سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:16/09/2026 | SYR: 14:25 | 16/09/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير



خلطات كامبو


شاي كامبو


IBTF_12-18


  أوبرا وينفري... سيدة البوح
16/09/2026      

أوبرا وينفري... سيدة البوح | اندبندنت عربية


سيرياستيبس


في مكان ما بين أشجار ميسيسيبي وعتمة الأكواخ، ولدت طفلة لم يكن أحد ينتظرها. أمها مراهقة لم تتجاوز الـ18، وأبوها جندي لم يعلم بوجودها إلا عبر بطاقة بريدية. حتى اسمها جاء خطأ، كتب أورباه على شهادة الميلاد، لكن أحداً لم يحسن نطقه، فقلبوا حروفه وصارت أوبرا، وبقي الخطأ اسماً، وصار الاسم تاريخاً.

ربما كان هذا أول درس، في حياة لم تتوقف عن تحويل الأخطاء إلى بدايات.

أمضت سنواتها الأولى في مزرعة جدتها هاتي ماي، امرأة متدينة صارمة كانت تؤمن بأن التربية تبدأ بالعصا. تلبس الطفلة ثياباً مصنوعة من أكياس البطاطا، وتخطب أمام الدجاج والأبقار، لأنه لم يكن ثمة من يسمعها.

لم تكن تعلم أنها تتدرب على خطاب سيصل يوماً إلى 42 مليون مشاهد في الأسبوع، علمتها الجدة القراءة قبل أن تبلغ الثالثة، والكنيسة منحتها أول منبر، وقفت عليه وهي في الثانية من عمرها تتلو ما تحفظه عن يسوع، فلقبها الناس بـ"الواعظة الصغيرة"، لم يكونوا يعرفون أي صوت يربون.

حين بلغت السادسة، مرضت الجدة ولم تعد قادرة على رعايتها، فانتقلت الطفلة إلى ميلووكي حيث أمها التي لم تعرفها. كانت الأم تعمل خادمة في بيوت الآخرين وتعود منهكة، فيما تنام البنت على الشرفة لأن صاحبة البيت لم تدخلها.

في تلك السنوات المظلمة، تعرضت لاعتداء جنسي على يد أقاربها وأشخاص من المقربين، وهي لم تتجاوز التاسعة. كانت الطفلة تبحث عن حنان فتجد جرحاً، تبحث عن أمان فتجد خيانة.

وفي الـ14، حملت وولدت مبكراً، ومات المولود بعد أسبوعين من دون أن يغادر المستشفى. قال لها أبوها لاحقاً إن موت الطفل كان فرصتها الثانية في الحياة، وأخذت الفرصة.

    أمضت سنواتها الأولى في مزرعة جدتها هاتي ماي، امرأة متدينة صارمة كانت تؤمن بأن التربية تبدأ بالعصا. تلبس الطفلة ثياباً مصنوعة من أكياس البطاطا، وتخطب أمام الدجاج والأبقار، لأنه لم يكن ثمة من يسمعها.

ذهبت إلى أبيها في ناشفيل، الرجل الصارم الذي كان يطلب منها خمس كلمات جديدة كل يوم وإلا أجل العشاء، الرجل الذي رأى في ابنته شيئاً لم تره هي بعد في نفسها. في مدرسة ناشفيل ربحت مسابقة للخطابة، ونالت منحة جامعية كاملة.

وفي الـ17، أعلنت في مسابقة أخرى أنها تريد أن تصبح صحافية تلفزيونية، لم يضحك أحد، ربما لأن في صوتها شيئاً يجعل الضحك مستحيلاً.

بدأت في الراديو وهي طالبة، ومن ثم في التلفزيون المحلي، وحين انتقلت إلى شيكاغو عام 1984 لتقديم برنامج صباحي كان يتذيل قوائم المشاهدة، لم تمر ثلاثة أشهر حتى تصدر المشهد.

أوبرا وينفري... سيدة البوح | اندبندنت عربية

لم تكن أوبرا وينفري تقدم برنامجاً، كانت تفعل شيئاً آخر تماماً، كانت تجعل الناس يشعرون أن أحداً ما يسمعهم حقاً للمرة الأولى. وفي عالم يتسابق فيه الجميع على الكلام، كان هذا الاستماع ثورة.

