والباقي على الله". العمل من أجل الدراسة
ولا يتوقف تدهور الحالة المعيشية عند الغذاء والصحة وإنما يمتد إلى التعليم ومستقبل الشباب، إذ إن كثيرا من الطلاب الجامعيين يعملون من أجل تغطية نفقات النقل ومستلزمات الدراسة.
سمير طالب في السنة الثانية في كلية الهندسة المدنية، يعمل مع عمال البناء في ريف دمشق لتأمين مصاريفه الجامعية، ومساعدة أهله في بعض نفقات المنزل.
ويقول: "إن الحال صعبةُ جداً، من المفترض أن يكون طموحي متناسباً مع الفرع الجامعي الذي أدرسه، لكنني الآن أعمل لتأمين مصاريف المواصلات ومساعدة عائلتي بمصروف المنزل". من التخطيط إلى المستقبل إلى إدارة النقص
اعتبر الباحث الاقتصادي حسام حميدي ، أن الارتفاعات الأخيرة جعلت الأسرة السورية "تعيد ترتيب إدارة ميزانيتها"، قائلاً: "عندما لا يكفي الدخل لتغطية احتياجات الأسرة الأساسية، يصبح التخطيط للمستقبل مؤجلاً أمام ضرورات الوقت الحاضر".
وأضاف حميدي، أن الموازنة المنزلية تحولت إلى سلسلة من المفاضلات:
(شراء الغذاء أو تأجيل حاجة أخرى؟ ـ دفع فاتورة أو تسديد دين؟ ـ شراء الدواء أو تقليص مصروف آخر ؟).
في حين تتراجع تدريجياً، مساحة الإنفاق على الترفيه والادخار وتحسين مستوى المعيشة، بحسب الباحث الاقتصادي.
وأشار إلى أن السؤال الأكثر إلحاحاً لدى الأسرة، يصبح "كيف يمكن الوصول إلى نهاية الشهر بأقل قدر من الديون؟ "، بدلاً من السؤال عن كيفية زيادة المدخرات أو تحقيق أهداف مستقبلية.
فجوة اقتصادية
وتشكلت في السنوات الأخيرة "فجوة اقتصادية كبيرة" بين العائلات السورية بحسب الباحث الاقتصادي حسام حميدي، الذي رأى أن تأثير الارتفاع، "لا يبدو متساوياً بين جميع الأسر"، إذ تختلف قدرة العائلات على امتصاص هذه الزيادات تبعاً لمستوى دخلها ومصروفها.
وقال حميدي: "في الوقت الذي تحسب فيه أسرٌ محدودة الدخل تكلفة كل حاجة أساسية، وتضطر أخرى إلى الاستدانة أو تقليص الغذاء والدواء، تستطيع أسر ذات دخلٍ أعلى في الاستمرار في الإنفاق على التعليم الخاص والمطاعم والخدمات" .
وأوضح أن الفجوة لا تكمن فقط في حجم الإنفاق وإنما في "حجم الخيارات المتاحة أمام كل أسرة"، فارتفاع الأسعار بالنسبة لأسرة ميسورة الحال قد يعني "تقليص بعض النفقات غير الضرورية"، بينما قد يعني الارتفاع نفسه لأسرة محدودة الدخل "حذف حاجة أساسية من قائمة مصروفها".
وتظهر هذه الفجوة كما سماها حميدي، بوضوح في "التعليم والصحة والغذاء والسكن"، وهي مجالات لا تتعلق بمستوى الرفاهية فقط وإنما بفرص الأسرة في للحفاظ على مستوى معيشي مستقر وتأمين مستقبل أبنائها، وفق رأيه. فقدان الاستثمار في المستقبل
وينعكس ارتفاع تكلفة المحروقات، وفق الباحث الاقتصادي على قطاعات متعددة من خلال زيادة تكاليف النقل والإنتاج والتوزيع، لكن التأثير النهائي لا يكون واحداً على جميع الأسر، حيث تكون الأسر ذات الدخل المحدود، أكثر عرضةً للضغط عندما يذهب الجزء الأكبر من دخلها إلى الاحتياجات الأساسية.
وأشار إلى أن اضطرار الطالب للعمل حتى يؤمنَّ مصاريف الدراسة والمواصلات، أو اضطرار المتقاعد إلى الاستدانة لتغطية نفقاته، لا يعكس فقط انخفاض القدرة الشرائية، وإنما يشير أيضاً إلى "انعدام قدرة الأسرة تدريجياً على الاستثمار في المستقبل".
ولا تبدو قصة الأسرة السورية قصة ارتفاع سعر سلعة واحدة، ولا يمكن اختزالها في المحروقات فقط، وإنما هي قصة أسرة بكاملها تختزل أساسيات الحياة.
تلفزيون سوريا
|