سيرياستيبس محمد راكان مصطفى
أعلنت لجنة تسعير المشتقات النفطية رفعاً مؤقتاً لأسعار المحروقات، إذ ارتفع سعر المازوت نحو 40%، من 125 إلى 175 ليرة، والبنزين بين 25 و30 بالمئة ويأتي القرار في ظل تجاوز سعر خام برنت 100 دولار للبرميل، ودخول مصفاة بانياس في صيانة تستمر شهرين، ما رفع الاعتماد على الاستيراد، بالتزامن مع تراجع مستمر في قيمة الليرة السورية يضاعف تكلفة الاستيراد.
تكلفة تمتد إلى السوق
يرى أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة الدكتور عبد الرحمن محمد في حديثه أن ارتفاع سعر المازوت يمر عبر سلسلة التكلفة إلى مختلف مفاصل السوق المحلية، باعتباره مدخلاً أساسياً في توليد الكهرباء والنقل والزراعة والصناعة.
ويشير إلى أن كل زيادة بنسبة 10% في سعر المازوت تدفع التضخم العام في الاقتصادات الهشة نحو 2 إلى 4 نقاط مئوية، وبالتالي فإن الزيادة الحالية البالغة 40% تتجاوز هذا الحد بكثير، ما يعني أن أجور النقل سترتفع أولاً، تليها أسعار الغذاء ومواد البناء والخدمات الأساسية.
ويضيف أن نحو 60% من استهلاك المازوت يعتمد على الاستيراد، ما يجعل انخفاض قيمة الليرة وارتفاع السعر العالمي عاملين متضافرين في زيادة الضغوط التضخمية، ويصعب استيعاب أثرهما في المدى القريب.
معضلة المواطن
ويلفت محمد إلى أنه منذ صباح يوم رفع الأسعار، بادر سائقو الميكروباص في دمشق وحلب ومدن أخرى إلى رفع التعرفة من تلقاء أنفسهم، قبل صدور قرار رسمي.
ويرى أن مطالب السائقين تبدو منطقية من ناحية التكلفة، إذ ارتفع سعر المازوت بما يفوق أي تعديل في التعرفة القديمة، والاستمرار بالتسعير السابق يعني العمل بخسارة، لكن المشكلة، بحسب محمد، أن رواتب الموظفين لم تُعدّل، في وقت يضع تصنيف برنامج الأغذية العالمي كثيراً من الأسر السورية في مرحلة الأزمة، ما يعني أن النقل والطاقة يستهلكان أصلاً نسبة كبيرة من دخلها.
وبالتالي، حتى لو كان رفع الأسعار مبرراً على أساس التكلفة، فإن أثره التوزيعي يبقى تنازلياً بامتياز، لأن الأسر الأفقر تتحمل العبء النسبي الأكبر.
القدرة على التحمل
ويعتبر محمد أن هناك تناقضاً بنيوياً بين صحة التسعير وفق التكلفة والقدرة الاجتماعية على تحمل هذا الارتفاع، مشيراً إلى أن سورية تفتقد اليوم الأدوات التي يمكن أن تخفف هذا التناقض، وفي مقدمتها القدرة على تقديم التحويلات المالية، ووجود احتياطي نقدي أجنبي، وغطاء ضريبي كافٍ.
وفي ظل غياب آلية تعويضية، مثل دعم موجّه للمازوت أو بطاقة نقل مدعومة، فإن رفع الأسعار المبرر بالربط مع السعر العالمي يتحول عملياً إلى تحميل الطبقات الفقيرة فاتورة صدمة خارجية.
ويخلص محمد إلى أن ما يجري يمثل تعديلاً اضطرارياً في ظل انعدام المساحة المالية، وليس إصلاحاً طوعياً لأسعار الطاقة.
الوطن
|