سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:17/09/2026 | SYR: 14:57 | 17/09/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير

 سوريا: قفزات مجنونة في أسعار العقارات وحيتان السوق تتلاعب
17/09/2026      



سيرياستيبس 

ارتفعت أسعار العقارات في معظم المحافظات السورية بشكل جنوني، خلال الأشهر الماضية. وتراوحت نسب الارتفاع بين 100% إلى 150%، وفقاً لتقديرات جمعناها من مصادر أهلية وتجار بسوق العقارات، حيث انتابت السوق حالة غير مفهومة من الارتفاع الصارخ للأسعار دون وجود طلب حقيقي. 

في دمشق تتباين أسعار المتر العقاري الجاهز للسكن وفقاً للمنطقة ولجودة الخدمات وقربها من السوق، ويبلغ وسطي سعر المتر في أحياء المزة وكفرسوسة وأبو رمانة قرابة 2500 دولاراً، في حين سجلت أحياء دمشقية أخرى أسعاراً أقل، ففي برزة والميدان يبلغ وسطي المتر 1500 دولاراً، بينما لا يقل سعر المتر العقاري في الضواحي مثل جرمانا وقدسيا عن 800 دولاراً.

أما في الريف الدمشقي الواسع والذي شهد عودة آلاف المهجرين واللاجئين على مدار سنة ونصف، فتراوح وسطي المتر العقاري (على الهيكل) في المناطق الواقعة وسط المدن بين 350 وحتى 600 دولاراً. ويصل وسطي سعر المتر في "مارونا سيتي" وهي منطقة تطوير عقاري تأسست في العام 2012 بدمشق، إلى 1500 دولار، بينما يصل نظيره في مشروع "أبيات هيلز" في قدسيا، إلى 1000 دولار كسعر وسطي. ولا يقل سعر متر العقار في مشروع "جيران هومز" في الصبورة بريف دمشق الذي يشرف عليه فريق ملهم التطوعي عن 1050 دولاراً. 

هل الأسعار وهمية؟ 

تؤكد مصادر أهلية أن العقار الذي كان يباع بـ 20 ألف دولار في العام الماضي، ارتفع سعره إلى 40 ألف دولار على الأقل في غضون أشهر قليلة. 

لكن وسطاء عقاريين مثل وسيم الزاهر الذي يعمل في السوق العقاري الخاص بالأحياء الراقية بالعاصمة أكد لـ"المدن" أن الأسعار تعتبر وهمية فلا توجد حركة بيع أو شراء في السوق بالأساس، عازياً ما يدعوه بحالة جنون السوق إلى جشع الملاك من جهة، وغياب الرقابة الحكومية من جهة أخرى. 

من جهته، يتفق الخبير الاقتصادي سمير طويل خلال حديثه  مع فرضية وجود أسعار وهمية، حيث يخضع السوق للعبة محبوكة يشرف عليها المكاتب العقارية والسماسرة فهم يقومون برفع الأسعار بشكل غير مسبوق، وفقاً لطويل، الذي يؤكد أن قسماً من هذه القفزات السعرية تعتبر قفزات غير حقيقية.

إلى ذلك، يعزو طويل ارتفاع أسعار العقارات سواء القفزات الوهمية أو الحقيقية إلى عودة اللاجئين والمهجرين إلى مناطقهم وهو السبب الرئيسي الذي يعتبر العامل الأهم خلف ارتفاع أسعار العقارات. 

يضيف طويل أن اللاجئين الذين لا يزالون في الخارج ساهموا أيضاً في ارتفاع الأسعار عبر إقدامهم على شراء عقارات في الداخل السوري من خلال وسطاء أو أقارب، ما حفز الطلب على العقارات في ظل عرض محدود لقلة العقارات المشيدة حديثاً. 