قصة أوبرا وينفري ليست عن ثروة بلغت 3 مليارات دولار، ولا عن برنامج استمر 25 سنة، بل عن امرأة صنعت من جروحها جسوراً، ومن صوتها سلطة، ومن ألمها الخاص لغة يفهمها ملايين. هي، في جوهرها، قصة طفلة كانت تخطب أمام الدجاج في ميسيسيبي، وقررت ألا تتوقف عن الكلام حتى يسمعها العالم.
طفولة بين الأرض والجرح

ولدت أورباه غيل وينفري في الـ29 من يناير (كانون الثاني) 1954، في مدينة كوسيوسكو الصغيرة، في ريف ولاية ميسيسيبي الأميركية العميق. ميسيسيبي تلك الأيام لم تكن مجرد جغرافيا، كانت حالة، كانت جرحاً مفتوحاً في جسد أميركا، إذ كان السود يعيشون في ظل التمييز الممنهج ويحسبون مواطنين من الدرجة الثانية بحكم القانون والعرف معاً. أن تولد امرأة سوداء فقيرة في تلك البقعة وذلك الزمن، كان يعني أن تبدأ الحياة وعليك ثلاثة ديون لم تقترضها: الجنس والعرق والفقر.

أمها فيرنيتا لي لم تتجاوز الـ18 حين وضعت طفلتها، أبوها فيرنون وينفري كان في الخدمة العسكرية، وعلم بالخبر عبر بطاقة بريدية مقتضبة أرسلتها إليه. لم يكن زواج، ولم يكن بيت مشترك، ولم يكن مستقبل مرسوم، كانت طفلة جاءت إلى العالم بلا خطة.

الجدة هاتي ماي بريسلي لي هي من استقبلت الطفلة حين قررت الأم أن تتجه شمالاً بحثاً عن عمل في ميلووكي، كانت جدة متدينة يعبر الإيمان في دمها كما يعبر الدم. علمت الطفلة القراءة قبل سن الثالثة، وحملتها إلى الكنيسة كل أحد، وأطلقتها أمام المصلين تتلو الآيات وتحفظ المزامير. أطلق الناس في تلك الكنيسة عليها لقب "الواعظة الصغيرة"، لم يكونوا يعلمون أنهم يعدون خطيبة القرن.

أوبرا وينفري... سيدة البوح | اندبندنت عربية


غير أن الجدة كانت قاسية أيضاً، في مقابلة مع ديفيد ليترمان في جامعة بول ستيت، قالت أوبرا إنها كانت تضرب بانتظام. التربية في تلك البيئة كانت مرادفاً للانضباط الجسدي، والطفولة كانت حالة موقتة يجب تجاوزها لا الاحتفاء بها. لكن في ظل تلك القسوة، نبتت بذرة استثنائية، طفلة تقرأ بشراهة، تتخيل بلا حدود، وتتكلم بجرأة تفوق سنها.

حين بلغت السادسة، مرضت الجدة ولم تعد قادرة على الرعاية، فانتقلت الطفلة إلى ميلووكي حيث أمها. الانتقال كان صدمة من نوع مختلف، من مزرعة هادئة تحت السماء المفتوحة، إلى شقة ضيقة في حي فقير، من جدة تعرفها إلى أم تجهلها، من طفولة ريفية إلى مدينة لا ترحم. فيرنيتا كانت تعمل خادمة في بيوت البيض وتعود متعبة، ولم يكن لديها وقت لابنة لم تربها.

في ميلووكي بدأت السنوات الأصعب، تعرضت أوبرا لاعتداء جنسي على يد ابن عم يكبرها بـ10 سنوات وهي في التاسعة من عمرها، ومن ثم تكرر الاعتداء على يد أشخاص آخرين كان يفترض أن يكونوا في دائرة الأمان.

لم تفهم الطفلة ما يحدث، ولم تستطع أن تعبر عنه، ولم تجد من تخبره. تحولت إلى مراهقة متمردة تبحث عن شيء يملأ الفراغ الذي خلفه الجرح، وهربت من البيت وهي في الـ13.

    لم تكن أوبرا وينفري تقدم برنامجاً، كانت تفعل شيئاً آخر تماماً، كانت تجعل الناس يشعرون أن أحداً ما يسمعهم حقاً للمرة الأولى. وفي عالم يتسابق فيه الجميع على الكلام، كان هذا الاستماع ثورة.

في الـ14، حملت. ولدت مبكراً في الأسبوع الثامن، وكان المولود ذكراً. مات بعد أسبوعين في المستشفى من دون أن تحمله أمه الصغيرة، قالت أوبرا لاحقاً إنها لم تفهم في تلك اللحظة حجم ما حدث.

لم تفهمه إلا حين كبرت، وأعادت تسمية الطفل الذي لم يعش. أسمته كنعان، في مناسبة عامة عام 2015، وقالت إن كنعان يعني "أرضاً جديدة، حياة جديدة"، وكأنها أرادت أن تمنحه في الذاكرة ما منعه منه القدر في الحياة.

الجدة علمتني القراءة قبل أن أعرف الخوف، والحياة علمتني الخوف قبل أن أتقن القراءة.
الأب الصارم الذي أنقذها

بعد موت المولود، أرسلت أوبرا إلى أبيها في ناشفيل. فيرنون وينفري رجل من طينة مختلفة، كان حلاقاً وعضواً في مجلس المدينة، رجل منضبط يؤمن بأن الانضباط أساس كل شيء. حين جاءته ابنته المراهقة الضائعة، لم يتعامل معها برفق مفرط ولا بقسوة عقابية. تعامل معها كشخص يستطيع أن يكون أفضل مما هو عليه، وهذه كانت هديته الحقيقية لها.

قواعد البيت في ناشفيل كانت واضحة: خمس كلمات جديدة يومياً يجب حفظها وإلا تأجل العشاء، وتقرير أسبوعي عن كل كتاب تقرأه، وحضور منتظم في المدرسة، والتميز فيها لا مجرد الحضور. قالت أوبرا في مقابلات عديدة "حول أبي مسار حياتي بإصراره على أن أكون أفضل مما كنت أعتقد أنني أستطيع أن أكون".

أوبرا وينفري... سيدة البوح | اندبندنت عربية

في مدرسة ناشفيل إيست الثانوية، انضمت أوبرا إلى نادي الخطابة والدراما ومجلس الطلاب، كانت طالبة مميزة بلا تحفظ. وفي مسابقة للخطابة نظمتها جمعية الإلكس المحلية، فازت بمنحة دراسية كاملة إلى جامعة تينيسي الحكومية. لم يكن ذلك مجرد جائزة، كان إثباتاً. كانت تقول لنفسها ولمن حولها: أنا هنا، وأنا أستطيع.

وفي الـ17 من عمرها، شاركت في مسابقة "ملكة منع الحرائق" المحلية، وفازت بها. حين سألها المنظمون عن طموحها، أجابت من دون تردد "أريد أن أصبح مراسلة تلفزيونية". كان التلفزيون في تلك الأيام نادراً ما يضم امرأة سوداء في موقع بارز، لكن من قال إن أوبرا وينفري كانت تنتظر الإذن؟
بدأت العمل في الجامعة بمحطة راديو محلية، وهي لا تزال طالبة. الصوت الذي تدرب على الدجاج والأبقار، بات الآن يبث على الهواء. ومن الراديو إلى التلفزيون المحلي في ناشفيل، حيث أصبحت أصغر مراسلة وأول امرأة سوداء تقدم نشرة الأخبار في تلك المحطة. الخطوات كانت سريعة، لمن كانت مسيرته كلها دروساً في الاستعجال.
الصوت قبل الميكروفون

ليس كل صوت يصلح للميكروفون، وليس كل من يجلس أمام الكاميرا يملك ما يجعل المشاهد يبقى. اكتشفت أوبرا وينفري مبكراً أن موهبتها لا تكمن في القراءة الصحيحة للخبر، بل في شيء أصعب تعريفاً وأعمق تأثيراً: القدرة على أن تجعل الآخرين يشعرون بأن ثمة أحداً يفهمهم على الجانب الآخر من الشاشة.

حين انتقلت إلى بالتيمور عام 1976 لتعمل مراسلة ومذيعة أخبار، اصطدمت بالجدار الأول. رأى المسؤولون عنها أنها "عاطفية جداً" للأخبار، وأنها تتفاعل مع القصص بدل أن تنقلها بحياد، نقلت من الأخبار إلى برنامج حواري صباحي اسمه "الناس يتكلمون". وكان ذلك، بلا علم أحد، الانعطافة الحقيقية في مسيرتها.

اكتشفت أوبرا في هذا البرنامج أن ما اعتبره المديرون عيباً كان في الحقيقة سلاحها الأمضى، العاطفة ليست ضعفاً في الإعلام حين تكون صادقة ومضبوطة. الانتماء إلى ألم الضيف وليس مجرد توثيقه، كان ما يجعل الناس يشعرون أن ثمة برنامجاً يتحدث إليهم لا عنهم. ارتفعت نسب المشاهدة، لكن شيكاغو كانت تنتظر.
شيكاغو تنتظرها

في يناير (كانون الثاني) 1984، انتقلت أوبرا إلى شيكاغو لتقديم برنامج صباحي متعثر اسمه "أيه إم شيكاغو". كان البرنامج يحتل المرتبة الأخيرة في قوائم المشاهدة بفارق كبير عن منافسيه، في غضون شهر واحد تعادل مع برنامج فيل دوناهيو الأشهر في المدينة. وبعد ثلاثة أشهر، تخطاه. انتقل دوناهيو بعدها إلى نيويورك، المدينة كانت قد وجدت ملكتها الجديدة.

في سبتمبر (أيلول) 1985، أعيد تسمية البرنامج "برنامج أوبرا وينفري"، ثم بث على المستوى الوطني عام 1986. وهنا بدأت الظاهرة بمعناها الحقيقي، لم يكن المشاهدون يشاهدون برنامجاً، كانوا يتبعون امرأة. امرأة تشبههم في أحزانها وتفوقهم في صمودها، امرأة تجلس أمامهم وتقول بطريقتها: أنا أعرف ما تشعر به، لأنني مررت به أيضاً.

كانت مقاربة أوبرا للحوار ثورة، في صورة محادثة. فيل دوناهيو، الذي سبقها في ابتكار البرنامج الحواري التفاعلي، كان يتناول مواضيع الساعة بعقل صحافي تحليلي، أما أوبرا فتناولتها بقلب.

    قصة أوبرا وينفري ليست عن ثروة بلغت 3 مليارات دولار، ولا عن برنامج استمر 25 سنة، بل عن امرأة صنعت من جروحها جسوراً، ومن صوتها سلطة.

الفرق ليس في الأسلوب بل في الفلسفة: هي لم تكن تريد الخبر، كانت تريد الإنسان خلف الخبر. وحين تجلس امرأة أسيء إليها أمام الكاميرا، كانت أوبرا لا تطرح السؤال الصحافي بل تعيش السؤال الإنساني.

في عام 1985، شاهد المخرج ستيفن سبيلبرغ شرائط من برنامجها، بتوصية من منتج الموسيقى كوينسي جونز. أراد سبيلبرغ شخصاً لدور صوفيا في فيلمه "اللون الأرجواني" (The Color Purple)، المأخوذ عن رواية أليس ووكر.

اختار أوبرا، الأداء الذي قدمته أكسبها ترشيحاً لجائزة الأوسكار وجائزة غولدن غلوب في فئة أفضل ممثلة مساعدة. لم تكن محترفة في التمثيل، لكنها كانت محترفة في أن تكون إنساناً، وأحياناً هذا يكفي.

جذبت مقابلتها مع مايكل جاكسون عام 1993 أكثر من 100 مليون مشاهد في الولايات المتحدة وحدها، وجعلتها أكثر مقابلة تلفزيونية مشاهدة في التاريخ الأميركي حتى ذلك الحين. لم تكن الجائزة فقط في الأرقام، بل في التأكيد: أوبرا وينفري صارت الشخص الذي تلجأ إليه الأسماء الكبرى حين تريد أن تتكلم.
فن الحوار وثقافة الاعتراف

أحدثت أوبرا وينفري في تاريخ الإعلام الأميركي تحولاً لم يكن مجرد أسلوب، بل ثقافة. ما قبل برنامجها وما بعده في العلاقة بين المشاهير والجمهور ليسا عصراً واحداً، قبلها كانت حياة المشاهير الخاصة تحكى في الصحافة الصفراء بصوت خارجي فضولي. بعدها صار المشهور يجلس ويقول بنفسه: هذا ما حدث، وهذا ما شعرت به.

أوبرا وينفري... سيدة البوح | اندبندنت عربية

عام 1985، حين كانت تجري حلقة عن الاعتداء الجنسي، قررت فجأة على الهواء المباشر أن تكشف عن تجربتها الشخصية. لم يكن ذلك مخططاً له ولا موجهاً من محررين، كان لحظة من الصدق المطلق أمام الكاميرا، ومن تلك اللحظة تغير البرنامج وتغير الإعلام معه.

ما فعلته أوبرا ليس مجرد "اعتراف على الهواء"، بل بناء مشروع لثقافة الصراحة في مجتمع كان يرى في الصمت فضيلة. أن تتكلم علناً عن الاعتداء، عن الإدمان، عن الفشل، عن الوزن، عن الألم النفسي، كان في أميركا التسعينيات فعلاً شبه ثوري. جعلت أوبرا الاعتراف شجاعة لا عاراً، وجعلت الكشف عن الجرح طريقاً للشفاء لا للضعف.

لم تخل مسيرتها من الجدل في هذا الشأن، انتقدها أكاديميون وباحثون في الإعلام لما سموه "ثقافة الاعتراف المصنع"، إذ رأوا أن البرنامج يحول الألم الإنساني إلى ترفيه، وأن البكاء على الهواء يصبح أداء لا مشاعر حقيقية.

كانت هذه انتقادات مشروعة تستحق التأمل، غير أن الأثر الفعلي الذي تركه البرنامج في ملايين المشاهدين ممن وجدوا في شاشته مرآة لأوجاعهم، يظل شهادة على أن شيئاً حقيقياً كان يجري في تلك الاستوديوهات.
الاسم المقلوب والسلطة الإبداعية

حين أسست أوبرا وينفري شركة هاربو للإنتاج (Harpo Productions) في أغسطس (آب) 1986، كان الاختيار الأدبي للاسم أعمق من مجرد لعبة لغوية. أوبرا مكتوبة بالعكس، لتصبح هاربو.

كأنها تقول: ما بني على جرح مقلوب، يمكن أن يصبح قوة مضاعفة. كانت هذه الخطوة أكثر من تأسيس شركة، كانت إعلاناً: أنا لن أكون موظفة في إمبراطورية أحد، سأبني أمبراطوريتي.

وحين اشترت عام 1988 مبنى الاستوديو في شيكاغو وامتلكته بالكامل، صارت أول امرأة سوداء، وأول أميركي من أصل أفريقي رجلاً كان أو امرأة، يمتلك استوديو إنتاج تلفزيوني وسينمائي خاصاً به، وثالث امرأة فقط في تاريخ صناعة الترفيه الأميركية تحقق ذلك، بعد الممثلتين ماري بيكفورد ولوسيل بول، اللتين كانتا تمتلكان استوديوهاتهما بالشراكة مع أزواجهما، بينما امتلكت أوبرا استوديوها وحدها بلا شريك.

بدأت الشركة بإنتاج برنامجها، ومن ثم توسعت لتشمل الأفلام والمسلسلات والكتب وحقوق الملكية الفكرية. اشترت هاربو حقوق روايات توني موريسون، وكانت أوبرا وراء تحويل رواية "المحبوبة" إلى فيلم مثلت فيه دوراً رئيساً عام 1998. لكن الفيلم، على رغم الإشادة النقدية واستثمارها الشخصي الكبير فيه، كان خيبة تجارية واضحة عند عرضه، درساً مكلفاً في أن الملكية الإبداعية لا تضمن وحدها النجاح الجماهيري، كذلك اشترت حقوق عدد من الروايات الأخرى.

هذه القدرة على تحويل الأدب إلى شاشة لم تكن مجرد نشاط تجاري، بل كانت فعل انتماء. كانت تختار دائماً الروايات التي تتحدث عن المرأة السوداء، عن الظلم، عن الصمود، عن الهوية في مواجهة القمع. كانت بذلك تعيد كتابة ما كان مكتوباً في الهامش إلى المتن، لم تكن مجرد شركة إنتاج، كانت مشروعاً لإعادة كتابة من كانوا في الهامش.

أوبرا وينفري... سيدة البوح | اندبندنت عربية

غير ناديها للكتاب، الذي أطلقته عام 1996، صناعة النشر في أميركا بصورة لم يسبق لها مثيل. حين توصي أوبرا بكتاب، يتحول تلقائياً إلى قائمة الأفضل مبيعاً. المؤلف الذي اختارته لم يكن يحتاج إلى ناشر كبير، ولا موازنة إعلانية ضخمة. كلمة أوبرا تساوي مليون نسخة، وهذا نوع من السلطة الثقافية لا نظير له في تاريخ وسائل الإعلام الحديث.

لكن السلطة نفسها التي تصنع كاتباً يمكن أن تحطمه، عام 2006 اختارت أوبرا مذكرات جيمس فراي "مليون قطعة صغيرة" لناديها، فتصدرت قوائم المبيعات لـ17 أسبوعاً متتالياً، قبل أن يتكشف أن أجزاء واسعة منها مختلقة.

استضافته أوبرا مجدداً وواجهته على الهواء مباشرة قائلة إنها شعرت "بالخيانة"، في واحدة من أكثر لحظات التلفزيون الأميركي إثارة للجدل. اللافت أنها اعتذرت لاحقاً عام 2011، لا عن مضمون المواجهة، بل عن "قسوتها وغياب التعاطف" في طريقة توجيهها، وأن جيمس فراي نفسه عاد عام 2025 ليتهمها علناً بـ"نفاق فادح". الحادثة تكشف عن الوجه الآخر لعبارة "كلمة أوبرا تساوي مليون نسخة": السلطة نفسها التي تصنع، تملك أيضاً أن تدين.

لم تقتصر سلطة الترويج هذه على الأدب، أوبرا هي من صنعت شهرة الطبيب محمد أوز، استضافته أكثر من 60 مرة في برنامجها، ثم منحته برنامجه الخاص عام 2009 عبر شركة هاربو، ولقبته "طبيب أميركا".

عام 2014 استدعي أوز أمام لجنة فرعية في مجلس الشيوخ الأميركي لمواجهة اتهامات بالترويج لمنتجات إنقاص وزن "معجزة" بلا أي سند علمي، وقالت له إحدى السيناتورات إن "المجتمع العلمي شبه مجمع ضدك".

لم تحاسب أوبرا مباشرة على ذلك، لكن الواقعة تمس جوهر سلطتها الثقافية: حين تستخدم منصة بحجم منصتها للترويج لصوت غير موثق علمياً، تتحول الثقة العامة نفسها إلى أداة قد تضلل بقدر ما تنير.
الحب بلا خاتم

حين التقت أوبرا بستيدمان غراهام عام 1986 في حفلة خيرية، لم يكن أحد يتوقع أن هذه الصداقة ستتحول إلى قصة حب تمتد لأكثر من أربعة عقود. ستيدمان رجل أعمال ومؤلف وأستاذ جامعي سبق أن تزوج مرة، وله ابنة. تعارفا ببطء، وتحولت الصداقة إلى شراكة، وصارت الشراكة أساساً لحياة مشتركة غير تقليدية.

أوبرا وينفري... سيدة البوح | اندبندنت عربية

الغرابة في قصتهما ليست في أنهما لم يتزوجا، بل في الوضوح الذي يفسر به كلاهما هذا الخيار. قالت أوبرا في مقابلة مع مجلة فوغ عام 2017 "السؤال الوحيد الذي طرحته على ستيدمان كان: ماذا كان سيحدث لو تزوجنا؟ والجواب كان: لم نكن لنبقى معاً. لأن الزواج يتطلب طريقة مختلفة في الوجود، تفسيره لما يعنيه أن يكون زوجاً ولي أن أكون زوجة كان سيكون تقليدياً، ولم يكن بإمكاني أن أناسب ذلك القالب".

كتبت عنه في مجلتها عام 2020 "هو حرفياً ما يدل عليه اسمه، راسخ كجبل. هادئ الطبع، موثوق، صبور". أربعة عقود من الرفقة من دون خاتم ومن دون ورقة رسمية. في ثقافة تقيس الحب بالعقود القانونية، كانت علاقتهما تحدياً هادئاً لتعريف الالتزام.

اختارت أوبرا أيضاً ألا تنجب أطفالاً، في مقابلة مع مجلة "بيبول" عام 2019، قالت "لم أشعر يوماً أن غريزة الأمومة كانت شيئاً لي. أحب الأطفال، لكنني أحبهم حين يستطيعون التحدث إلي وإخباري بما يزعجهم". وجدت في طالبات مدرستها في جنوب أفريقيا بديلاً عاطفياً عميقاً، ووصفتهن بأنهن "البنات اللاتي لم أنجبهن".
الثروة والمسؤولية الأخلاقية

بلغت ثروة أوبرا وينفري بحسب تقديرات "فوربس" لعام 2026 نحو 3 مليارات و200 مليون دولار، فيما ترفعها تقديرات أخرى إلى ما يقارب 4 مليارات. الرقم يدهش، لكن المسار الذي أوصل إليه يدهش أكثر. لم تكن ثروتها وليدة ميراث ولا حظ عابر، بل نتاج منظومة متكاملة من القرارات الاستراتيجية التي اتخذتها في أوقات حين لم يكن أحد يتوقع منها ذلك.

حين أسست "هاربو" للإنتاج، رفضت نموذج العقود التقليدية التي تمنح المحطات ملكية المحتوى. احتفظت بملكية برنامجها وحقوق توزيعه وأرشيفه، هذه الخطوة الواحدة جعلت الفارق بين أن تكون موظفة ثرية وأن تكون مالكة إمبراطورية.

لم يكن قرار الاستثمار الذي اتخذته لاحقاً في عالم الحمية الغذائية طارئاً على سيرتها الشخصية، ففي عام 1988 جرت أوبرا عربة تحمل 67 رطلاً من الشحم إلى استوديو برنامجها لتوضح كمية الوزن الذي خسرته عبر حمية سائلة صارمة، في واحدة من أشهر لحظات التلفزيون الأميركي. استعادت الوزن كله خلال أشهر، واعترفت بذلك على الهواء، في مشهد تكرر أشكاله على مدى عقود من صراع علني مع جسدها أمام ملايين.

في عام 2015، اشترت حصة في شركة "ويت ووتشرز" (Weight Watchers)، مجموعة الحمية الغذائية، بمبلغ 43 مليون دولار في مقابل 10 في المئة من الأسهم. في غضون أيام من إعلان الصفقة، ارتفعت قيمة الأسهم بصورة حادة، ثم تضاعفت قيمة استثمارها مرات عدة حتى عام 2017.

أوبرا وينفري... سيدة البوح | اندبندنت عربية


لم تكن تراهن يومها على صيحة تجارية عابرة، بل كانت، في جانب منها، تغلق حلقة شخصية بدأتها عربة الشحم قبل 27 عاماً. هذا هو الاقتصاد السياسي للشهرة، حين تتحول إلى أصل مالي.

غير أن القصة لم تنته عند ذلك الانتصار، مع انتشار أدوية إنقاص الوزن الحديثة مثل "أوزمبيك" بعد 2022، تراجعت أعمال الشركة بصورة حادة، وفي ديسمبر (كانون الأول) 2023 كشفت أوبرا نفسها عن أنها تستخدم أحد هذه الأدوية "كأداة لإدارة الوزن من دون تذبذب"، وهو اعتراف أثار اتهامات علنية بالنفاق: كيف تروج لبرنامج حمية غذائية بينما تستعين بحل دوائي لم تكن تعلن عنه؟

وفي فبراير (شباط) 2024 استقالت من مجلس إدارة الشركة وتبرعت بكامل أسهمها لمتحف التاريخ الأميركي الأفريقي، بحسب بيان الشركة، "لإزالة أي تضارب مصالح محتمل حول استخدامها أدوية إنقاص الوزن".

وفي مايو (أيار) 2025 أعلنت "ويت ووتشرز" إفلاسها تحت الفصل الـ11، مثقلة بديون تجاوزت 1.15 مليار دولار. الاستثمار الذي بدا في 2015 خاتمة منتصرة لصراع شخصي طويل مع الجسد والصورة العامة، انتهى بعد عقد بانهيار الشركة نفسها، في مفارقة قاسية: الدواء الذي حررها أخيراً من دوامة الوزن هو ما أسهم في إسقاط الإمبراطورية التي بنتها على تلك الدوامة.

لكن أوبرا لم تكتف بتراكم الثروة، إذ تبرعت حتى اليوم بما يزيد على 400 مليون دولار عبر مؤسستيها الخيريتين. أنشأت مدرسة قيادة البنات في جنوب أفريقيا بكلفة 40 مليون دولار. أسهمت في بناء أكثر من 55 مدرسة في 12 دولة، عبر شبكة ملاكها الخيرية.

وشهدت عام 1991 أمام الكونغرس الأميركي دفاعاً عن قانون حماية الطفل من المعتدين، وهو القانون الذي وقعه الرئيس بيل كلينتون عام 1993، وبات يعرف باسم "قانون أوبرا".

كان عطاؤها دائماً مرتبطاً بقصتها الشخصية، لم تتبرع لمنظمات عشوائية، بل اختارت قضايا التعليم وحماية الطفل ومناهضة الاعتداء الجنسي، كأنها كانت ترسل رسائل مشفرة إلى طفلة من ميسيسيبي لم تنسها قط.
أفريقيا في القلب

في عام 2000، التقت أوبرا بنيلسون مانديلا وتحدثا عن أفريقيا وعن البنات اللاتي يحرمن من التعليم. من ذلك اللقاء ولد حلم، وفي يناير (كانون الثاني) 2007 تجسد الحلم مدرسة. أكاديمية أوبرا وينفري للقيادة للبنات في هينلي أون كليب، جنوب أفريقيا، مدرسة داخلية للبنات الموهوبات من الأسر المحرومة، صممها معمار جنوب أفريقي وبنيت بـ40 مليون دولار من مال أوبرا الشخصي.

يوم الافتتاح كان احتفالاً بكل معنى الكلمة: مانديلا وتينا ترنر وسيدني بواتيه وسبايك لي كانوا ضمن الحاضرين، كانت أوبرا تبكي، وتقول "بنيت مدرسة لبنات مثلي".

لكن الفرح لم يدم طويلاً، في أقل من عام على الافتتاح، كشفت تحقيقات داخلية عن أن المشرفة على المهاجع تعرضت بالاعتداء الجنسي والجسدي على عدد من الطالبات، ست منهن في الموجة الأولى من الشكاوى من أصل 152 طالبة اختارتهن أوبرا بنفسها، كان الجرح الذي حاربته طوال حياتها قد نز في الملاذ الذي أرادته آمناً.

جاءت أوبرا إلى جنوب أفريقيا بفريق من المحققين الخاصين، وجلست مع البنات شخصياً، واعتذرت علناً وبصورة مباشرة. اعترفت بالإخفاق، وتعهدت بالإصلاح. أحيلت المشرفة إلى المحاكمة ونفت التهم، وفي عام 2010 برئت منها قضائياً، في نهاية قانونية لم تطفئ الجدل الأخلاقي الذي أثارته القضية حول مسؤولية المؤسسات عن حماية من تؤويهم.

أوبرا وينفري... سيدة البوح | اندبندنت عربية

من جهتها أجرت أوبرا إصلاحات عميقة في المدرسة، وواصلت دعمها لها حتى اليوم، وتجاوز مجموع تبرعاتها لها 200 مليون دولار.

المدرسة اليوم تسير وتزهر، في مايو (أيار) 2021 أصبحت لينديوي تسوبي أول خريجة من الأكاديمية تحصل على درجة الدكتوراه. ما بدأ بجرح كاد ينهي الحلم، تحول إلى دليل على أن الإصرار أقوى من الكارثة.
ما بعد البرنامج

في مايو 2011، أسدل الستار على "برنامج أوبرا وينفري" بعد 25 عاماً و4561 حلقة. كان الحدث بمثابة جنازة بعض الناس، وتتويج بعضهم الآخر. من ينهي برنامجاً في أوج نجاحه؟ فقط من تأكد أن الفصل اللاحق أهم من الفصل الذي يعيشه.

أطلقت في العام نفسه شبكة OWN التلفزيونية، التي حلت محل قناة "ديسكفري هيلث". البداية كانت متعثرة، والانتقادات كانت قاسية. رأى المحللون أن أوبرا ارتكبت خطأ استراتيجياً بمغادرة عالمها المثبت نجاحه، لكن أوبرا مضت. وبعد سنوات قليلة، باعت جزءاً كبيراً من حصتها في الشبكة لوارنر براذرز ديسكفري في مقابل أسهم في الشركة. وكالعادة، خرجت رابحة.

في العقد الثاني من الألفية الثالثة، مقابلتها مع الأمير هاري وميغان ماركل عام 2021 أعادت تذكير العالم بأنها لا تزال المرجع الإعلامي الأول حين يريد شخص أن يحدث أثراً. دفعت شبكة CBS ما بين 7 و9 ملايين دولار لتحصل على حصرية بث المقابلة. وفي العام نفسه، مقابلتها مع أديل جلبت لها بين 5 و7 ملايين دولار أخرى.

أوبرا لم تتقاعد، إنها تنتقي. والفرق بين التقاعد والانتقاء، هو فرق بين النهاية والسيادة.

اليوم، تتجاوز ثروتها 3 مليارات دولار، وهي تصنف عام 2026 على رأس قائمة "فوربس" لأعظم 250 أميركياً صنعوا ثرواتهم بأنفسهم، احتفاء بالذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة.

لكن الرقم الأهم ربما يظل في مكان آخر: في مدرسة تزهر في جنوب أفريقيا، في قانون يحمل اسمها، في ملايين الذين وجدوا في شاشتها لغة لما ظنوا أنه لا يقال.

الطفلة التي كانت تخطب أمام الأبقار في ميسيسيبي لم تنته، إنها فقط تنتقي بعناية أين تقف وأي جمهور تواجه.

وهذا، في النهاية، الفارق بين من يقدم برنامجاً ومن يصنع عصراً.


اندبندنت عربية


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق

 
 

Baraka16


Orient 2022


معرض حلب


الصفحة الرئيسية
مال و مصارف
صنع في سورية
أسواق
أعمال واستثمار
زراعـة
سيارات
سياحة
معارض
نفط و طاقة
سوريا والعالم
محليات
مجتمع و ثـقافة
آراء ودراسات
رياضة
خدمات
عملات
بورصات
الطقس