سيرياستيبس :
يتجاهل الادعاء بأن قطاع الدولة
السوري فاشل بالكامل ولا يمكن الاعتماد عليه سجلاً طويلاً من إسهامات هذا
القطاع في النمو الوطني. حيث أولت الدولة السورية، منذ مرحلة ما بعد
الاستقلال الوطني عن الاحتلال الفرنسي، دوراً محورياً للمؤسسات العامة في
الاقتصاد، وخاصة منذ النصف الثاني من الخمسينيات. وقد قامت الدولة حينها
بمشاريع بنية تحتية كبيرة شملت بناء الطرق والموانئ وشبكات الري، فضلاً عن
إطلاق مشروعات صناعية عاش الكثير منها فترة طويلة قبل تصفيته. وشمل ذلك
بناء السدود لتوليد الكهرباء، وري مساحات زراعية شاسعة، كما أُقيمت مصافي
النفط ومعامل الأسمدة والحديد وغيرها ضمن قطاع الدولة. وقد أدى ذلك إلى نقل
البلاد نقلة نوعية في مجالات الكهرباء والزراعة والصناعة، ما كان له أثر
مباشر في تحسين المستوى المعيشي للسكان. وتؤكد الأرقام التاريخية أهمية
قطاع الدولة في الاقتصاد السوري. فحتى عام 2011، ورغم كل ما تكبده
الاقتصاد من خسائر نتيجة السياسات المتراكمة للنظام السابق، كان قطاع
الدولة يُمثّل نحو 35% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. كما أن مجموع
العاملين في قطاع الدولة بلغ نحو 1.36 مليون عامل أي ما يعادل 27% من
إجمالي القوى العاملة السورية. تدحض هذه المؤشرات فكرة أن قطاع
الدولة كيان هامشي أو عديم الوزن، فقد كان أكبر مشغّل في سورية، وعموداً
فقرياً للاقتصاد الوطني خلال فترات السلم والأزمات على حد سواء. ورغم ما
مرّ به من تحديات، صمدت الكثير من مؤسساته واستمرت في تقديم الخدمات
الأساسية للمواطنين. فعلى مدى عقود، اضطلعت مؤسسات قطاع الدولة بتأمين
السلع الضرورية للمواطن بأسعار مدعومة، ولعل أبرز مثال هو الخبز والمواد
التموينية والمحروقات والكهرباء. وإلى جانب الغذاء والطاقة، وفّر قطاع
الدولة خدمات حيوية في الصحة والتعليم، فقد أمنت الدولة عبر مستشفياتها
ومراكزها الصحية - ورغم كل الملاحظات التي يمكن سردها حول وضعها المزري -
علاجاً مجانياً أو شبه مجاني. وهذه السياسات أثمرت تحسّناً في المؤشرات
الصحية للسوريين. وكذلك شهدت سورية ارتفاعاً كبيراً في نسب التعليم ومحو
الأمية بفضل انتشار المدارس والمعاهد والجامعات الحكومية المجانية. وبحلول
مطلع الألفية، تجاوز معدل التحاق الأطفال بالتعليم الابتدائي 95%، وارتفع
معدل معرفة القراءة والكتابة بين البالغين إلى مستويات تقارب 80% أو أكثر،
بعد أن كان دون ذلك بكثير في منتصف القرن الماضي. هذه المكتسبات
الاجتماعية تحققت بقيادة وتمويل قطاع الدولة أساساً، وهي مكتسبات انتزعها
السوريون انتزاعاً، وتجري محاولات متصاعدة منذ تسعينيات القرن الماضي
لمصادرتها منهم. وحتى خلال الحرب وما تلاها من عقوبات غربية جائرة، ظلت
مؤسسات قطاع الدولة تؤمن الحد الأدنى من الخدمات. ولعل من الأدلة على صمود
هذا القطاع أنه برغم كل محاولات تفكيكه على يد السلطة السابقة، إلا أنه ظل
حاضراً. وبالتالي فإن التقييم الموضوعي يجب أن يفرّق بين إخفاقات ناجمة عن
سوء الإدارة والفساد، وبين الحكم بإعدام الدور الكامل لهذا القطاع لمجرد
أنه «عام». قاسيون
|