يلاحظ طويل عدم وجود مخططات تنظيمية معتمدة أو رؤية تنظيمية واضحة لمحافظة ريف دمشق على الخصوص، فحتى الآن لا توجد رؤية توضح مآلات العقارات في هذه المدن التي تعرض قسم من عقاراتها للتدمير بسبب الماكينة الحربية للنظام السابق، هل سيتم هدمها مثلاً، أم سيتم ترميم الأبنية الصالحة؟ هل سيتم إنشاء مساكن جديدة؟ وكلها أسئلة تنتظر إجابات محددة وواضحة.

ويشير إلى أن الحكومات المتعاقبة على سوريا لم تتمكن من إيجاد حلول جذرية لأزمة السكن المستعصية والتي تفاقمت بشكل غير مسبوق في ظل الثورة السورية، فدائماً كانت هناك طفرة في أسعار العقارات وصلت اليوم إلى سقف مرتفع جداً يجعل بعضها يماثل الأسعار في المدن الأوروبية باستثناء العواصم طبعاً. 

3 عوامل ساهمت في القفزات السعرية

 من جانبه، يتفق الباحث في التنمية المستدامة الدكتور رفعت عامر مع سمير طويل في أن السبب المباشر لارتفاع اسعار العقارات هو اتساع الفجوة بين الطلب والمعروض. فمن جهة، بدأت أعداد متزايدة من السوريين بالعودة من تركيا ولبنان والأردن ودول أخرى، إضافة إلى عودة نازحين داخليين إلى مناطقهم، إلى جانب أعداد كبيرة من النازحين الداخليين. كما كان ريف دمشق من أبرز المناطق المستقبلة للعائدين، مع اعتبار ريف دمشق من أكثر المناطق تضررًا.

يضيف عامر أننا الآن أمام زيادة في عدد الباحثين عن السكن، مقابل معروض لا ينمو بالسرعة نفسها، بل إن قسماً من المساكن القائمة يحتاج إلى ترميم، أو يقع في مناطق تفتقر إلى الخدمات، أو تحيط بملكيته نزاعات قانونية ووثائق مفقودة وتداخلات بين المالكين والورثة والنازحين وشاغلي العقارات.

ويلفت إلى وجود عامل آخر في الأزمة العقارية هذه، ويتمثل بارتفاع أكلاف الإنشاء، فمواد البناء والطاقة والنقل والتجهيزات والأجور ترتبط جزئياً بسعر الصرف وبكلفة الاستيراد، لذلك لا تعكس زيادة سعر المتر دائمًا ارتفاعاً حقيقياً في قيمة العقار، إذ قد يكون جزء منها تعويضاً عن تراجع القوة الشرائية للعملة وارتفاع كلفة بناء متر جديد.

يتابع عامر أنه من الضروري هنا التمييز بين السعر الاسمي والسعر الحقيقي، فقد يرتفع سعر العقار بالليرة بنسبة كبيرة، لكنه لا يرتفع بالنسبة نفسها عند قياسه بالدولار أو بسلة من مواد البناء، كما قد تكون الأسعار المعلنة أعلى من الأسعار التي تنفذ بها الصفقات فعلاً، ولهذا تحتاج السوق إلى بيانات عن الصفقات المسجلة، لا إلى الاعتماد على إعلانات المكاتب العقارية وحدها.

بالتوازي، يلفت عامر إلى وجود عامل ثالث أكثر حساسية، يتعلق بحركة الأموال المتراكمة خارج النظام المصرفي، فقد خلف اقتصاد الحرب شبكات من التجار والوسطاء وأصحاب النفوذ والمستفيدين من الاحتكارات والتهريب والجباية غير الرسمية، ويُرجح أن قسماً من الأموال التي تراكمت لدى هذه الشبكات يبحث اليوم عن أصول مادية آمنة نسبياً.

يضيف عامر بأنه في اقتصاد يعاني ضعف الإنتاج، وغياب سوق مالية، وغياب الثقة بالمصارف، ومحدودية الفرص الصناعية، يتحول العقار إلى الخزان التقليدي للثروة، فهو أصل ملموس، ويمكن الاحتفاظ به لفترة طويلة، كما أن تقييمه أقل شفافية من الأصول المالية، الأمر الذي يجعله ملائمًا للمضاربة، وأحياناً لإخفاء مصدر الأموال أو إعادة تدويرها.

ما الحلول الممكنة؟

في ظل جنون السوق ووفرة القفزات السعرية الوهمية لقسم مما يعرض من عقارات، نتيجة لعبة كبار الوسطاء العقاريين والسماسرة، ما العوامل التي ينبغي توفرها لعودة الاستقرار إلى سوق العقارات؟ 

يتفق كل الخبراء والوسطاء الذين تحدثنا على ضرورة وجود تدخل حكومي إيجابي يضع القطار على السكة الصحيحة، فمن الملاحظ حالة الغياب التام للحكومة في هذا المجال، الذي يشكل أبرز هموم المواطن السوري اليوم. 

في هذا الصدد، حاولنا  الحصول على توضيحات من الجهات الحكومية حول هذا التدخل المرتقب، بدءاً من وزارة الإدارة المحلية التي أشارت إلى أن الملف عند وزارة الإسكان، وانتهاء بوزارة الإسكان التي أحالتنا مجدداً إلى وزارة الإدارة المحلية. 

بدوره، يدعو سمير طويل إلى تشكيل هيئة رقابة حكومية تُشكل من وزارة الإسكان على سبيل المثال، وظيفتها ضبط السوق بمحددات تفرض من الأعلى، على أن يكون السعر المحدد منطقياً، لافتاً إلى أن الحكومة مثلما تقوم بتسعير السلع الغذائية من خضار وفاكهة ولحوم يمكن أن تسعر أيضاً متر الأرض والعقار السكني والتجاري. 

ويوصي طويل بخطة لتلافي أزمة السكن والتقلبات السعرية غير المعقولة للسوق، تشمل إنشاء مساكن للمهجرين، وإعادة إعمار بعض المناطق المدمرة، بالتوازي مع العمل على إنشاء مخططات تنظيمية جديدة، مؤكداً أن من شأن هذه الخطة الحد من الطفرة السعرية الحاصلة الآن في سوريا.

 أما رفعت عامر، فيشير إلى أن تحقيق التوازن بين العرض والطلب هو الحل الاقتصادي الأساسي، لكنه ليس كافياً إذا فُهم بطريقة ميكانيكية فقد يزداد العرض عبر بناء وحدات فاخرة لا يستطيع معظم السكان شراءها، بينما تستمر أزمة السكن الشعبي. وقد توجد آلاف الشقق الفارغة من دون أن تدخل سوق الإيجار لأن أصحابها يستخدمونها لتخزين القيمة.

وبناء عليه، يرى أن المطلوب ليس مجرد زيادة عدد الأبنية، بل زيادة العرض السكني القابل للاستخدام والمناسب لدخول الأسر، وهذا يتطلب سياسة تجمع بين إعادة تأهيل المساكن المتضررة، وبناء وحدات جديدة، وتشجيع الإيجار طويل الأجل، وتوفير الخدمات، وحماية الملكية، ومكافحة الاحتكار والمضاربة، أما الاستقرار السريع، فلا يعني إعادة الأسعار إلى مستوياتها القديمة، فهذا قد يكون مستحيلاً في ظل التضخم وارتفاع كلفة الإنشاء. 

يتابع عامر أن الهدف الواقعي قصير الأجل هو إبطاء وتيرة الارتفاع، ومنع قفزات المضاربة، وزيادة شفافية السوق، وحماية المستأجرين والفئات الأكثر ضعفاً،. وفي الأجل المتوسط، لا يتحقق الاستقرار الحقيقي إلا عندما يبدأ الاستثمار المنتج بامتصاص السيولة، وترتفع الدخول وفرص العمل، وتتوسع المشروعات السكنية، ويثق المستثمر والمواطن بالقضاء والمؤسسات والسياسات العامة.

المدن


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق