تشهد سوريا تطوراً مهماً في حركة الملاحة الجوية العابرة لأجوائها مستفيدة من التحولات التي فرضتها الصراعات الإقليمية على مسارات الطيران في الشرق الأوسط.
سيرياستيبس :
انخفاض الكلفة والأمان وقصر المسافات الذي يوفره الموقع الاستراتيجي بين قارات أوروبا وأفريقيا وآسيا، جعل من الممرات الجوية السورية خياراً مرغوباً واقتصادياً أمام شركات الطيران، ومع تحديث أنظمة الملاحة الجوية، تمكن قطاع الطيران السوري من جذب الرحلات الجوية للمرور في الأجواء السورية وتحقيق زيادة واضحة في الإيرادات، الأمر الذي انعكس إيجاباً على رفد خزانة الدولة بالقطع الأجنبي، إذ بلغت خلال شهر مايو (أيار) الماضي 6 ملايين دولار، مع فرض رسوم تصل إلى 499 دولاراً مقابل مرور كل طائرة.
إضافة إلى الممرات الجنوبية التي فُتحت في يونيو (حزيران) الماضي، أعلن رئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي عمر الحصري أن إدارة خدمات الملاحة الجوية في الهيئة اعتمدت الطريق الجوي L602 المار عبر المنطقة الشرقية من سوريا بالقرب من مدينة دير الزور، بعد أشهر من الدراسات الفنية، وذلك ضمن مشروع تطوير شبكة الطرق الجوية السورية ورفع كفاءة المجال الجوي، مشيراً إلى أن اعتماد هذا الطريق يعزز حركة الطيران بين دول الخليج وأوروبا.
ويُعد الطريق L602 أحد المسارات الجوية التي كانت مدرجة ضمن شبكة الطرق الجوية في المنطقة، ويمر في القطاع الشرقي من المجال الجوي السوري.
وقال الحصري عبر حسابه على منصة "إكس"، إن اعتماد الطريق جاء بعد استكمال الدراسات الفنية ومحاكاة حركة الطائرات، والتنسيق مع الدول المجاورة والمنظمات ذات الصلة، بهدف توفير مسارات أكثر كفاءة ومباشرة لحركة الطيران بين دول الخليج وأوروبا، وتعزيز انسيابية وسلامة الحركة الجوية عبر الأجواء السورية.
وأوضح الحصري أنه منذ بدء العمل بالممر المرتبط بهذا الطريق وحتى مساء الـ18 من سبتمبر (أيلول) الجاري، جرى تسجيل 2188 حركة عبور جوي، في مؤشر على استعادة المجال الجوي السوري تدريجياً لدوره ضمن شبكة الحركة الجوية الإقليمية والدولية.
وأشار الحصري إلى أن ذلك يتزامن مع إحراز تقدم مهم في تحديث البنية التحتية للملاحة الجوية في المطارات السورية، إذ أُنجزت المعايرة والاختبارات الجوية لمنظومة ILS/DME في مطار دمشق الدولي بمستوى "CAT II"، وأصبحت المنظومة صالحة للخدمة من دون قيود تشغيلية، مبيناً أن ذلك يعزز موثوقية وسلامة العمليات الجوية والهبوط والإقلاع، ولا سيما في ظروف الرؤية الجوية المنخفضة.
21971 طائرة عبرت الأجواء السورية في شهر واحد
تشير البيانات إلى ارتفاع كبير ومهم في عدد الرحلات الجوية العابرة للأجواء السورية، وبحسب الهيئة العامة للطيران المدني في سوريا، فقد تم تسجيل عبور 11801 رحلة خلال مايو (أيار) الماضي، مقابل 2468 رحلة في مايو 2025، في حين جرى تسجيل عبور 21971 طائرة للأجواء السورية في أغسطس (آب) الماضي.
المتخصص في قطاع الطيران لؤي مهنا أكد أهمية إعادة رسم مسارات الطيران الإقليمية واللجوء إلى سوريا كممر آمن لحركة الطيران، مما أدى إلى خلق فرصة اقتصادية مهمة لدمشق، مشيراً في هذا السياق إلى ضرورة الحفاظ على سياسة تسعيرية تنافسية تجعل المرور من الأجواء السورية ممراً دائماً بعد انتهاء الحرب والتوترات الإقليمية الحالية، وتأكيد حقيقة استعادة سوريا لموقعها في الملاحة الجوية، متوقعاً اتساع دور سوريا كممر جوي في الأعوام القادمة وبشكل يعبر عن ثقة شركات الطيران الدولية بالأجواء السورية.
وأوضح في حديث مع "اندبندنت عربية" أن حكومة بلاده تمكنت من استثمار المتغيرات الإقليمية لمصلحة قطاع الطيران والعبور، فقامت برفع رسوم العبور محققة إيرادات جيدة، وتمكنت من كسب ثقة شركات الطيران. وأضاف "المهم جداً لسوريا هو تحررها من آثار العقوبات وأعوام القطيعة والانتقال إلى مرحلة تتمكن فيها من استثمار إمكاناتها في قطاع الطيران، أولاً لكونها ممراً قصيراً وآمناً للملاحة الجوية وهو ما يوفره موقعها الجغرافي، وثانياً ما يمكن أن تقوم به من عمليات تطوير على الأرض وتحديداً في مطاراتها، والتي يمكن أن تكون وجهة مباشرة لشركات الطيران من دون الحاجة إلى محطات توقف في دول مجاورة، الأمر الذي يمكن أن يحول مطار دمشق الدولي إلى مطار توزيع للمحطات الأخرى عوضاً عن مطاري بيروت والأردن".
4 مليارات دولار لتطوير مطار دمشق الدولي
المتخصص شدد على أهمية ما تقوم به سوريا لجهة تطوير مطار دمشق الدولي والعمل على توسيعه ليتحول إلى مطار عالمي ونقطة التقاء وتوزيع الرحلات إلى مختلف المحطات حول العالم، إذ يشهد المطار أعمال تطوير في سياق اتفاقية لإنفاق 4 مليارات دولار عبر تحالف بين شركة "أورباكون" القطرية "يو سي سي" وشركات عالمية أخرى، مع صياغة الاتفاق ضمن نظام "بي أو تي".
وأوضح أن أعمال تطوير مطار دمشق الدولي انطلقت قبل نحو 11 شهراً، ويُتوقع تحديث المطار الحالي بالكامل من صالات ومدارج وأجهزة وبناء صالة ركاب جديدة وصولاً إلى تحقيق الهدف الأكبر بتحويل مطار دمشق الدولي إلى مركز إقليمي بطاقة تصل إلى 31 مليون مسافر سنوياً عند إنجاز كافة مراحل العمل.
مهنا أكد أن تطوير مطار دمشق الدولي سيعيده بقوة إلى خارطة الطيران الإقليمي والدولي ويجعل منه بوابة تربط الشرق الأوسط بالعالم، مما يؤكد حضور قطاع الطيران كرافد للاقتصاد الوطني وأحد أوجه التعافي الاقتصادي.
المتخصص في مجال الطيران أكد أن قطاع الطيران والسفر في سوريا يقف على أعتاب مرحلة في غاية الأهمية من الازدهار والتطور والاتساع، متوقعاً أن تستقبل سوريا ملايين الزوار والسياح والمغتربين ورجال الأعمال خلال الأعوام القادمة وأن تحقق إيرادات مهمة من القطع الأجنبي الذي يمكن توظيفه في عملية الإعمار والتنمية.
وتشير المعلومات إلى أن الطاقة الاستيعابية للمبنيين الأول والثاني في مطار دمشق الدولي سترتفع إلى 6 ملايين مسافر سنوياً بعد استكمال أعمال التأهيل الحالية، لترتفع خلال السنوات الثلاث القادمة إلى 16 مليون زائر و32 مليوناً مع إتمام إنجاز عملية التطوير كاملة للمطار.
تطوير مطار المزة العسكري
غير بعيد من مطار دمشق الدولي، جرى الإعلان قبل أيام عن قرب الشروع في أعمال تأهيل وترميم "مطار المزة العسكري"، لإعادة تشغيله كمطار مدني متخصص بالطيران الخاص والطيران الكهربائي وطيران رجال الأعمال، يشمل فنادق ومرافق أعمال ومعاهد تدريب طيران وصيانة، ومجمعات سكنية وتجارية تحيط بالمطار.
ويأتي تطوير مطار "المزة العسكري" كجزء من رؤية تنموية متكاملة تهدف إلى تنويع أنماط الطيران في سوريا وتخفيف الضغط التشغيلي عن مطار دمشق الدولي وخلق نقطة جذب استثمارية وتجارية متخصصة، ومن المتوقع أن تعلن الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي، قريباً، عن تفاصيل مراحل التنفيذ والبرنامج الزمني المحدد لإنجاز المشروع.
ويقع مطار "المزة العسكري" جنوبي حي المزة بالعاصمة دمشق على مساحة تقارب 6.8 كيلومتر مربع، ما يجعله المنفذ الجوي الأقرب إلى قلب العاصمة ومراكز القرار.
ويرجع تاريخ الإنشاء إلى فترة الانتداب الفرنسي، إذ كان منشأة جوية مدنية وعسكرية رئيسة للمدينة حتى تدشين مطار دمشق الدولي عام 1970، ليتغير دوره بعدها إلى ثكنة عسكرية محورية في العاصمة.
تطوير مطار حلب بشراكة سعودية
مع إعادة تشغيل مطاري دير الزور والقامشلي، من المتوقع البدء بأعمال تطوير مطار حلب الدولي مطلع 2027، بهدف رفع الطاقة الاستيعابية له لتتجاوز مليوني مسافر سنوياً، إلى جانب دعم النشاط الاقتصادي والتجاري في مدينة حلب، "العاصمة الصناعية للبلاد"، وشمال سوريا.
وكشفت الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي قبل أيام عن بدء أعمال تطوير وتحسين مطار حلب الدولي القائم، بهدف رفع كفاءته التشغيلية وتطوير قدراته الفنية والخدمية، بالتوازي مع استكمال هيكلة مشروع مطار حلب الدولي الجديد والتحضيرات اللازمة لتنفيذه.
وأوضحت في بيان نشرته عبر معرفاتها الرسمية أن هذه الخطوة تأتي عقب سلسلة من الاجتماعات وورش العمل التي عقدت في مدينة جدة السعودية خلال الفترة من 7 إلى 10 سبتمبر الجاري، بمشاركة وفد من الهيئة العامة للطيران المدني السوري وممثلي صندوق "إيلاف" للاستثمار بقيادة شركة "بن داود" السعودية للاستثمار.
وأشارت هيئة الطيران السورية إلى أنه يجري حالياً تنفيذ أعمال المسح الميداني والدراسات الفنية والتمهيدية اللازمة لتحديد متطلبات التطوير ورفع كفاءة المطار وقدراته التشغيلية والاستيعابية، وفق المعايير والمتطلبات الدولية المعتمدة.
وتُركز رؤية مطار حلب الجديدة على تطوير دوره في خدمة حركة المسافرين والشحن الجوي، ودعم النشاط الصناعي والتجاري في حلب وشمال سوريا، وتعزيز ارتباط المنطقة بشبكات النقل وسلاسل الإمداد الإقليمية والدولية.
وبحسب المعلومات، فإن المشروع يتضمن أيضاً صيغ تمويل اقتناء طائرات حديثة لصالح الخطوط الجوية السورية، بما يعزز قدرات الناقل الوطني ويسهم في زيادة حركة النقل الجوي من مدينة حلب وإليها.
الخطوط السورية توسع رحلاتها إلى أوروبا
بدأت الخطوط الجوية السورية، "الناقل الوطني"، اعتباراً من اليوم الـ21 من سبتمبر، تشغيل رحلات مباشرة إلى كوبنهاغن، على أن يبدأ تسيير رحلات إلى فيينا اعتباراً من الـ22 من سبتمبر الجاري، ليرتفع عدد وجهات الخطوط السورية المباشرة إلى أوروبا إلى ثلاث، إلى جانب أمستردام.
يأتي ذلك في الوقت الذي تنفذ فيه شركات أجنبية عديدة رحلات إلى المطارات السورية من دول أوروبية تأتي في مقدمتها ألمانيا، وتبدو حركة الطيران نشطة بين سوريا وتركيا وعديد من العواصم والمدن العربية، ومن المتوقع استئناف تشغيل الرحلات الجوية بين سوريا ومصر قريباً.
تضم أهم شركات الطيران العاملة في سوريا شركات "العربية للطيران"، و"طيران ناس" التي تسير رحلات إلى مدن سعودية مثل الدمام والرياض وجدة، و"طيران الجزيرة" و"الخطوط الجوية القطرية" و"الملكية الأردنية" و"الاتحاد للطيران" و"الخطوط الجوية التركية" وغيرها.
رفد الخطوط السورية بطائرات جديدة
تراهن الحكومة السورية على بناء أسطول طائرات جديد وبناء ناقل وطني أكثر كفاءة وقدرة على المنافسة لزيادة قدرة الخطوط الجوية السورية على التوسع في تشغيل رحلاتها وتنويع المحطات، بخاصة في ظل الانفتاح على دمشق ورفع العقوبات عنها.
يأتي ذلك في الوقت الذي أعلنت فيه الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي السورية عن تسلم طائرتين "إيرباص" من أصل 8 طائرات متفق عليها، ودخلت الطائرتان في السجل الوطني السوري، في إطار برنامج لتحديث أسطول الشركة ورفع قدرتها التشغيلية خلال المرحلة المقبلة.
ونقلت وكالة "سانا" عن رئيس هيئة الطيران المدني في سوريا، عمر الحصري، قوله إن الطائرتين سبق تشغيلهما في السوق الأوروبية ضمن بيئة تخضع لمتطلبات ومعايير السلامة وصلاحية الطيران الأوروبية، مشيراً إلى أنهما خضعتا قبل تسلمهما لعمليات فحص وصيانة وتقييم للتأكد من جاهزيتهما لدخول الخدمة.
ووصلت الطائرة الأولى أواخر أغسطس الماضي إلى مطار دمشق الدولي، فيما تخضع الثانية حالياً لأعمال الطلاء وتطبيق الهوية البصرية الجديدة للخطوط الجوية السورية، ومن المقرر أن تتسلم سوريا الطائرات الست المتبقية تباعاً ضمن البرنامج نفسه، على أن يجرى إدخالها إلى السجل الوطني السوري.
ويعود تأسيس شركة "الطيران السورية" إلى خريف عام 1946، وقبل سقوط النظام البائد كانت تملك 12 طائرة، معظمها خارج الخدمة أو تجري لها صيانة، وفي الأعوام الأخيرة كان يقتصر عدد الطائرات التي تنفذ رحلات على طائرتين إلى ثلاث طائرات "إيرباص" كانت تحلق نحو وجهات قريبة نسبياً، مثل بغداد والبصرة وأربيل والنجف، إلى جانب أبو ظبي ودبي والشارقة، وأيضاً الدوحة والكويت ومسقط وبيروت.
ويصل العمر التشغيلي لأسطول هذه الشركة إلى 24 عاماً، مما يجعلها من بين أكثر الناقلات شيخوخة على المستويين العربي والدولي. وبسبب العقوبات عجزت سوريا عن شراء طائرات جديدة، إلى جانب مواجهتها صعوبات كبيرة في إجراء صيانة وتعمير للطائرات بالشكل المطلوب، وغالباً ما كان الأمر يجري بالتعاون مع إيران لكن بصعوبة أيضاً، ما أدى إلى انخفاض عدد الطائرات المؤهلة للتشغيل.
ويوجد في سوريا شركة طيران خاصة واحدة حتى الآن، هي شركة "فلاي شام"، عبارة عن شراكة سورية ـ إماراتية جرى الإعلان عنها في مايو (أيار) من عام 2025، وقبل ذلك كانت تعمل تحت اسم "أجنحة الشام"، وتنفذ رحلات إلى الدمام والكويت والشارقة وأربيل وإسطنبول ومسقط ويريفان وطرابلس.
ونتيجة تنشط حركة الطيران باتجاه سوريا بعد سقوط النظام السابق، شهدت حركة القدوم ارتفاعاً ملحوظاً، وبلغ إجمال عدد زوار سوريا نحو 3.52 مليون زائر خلال النصف الأول من عام 2026، وفقاً لإحصاءات وزارة السياحة السورية، بزيادة 111 في المئة على الفترة نفسها من العام الماضي، شكل المغتربون السوريون 2.13 مليون منهم، مقابل 667 ألف سائح عربي بزيادة 107 في المئة على العام الماضي.
اندبندنت عربية

