اقتصاد الحرب: هل من رابح من صراعات الشرق الأوسط؟
29/01/2026
سيرياستيبس
لم تعد الحروب في الشرق الأوسط أحداثاً عسكرية معزولة، بل تحوّلت إلى نمط اقتصادي – سياسي مستدام، تُدار فيه الصراعات على إيقاع المصالح، وتُستثمر فيه الفوضى بوصفها مورداً، لكن السؤال المركزي لم يعد، لماذا تندلع الحروب؟ بل، من يربح من استمرارها؟
الحرب الأخيرة التي شهدتها غزة ولبنان وسوريا وإيران واليمن كشفت هشاشة الإقليم كممر للتجارة العالمية، إذ ارتفعت كلفة الشحن، واهتزّ أمن البحر الأحمر، وظهرت قابلية الممرات التقليدية للتعطل، والنتيجة كانت تسريع البحث عن بدائل برية وشبه برية، وإعادة رسم خرائط العبور من الهند وآسيا إلى أوروبا عبر الخليج وبلاد الشام.
ربحت شركات السلاح والطاقة والنقل تلك الحروب بامتياز، وكانت الأكثر استفادة من رواج بضاعتها، لكن ثمة أيضاً مستفيدين آخرين، قوى كبرى أو دول إقليمية وشركات، أمام إقليم خاسر بموارد مستنزفة وتنمية معطلة وديون متراكمة وكفاءات مهاجرة.
ولا يمكن فصل الحديث عن الممرات الاقتصادية الجديدة التي تربط الخليج بأوروبا عن حال الاضطراب العميق التي يعيشها الإقليم، وفي القلب منها حرب غزة، وما تبعها من تصعيد في لبنان، وتوترات مع إيران، واتساع رقعة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط.
"اندبندنت عربية" تحدثت إلى خبراء ومختصين في الشأن الدولي قالوا إن حرب غزة تحديداً أعادت تسليط الضوء على هشاشة الممرات التقليدية للتجارة الدولية، سواء عبر البحر الأحمر أو قناة السويس، في ظل الأخطار الأمنية المتزايدة، وارتفاع كلفة التأمين والشحن، واحتمالات تعطّل الملاحة في أوقات التصعيد.
وأضافوا أن هذا الواقع دفع القوى الكبرى، ومعها دول الخليج، إلى التفكير بجدية في بدائل استراتيجية تقلّل الاعتماد على الممرات البحرية المهددة بالتوترات السياسية والعسكرية.
ومن بين من تحدثوا إلينا من يرى أن الرابحين الوحيدين في الحرب الأخيرة الولايات المتحدة وإسرائيل، مشيراً إلى أن الصين لم تكن بمنأى عن قائمة ضحايا تلك الحرب، وفق خطط أُعدت لضرب مسار التجارة الصينية وعصب الاقتصاد في المنطقة.
من الحرب إلى الممرات: لماذا الآن؟
في حديثه لـ"اندبندنت عربية"، قال أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية ببيروت، حبيب البدوي، إن اضطراب طرق التجارة التقليدية دفع إلى الاهتمام بالممر الاقتصادي الممتد من الهند إلى الشرق الأوسط ثم إلى أوروبا الذي جرى الإعلان عنه خلال قمة مجموعة العشرين في نيودلهي عام 2023، بمشاركة الولايات المتحدة والهند والاتحاد الأوروبي، إلى جانب السعودية والإمارات وعدد من الدول الأوروبية.
البدوي أضاف أنه على رغم أن المشروع طُرح قبل حرب غزة الأخيرة، فإن الاضطراب الإقليمي سرّع من وتيرة الاهتمام به، ومنحه بعداً أمنياً واضحاً، لا مجرد بعد اقتصادي، فالممرات البرية وشبه البرية، التي تمر عبر الخليج وبلاد الشام والعراق، باتت تُطرح كخيار أكثر أماناً نسبياً في حال تصاعد الأخطار البحرية ممثلة في البحر الأحمر، وهنا تحديداً تبرز سوريا بوصفها حلقة مركزية في أي تصور مستقبلي للربط الإقليمي، على حد قوله.
سوريا بين الحرب والاقتصاد
يعتقد البدوي أن القرار السعودي بدعم استقرار سوريا لا يمكن عزله عن هذا المشهد الأوسع، فاستقرار سوريا لم يعد ملفاً سياسياً فقط، بل تحوّل إلى شرط أساس لإنجاح أي مشروع اقتصادي إقليمي يربط الخليج بأوروبا، وفي ظل حرب غزة، وما كشفته من قابلية المنطقة للانفجار السريع، باتت الحاجة إلى دول مستقرة تشكّل ممرات آمنة للتجارة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
من هنا، فإن دعم استقرار سوريا يُقرأ كجزء من استراتيجية وقائية تهدف إلى تحصين العمق الاقتصادي للمنطقة ضد تداعيات الصراعات، وليس فقط كخطوة دبلوماسية أو سياسية، بحسب البدوي، مشيراً إلى أن حرب غزة، وما رافقها من توترات في البحر الأحمر، وضعت قناة السويس أمام اختبار جديد.
قناة السويس في قلب العاصفة
قناة السويس ليست مستهدفة سياسياً، ولا يمكن الاستغناء عنها بسهولة، بحسب المتخصص اللبناني، لكن الاضطرابات الأمنية رفعت كلفة المرور عبرها، وفتحت الباب أمام منافسة اقتصادية غير مباشرة من ممرات برية بديلة تنطلق من موانئ الخليج أو بحر العرب، مروراً ببلاد الشام والعراق، وصولاً إلى أوروبا.
وأضاف "هنا لا نتحدث عن إقصاء قناة السويس، بل عن إعادة توزيع لحركة التجارة العالمية، إذ تسعى الدول والشركات إلى تنويع الأخطار وعدم وضع كل البيض في سلة ممر واحد، خصوصاً في منطقة تتسم بعدم الاستقرار المزمن".
الخلاصة: الحرب تسرّع الاقتصاد
يخلص أستاذ العلاقات الدولية حبيب البدوي إلى أن اضطراب الإقليم وحرب غزة لم يخلقا مشاريع الممرات الاقتصادية، لكنهما سرعا تنفيذها ومنحاها أولوية قصوى، فالاقتصاد العالمي بات يبحث عن طرق أقصر، وأرخص، وأكثر أمناً، حتى وإن تطلب ذلك إعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط.
وأمام مشهد تتداخل فيه الحرب بالاقتصاد، والأمن بالتجارة، يصبح الاستقرار السياسي شرطاً للعبور الاقتصادي، وتتحول الدول المستقرة، أو القادرة على استعادة استقرارها، إلى عقد حيوية في شبكة المصالح الدولية، وفق المتحدث.
المتخصص في الاقتصاد السياسي مدحت الشريف، قدم بدوره قراءة في الجغرافيا السياسية للصراع الممتد، وقال لـ"اندبندنت عربية"، إن ما شهدته منطقة الشرق الأوسط خلال الفترة الأخيرة، بدءاً من حرب غزة، مروراً بالتصعيد في لبنان، وصولاً إلى التوترات المتصاعدة مع إيران، يمكن معه القول، وبقدر كبير من الوضوح، إن الخسارة طالت الجميع على المستوى الإقليمي، باستثناء طرفين رئيسين: الولايات المتحدة وإسرائيل.
يضيف الشريف الذي كان رئيساً للجنة الشؤون الاقتصادية بمجلس النواب المصري، أن دول المنطقة تكبدت كلفة باهظة نتيجة الصراعات الممتدة، سواء في صورتها العسكرية المباشرة أو في أشكالها السياسية والاقتصادية غير المباشرة، وهنا تبرز الولايات المتحدة بوصفها الفاعل الأكثر حضوراً وتأثيراً، كما يقول، فواشنطن تُمد أذرعها بقوة في المنطقة، مدفوعة بعاملين أساسيين:
أولاً، الممرات والمسارات البحرية الاستراتيجية التي تمر عبر الشرق الأوسط، والتي تُعد شرايين حيوية للتجارة العالمية، وثانياً، عبر الثروات الطبيعية الهائلة، وعلى رأسها الطاقة، التي تجعل من المنطقة ساحة مركزية في معادلات النفوذ الدولي.
يرى الشريف أن هذا الوجود الأميركي لا يقتصر على حماية التجارة الدولية فحسب، بل يمتد ليؤثر بشكل مباشر ليتمحور أساساً حول الصين، ومعها روسيا بدرجة أقل، لكنه صراع يتمحور في جوهره حول بكين، كما يضيف.
الصين وخطوط الإمداد: نقطة الضعف الاستراتيجية
الصين، باعتبارها قوة اقتصادية كبرى يعتمد نموذجها التنموي على التجارة الدولية، ترى أن التهديد الأساس لأمنها القومي يكمن في خطوط الإمداد البحرية، بحسب الشريف، فبكين تعتمد بشكل شبه كامل على استيراد المواد الخام اللازمة للصناعة، وعلى تصدير المنتجات النهائية إلى الأسواق العالمية، ومع تعداد سكاني يتجاوز 1.4 مليار نسمة، فإن أي تعثر في عجلة الإنتاج أو التصدير قد يُحدث أثراً مدمراً على الاستقرار الداخلي.
ويضيف البرلماني المصري السابق، أن مستشارين في الحزب الشيوعي الصيني، أكدوا في نقاشات مباشرة، أن أي تهديد لخطوط الإمداد البحرية يُعد تهديداً مباشراً للأمن القومي الصيني، ويستدعي تدخلاً فورياً، فيما الولايات المتحدة تدرك هذه الحقيقة جيداً، ولذلك تُركز استراتيجيتها العالمية على التحكم في الممرات البحرية ومفاصل التجارة الدولية.
ويتابع قائلاً "من هنا تتضح أهمية الشرق الأوسط في الاستراتيجية الأميركية، ليس فقط باعتباره مصدراً رئيساً للطاقة، بل كعقدة عبور حيوية للمواد الخام القادمة من أفريقيا، والتي تمر عبر قناة السويس في طريقها إلى الصين. كما تندرج محاولات واشنطن لإعاقة مبادرة طريق الحرير الصيني ضمن هذا الإطار الأشمل للصراع الجيوسياسي".
الطاقة وفنزويلا: نموذج للضغط الاستراتيجي
لا يفصل الشريف بين ما يجري في الشرق الأوسط عما حدث ويحدث في فنزويلا، فالأخيرة كما يقول، تمتلك أكبر احتياط نفطي مؤكد في العالم، يقدَّر بنحو 303 مليارات برميل، وهو رقم ضخم مكّن الولايات المتحدة، عبر العقوبات والضغط السياسي، من التحكم في إنتاجه وتأثيره على الأسواق العالمية.
وبحسب إفادته، تستخدم واشنطن هذا النفوذ في مسعى للتأثير على منظمة "أوبك"، من خلال التحكم في معادلات العرض والأسعار، مستدركاً "صحيح أن الصين تُعد المستورد الأكبر للنفط الفنزويلي، إلا أن هذا النفط لا يشكل سوى نحو أربعة في المئة من احتياجاتها، وهو ما يمكن تعويضه، أما النفط القادم من دول الخليج، فيظل عنصراً لا يمكن الاستغناء عنه بسهولة".
إدارة ترمب والواقعية السياسية
في ظل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عادت بقوة النظرية الواقعية في العلاقات الدولية، التي ترى أن النظام الدولي تحكمه القوة العسكرية والاقتصادية والنفوذ السياسي، لا القوانين أو الأعراف، بحسب المتحدث، الذي يرى أن هذه السياسة صارت جلية اليوم في أوروبا كما يظهر في ملفات مثل غرينلاند وغيرها، والنتيجة هي تعزيز الهيمنة الأميركية، وترسيخ منطق القطب الواحد.
إسرائيل والولايات المتحدة: المستفيد الأكبر
في المحصلة، يظل المستفيد الأول من حال الفوضى وعدم الاستقرار هو الولايات المتحدة، وتأتي إسرائيل في قلب هذه المعادلة، بوصفها الحليف الاستراتيجي الأوثق، إلى حد يمكن معه اعتبارها "الولاية الـ51" للولايات المتحدة، لما تحظى به من دعم غير محدود سياسياً وعسكرياً ودبلوماسياً.
في هذا السياق، يمكن قراءة التحركات الأميركية الأخيرة، من تعزيز الوجود العسكري في الشرق الأوسط، إلى التهديدات المؤجلة ضد إيران، باعتبارها جزءاً من حرب نفسية واستراتيجية طويلة الأمد، لا تستهدف المواجهة المباشرة الفورية بقدر ما تهدف إلى إعادة ترتيب موازين القوى، والتحكم في مسارات الصراع عالمياً.
اندبندنت عربية
المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=131&id=204348