سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:10/09/2026 | SYR: 14:59 | 10/09/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير

 قرار استيراد الأسمدة... وسيط إضافي يعمّق الأزمة بدلاً من حلّها
10/09/2026      




سيرياستيبس 

يبدو أن وزارة الزراعة مستمرة بإدارة أزمات القطاع عوض إيجاد حلول جذرية؛ فقد أصدرت في 3 أيلول قراراً يسمح لشركات التصدير في دول الجوار، بصفتها «منصات ربط» لمنتجي الأسمدة، باستيراد الأسمدة المعدنية البسيطة (اليوريا، السوبر فوسفات، سلفات البوتاس، وسلفات الأمونيوم) وتزويد السوق المحلية بها.

لكن النظر في آليات هذا القرار، ومقارنته بواقع صناعة الأسمدة المنهارة، يكشف عن مفارقة خطِرة؛ فبدلاً من تبسيط سلاسل التوريد وخفض التكاليف على المزارع السوري، يُدخل القرار وسيطاً إقليمياً، ما يعني عمولات وهوامش ربح جديدة ترفع كلفة الإنتاج الزراعي، في وقت يعاني فيه المزارعون ارتفاعاً كبيراً في التكاليف.


من الاكتفاء الذاتي إلى التبعية الكاملة

قبل العام 2011، كانت سورية شبه مكتفية ذاتياً في صناعة الأسمدة، بطاقة تصميمية تجاوزت المليون طن سنوياً، وبقيمة اقتصادية سنوية تراوحت بين 300 و400 مليون دولار. لكن اليوم، وبحسب المعطيات الميدانية لعام 2026، تحول هذا القطاع الحيوي إلى ذكرى.
فالشركة العامة للأسمدة في حمص، متوقفة عن الإنتاج منذ مطلع العام الجاري بشكل شبه كامل. ويعود السبب إلى حرمانها من الغاز الطبيعي، حيث تحتاج المعامل إلى 1,2 مليون متر مكعب يومياً لتشغيل خطوط الإنتاج.
وبحسب مدير الشركة، مصطفى العلي، فإن الإنتاج خلال عام 2025 لم يتجاوز 3500 طن من سماد الكالنترو و3800 طن من السماد الفوسفاتي، باستخدام تقنية بدائية تعتمد على المياه الحامضية بدلاً عن الغاز. وهذا الرقم الضئيل لا يغطي سوى أقل من 2% من احتياجات السوق المحلية، التي تقدر بنحو 525 ألف طن سنوياً (300 ألف طن يوريا، وما بين 200 و300 ألف طن أسمدة فوسفاتية، إضافة إلى 25 ألف طن أسمدة بوتاسية).


وسيط إضافي = تكاليف إضافية

ما يثير الجدل في القرار ليس الاستيراد بحد ذاته – في ظل توقف الإنتاج والتعاجز عن إعادة تأهيل المعامل المتوقفة – بل الصيغة التي تمّ بها. فالقرار لم يفتح باب الاستيراد المباشر أمام المستوردين المحليين أو الجمعيات الفلاحية؛ واختار المرور عبر «شركات التصدير في دول الجوار» كمنصات ربط.
وهذا يعني إضافة حلقة وساطة جديدة في سلسلة التوريد تترتب عليها:
- عمولات إضافية تتحملها في النهاية كلفة الإنتاج الزراعي.
- غياب الشفافية التسعيرية، إذ يصبح السوق خاضعاً لتسعير وسيط إقليمي يضع عمولاته الخاصة وهوامش ربحه في رأس الأولوية.
- تعزيز التبعية؛ بدلاً من العمل على فتح قنوات استيراد مباشرة أو طويلة الأجل تقلّص التقلبات.
في المقابل، تغيب عن القرار أي إشارة إلى خطة موازية لإعادة تأهيل المعامل المتوقفة أو إنشاء خطوط إنتاج جديدة، رغم أن الأسمدة تُصنف كسعلة استراتيجية مرتبطة مباشرة بالأمن الغذائي، خاصة في ظل ارتفاع أسعارها عالمياً بأكثر من 30%.


