
سيرياسيبس
مرّ نحو عام وأربعة أشهر على سقوط سلطة الأسد ونحو عام على تشكيل الحكومة الحالية، وحتى الآن لا يزال يجد السوريون أنفسهم أمام سؤال اقتصادي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: هل خرجت البلاد حقاً من المنظومة الاقتصادية التي حكمتها لعقود، أم أننا أمام إعادة تدوير للنهج نفسه بأدوات ووجوه جديدة؟ فالرحيل السياسي للسلطة السابقة، مهما كان مدوياً ومرغوباً من جانب الناس، لا يكفي وحده إذا بقيت البنية الاقتصادية ذاتها قائمة، بما تحمله من سياسات الإفقار والخصخصة ورفع الدعم وإضعاف دور الدولة الاجتماعي.
قبل أسابيع قليلة من سقوط السلطة السابقة، كانت الرسائل الاقتصادية الرسمية تمهّد لمرحلة ستشهد المزيد من الخصخصة وإنهاء القطاع العام بالضربة القاضية. ففي الأيام الأخيرة للأسد، جرى الحديث عن «كسر المحرمات»، وارتفع منسوب الخطاب الحكومي الذي شن هجوماً على ما وصف بـ«الأيديولوجيا السلبية الجامدة»، في إشارة واضحة إلى التحضير لتصفية القطاع العام وإنهاء الدعم الاجتماعي تماماً. وفي ذلك السياق جرى رفع سعر ليتر المازوت من 2000 ليرة إلى 5000 ليرة دفعة واحدة، بالتوازي مع التلويح بالانسحاب من قطاعات صناعية استراتيجية بحجة «تحويلها إلى رابحة»، في وقت كان فيه أكثر من 90% من السوريين قد وقعوا تحت خط الفقر وفق تقديرات الأمم المتحدة.
جوهر النظام الاقتصادي لا يزال قائماً
فتح رحيل السلطة السابقة باب الأمل أمام السوريين، الذين حلموا بنموذج اقتصادي جديد يبني العدالة الاجتماعية بشكلٍ حقيقي على أنقاض عقود طويلة من النهب والتجويع. لكن هذا الأمل اصطدم سريعاً بالإشارات الأولى للسلطة الجديدة التي سارعت إلى إعلان تبنيها «اقتصاد السوق الحر التنافسي»، وهو ما شكل بداية لتسريع السياسات الكارثية نفسها ولكن بزخم أكبر. نتذكر جميعاً أنه في الأيام الأولى بعد سقوط السلطة، عاد عبد الله الدردري - أحد أبرز الوجوه الاقتصادية في عهد بشار الأسد بين عامي 2003 و2011 - إلى الواجهة، وأطلق عبارته الشهيرة: «لدينا حكومة لا تملك المال، لا خيار أمامها إلا سبيلين، الغرق في الديون أو تنشيط الاستثمار»، واصفاً المرحلة بأنها «فرصة العمر». ثم توالت بعد ذلك الإجراءات التي حملت المواطن أعباء جديدة، من رفع الدعم عن السلع الأساسية، إلى قفز سعر ربطة الخبز من 400 ليرة إلى 4000 ليرة، مروراً بارتفاع أسعار المحروقات والخدمات والنقل، ليجد السوريون أنفسهم أمام أجندة اقتصادية تشبه ما عرفوه سابقاً لكن بوتيرة أسرع وأكثر قسوة.
المستوردات بلا ضوابط فعلية... والمنتجين يصرخون
أسوأ ما شهدته الفترة الماضية كان سياسة فتح الاستيراد بلا ضوابط، أو ما يمكن وصفه بـ«الإغراق السلعي». فقد فتحت الأبواب على مصراعيها أمام الاستيراد المنفلت، وخصوصاً من تركيا، دون رقابة حقيقية أو حماية جدية للمنتج الوطني الذي ما يزال هشاً. ونتج عن ذلك استنزاف واضح لمخزون البلاد الشحيح من القطع الأجنبي، ولم يتوقف الأمر عند السلع الاستهلاكية، بل امتد إلى استيراد السيارات التي تبين أن البلاد قد استوردت عدداً كبيراً جداً من السيارات المستعملة التي يمكن وصفها بالمقاييس العالمية بأنها خردة. قد يبدو هذا المشهد للبعض دليلاً على تعافي أو تحسناً في توافر السلع، لكن الحقيقة الاقتصادية مختلفة تماماً، حيث أن إغراق السوق ببضائع أجنبية رخيصة نسبياً قد ضرب الصناعة المحلية والورش الصغيرة، وحول سورية إلى سوق استهلاكي يخدم مصانع الخارج بدل أن ينهض بالإنتاج الداخلي، وهو ما دفع العديد من الصناعيين للتحرك اعتراضاً على هذا التوجه، بما في ذلك حزمة التوصيات الـ13 التي أطلقتها غرفة صناعة دمشق وريفها يوم 5 شباط الماضي والتي تضمنت مطالب جوهرية، مثل إرساء مبدأ مشاركة الصناعيين في صنع القرار وحماية الأسواق السورية من الإغراق. ورغم ارتفاع الأجور جزئياً، إلا أن هذا الارتفاع ترافق مع موجات فصل للموظفين، وإجبار آلاف العاملين على إجازات إدارية، وأزمة سيولة استمرت طويلاً وجعلت سحب الراتب الشهري معاناة حقيقية أمام الصرافات الآلية، فضلاً عن النقل التعسفي بين المحافظات. والأخطر أن الخطاب الرسمي نفسه لم يخفِ الاتجاه العام، بل كرر بوضوح أن الهدف هو تقليص حجم القطاع العام.
المؤسسات الدولية وعودة الوصفات القديمة
إذا كانت الفترة الماضية قد كشفت شيئاً، فهو أن الفجوة بين الخطاب الاقتصادي والممارسة كانت واسعة جداً. وفق «مؤشر قاسيون لتكاليف المعيشة»، بلغ الحد الأدنى لتكاليف معيشة أسرة سورية مكونة من خمسة أفراد في بداية الشهر الحالي 7.8 مليون ليرة سورية، بينما وصل متوسط التكاليف إلى 12.5 مليون ليرة. وفي المقابل، لا يتجاوز الحد الأدنى الرسمي للأجور (حتى بعد رفعه مؤخراً، علماً أن الموظفين لن يقبضوا الزيادة حتى شهر أيار) ما يعادل 10% فقط من التكاليف الوسطية للمعيشة. وعند المقارنة بدول الجوار، تتضح المأساة أكثر: الحد الأدنى للأجور في تركيا 530 دولاراً، وفي لبنان 400 دولار، وفي العراق 382 دولاراً، وفي الأردن 366 دولاراً، بينما يبقى العامل السوري في القاع عند 114 دولاراً.
كما أن الإعلان الدستوري الصادر في 13 آذار 2025، والذي رسم ملامح المرحلة الانتقالية لخمس سنوات، حمل تناقضاً واضحاً في المادة 11: إذ تحدث عن «العدالة الاجتماعية» من جهة، لكنه نص في الوقت نفسه على حماية المستثمرين وحقوقهم، من دون أي إشارة صريحة إلى حقوق العمال.
قاسيون
|