أرقام مرعبة في سوق الأسمدة

على الأرض، يعاني المزارع من جنون أسعار فاق التوقعات. فقد قفز سعر طن اليوريا (46% آزوت) من حدود 500-580 دولاراً إلى نحو 710 دولارات خلال عام 2026. بعد أن أصدر المصرف الزراعي في 24 آذار قراراً بإيقاف توزيع سماد اليوريا بالكامل.
وهو ما توقعه المزارعون فعلاً؛ معتبرين وقتها أن قرار إيقاف التوزيع ما هو إلا تمهيد لرفع الأسعار مجدداً، واستغلال السوق السوداء لحاجة المزارعين للأسمدة.


المزارع يدفع الثمن والأمن الغذائي ينهار

تمثل الأسمدة المعدنية نحو 20-30% من كلفة الإنتاج الزراعي، خاصة في محاصيل القمح والقطن والخضار. وتشير الدراسات إلى أن أي نقص بنسبة 10% في استخدامها يؤدي إلى تراجع الغلة بنسبة تتراوح بين 15 و40% في محاصيل الحبوب، وبنسبة 20 إلى 50% بالنسبة للخضراوات كالبطاطا والبندورة.
وينعكس هذا التراجع مباشرة على حياة المزارعين؛ فقد أدى ارتفاع التكاليف وضعف انتظام التوزيع وغياب الدعم الحكومي إلى خروج أعداد متزايدة منهم من العملية الإنتاجية، وتقلص المساحات المزروعة، وارتفاع الديون، وبيع الأصول الإنتاجية؛ فضلاً عن توقف العديد منهم عن استخدام الأسمدة نتيجة ارتفاع أسعارها وتوقف الدعم، حيث تشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة إلى انخفاض استخدامها بنسبة تتراوح بين 70 و85% مقارنة بأعوام ما قبل 2011.
وفعلياً تحولت سورية من بلد منتج للأسمدة، إلى مستورد صافٍ، مما يرفع فاتورة الاستيراد ويضغط على الميزان التجاري ويحول فائض القيمة من المزارع المحلي إلى الوسطاء الأجانب والمستوردين.


تأهيل المعامل المتوقفة... بديلٌ جذري

قد يكون قرار الاستيراد ضرورة مرحلية لتأمين احتياجات الموسم، لكنه في صيغته الحالية يعكس رؤية لا ترى أبعد من أنفها. فالاعتماد على وسيط يعني زيادة التكاليف والتبعية، في وقت كان الأولى فيه توجيه الجهود نحو خطة طارئة وملزمة زمنياً لإعادة تأهيل معامل الأسمدة، وتأمين الغاز لها.
ولا سيّما أن شحّ الأسمدة المدعومة قد أفضى إلى انتشار السوق السوداء؛ التي ساهمت في ارتفاع الأسعار، وتداول أسمدة منتهية الصلاحية أو غير مطابقة للمواصفات، واستغلال شبكات التهريب للحاجة المحلية.
والمطلوب اليوم أن يكون ملف الأسمدة جزءاً من سياسة زراعية متكاملة واستراتيجية تشمل؛ استيراد الأسمدة عبر عقود حكومية طويلة الأجل بأسعار مخفضة، وتوزيعها مباشرة على المزارعين من دون وسطاء.
وضع جدول زمني واضح لإعادة تشغيل الشركة العامة للأسمدة، مع إيلاء أولوية لخطوط إنتاج اليوريا والفوسفات التي تغطي الجزء الأكبر من الاحتياج؛ بالإضافة إلى تقديم دعم مباشر للمزارعين.
فالأسمدة هي شريان الحياة للزراعة، وليست مجرد مُدخل إنتاج، وهي كذلك منصة انطلاق لأي محاولة حقيقية لتحقيق الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي.


قاسيون


شارك بالتعليق :

الاسم : 
التعليق:

طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق