قطاع الزراعة السوري.. التفاؤل بالمواسم تصعقه فواتير الكهرباء
31/01/2026
سيرياستيبس
في ريف حماة الغربي يقف الفلاح أبو حبيب منتظراً موسم هطولات مطرية واعدة بعد سنوات من الجفاف، لكن تفاؤله يختلط بقدر من القلق، ففي محاصيله غير البعلية يعتمد بشكل كامل على الري الكهربائي لتشغيل بئر المياه التي حفرت بأموال طائلة.
يقول أبو حبيب لموقع تلفزيون سوريا: "إن تحويل البئر من محرك ديزل إلى نظام كهربائي كلفني نحو 15 ألف دولار، وكان القرار استراتيجيا لإبقاء الإنتاج الزراعي قائما في ظل ندرة الديزل وارتفاع أسعاره، لكن رفع أسعار الكهرباء في المجلس الاقتصادي الأخير شكّل ضغوطًا إضافية على مزارعي الري، خصوصا مع انخفاض الدعم الحكومي للقطاع الزراعي مقارنة بدعم القطاع الصناعي مثلا".
يضع المهندس الزراعي بشير عبد القادر تطور تكلفة الكهرباء في سياق التغيرات العميقة التي شهدها البلد منذ اندلاع الثورة عام 2011، ويوضح أن "سنوات الحرب الطويلة التي قادها النظام البائد ضد السوريين دمرت بنية قطاع الكهرباء بشكل شبه كامل، مما أدى إلى انخفاض ساعات التغذية الرسمية إلى ساعات محدودة يوميا، ما جعل الاعتماد على مولدات الطاقة الخاصة أمرا ضروريا للعديد من الأسر والمزارعين".
وشهدت سوريا مؤخرا هطولات مطرية وثلجية مبشرة، حيث أظهرت نشرة وزارة الزراعة السورية الخاصة بكميات الهطولات المطرية، تسجيل بعض المناطق نسب هطول تجاوزت المعدل السنوي، وجاءت محافظات حمص وحماة واللاذقية في مقدّمة المناطق من حيث كميات الهطول، حيث وصلت النسب في بعضها إلى أكثر من 100 بالمئة من المعدل السنوي، إلا أن الزراعة في سوريا تعتمد على مستوى تخزين المياه في السدود وفق خبراء.
وبين الخبير بالشؤون الزراعية، المهندس عبد الرحمن قرنفلة، لـ موقع تلفزيون سوريا في تقرير سابق، أن الزراعة البعلية (التي تعتمد على مياه الأمطار) هي العمود الفقري للمساحات الزراعية في سوريا، حيث بلغت المساحة المزروعة في عام 2023 نحو 4033399 هكتار، منها مساحة 2951475 هكتار زراعة بعلية ومساحة 1081925 هكتار زراعة مروية، وتعد الحبوب والشعير والزيتون من أكثر الزراعات البعلية انتشاراً من حيث المساحة، وتتغير المساحات باستمرار ولكن تشكل الأراضي البعلية نسبة كبيرة جداً من المساحات المزروعة.
أسعار شرائح الاستهلاك الكهربائي للزراعة
ويلفت عبد القادر في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن الحكومة أجرت في عام 2025 إصلاحات كبيرة في تعرفة الكهرباء، شملت إلغاء معظم الدعم السابق وتطبيق نظام تسعير هرمي يعتمد على شرائح استهلاك، في الشرائح الدنيا (حتى 300 ك.و.س)، أصبح السعر نحو 600 ليرة سورية لكل كيلوواط ساعة، مقارنة بنحو 10–150 ليرة قبل الحرب وحتى 2023".
ويؤكد المهندس عبد القادر أن شرائح الاستهلاك الأعلى، التي تتجاوز 600 ك.و.س، أصبحت تُحتسب بأسعار أعلى بكثير (حتى 1,400 ل.س لكل وحدة)، بينما يتم تحميل المؤسسات الصناعية والتجارية تعرفة أعلى تتراوح ما بين 1,700–1,800 ل.س، في إشارة إلى التحول في سياسة الدعم من الأسر والقطاع الزراعي نحو ما يصفه بـ "دعم البنية الاقتصادية الثقيلة".
ويشير عبد القادر إلى أن الهدف من الرفع ليس فقط تحصيل موارد إضافية لحل عجز الشبكة، بل أيضا لتأسيس سوق طاقة أكثر استدامة – لكن المجتمع الزراعي لم يُصاغ في قلب هذه السياسات، ما وضع المزارعين مثل أبو حبيب أمام تكلفة تشغيل أعلى بكثير من السنوات الماضية.
ويشترك المهندس الزراعي عدنان الصطوف بالرأي مع زميله بشير من جهة دعم قطاعات أخرى على حساب القطاع الزراعي رغم أن "سوريا بلد زراعي بالدرجة الأولى ولا يمكن أن نتحول بين ليلة وضحاها لبلد صناعي ونهمل الشريحة الأوسع من الناس التي تعتاش من هذا القطاع المهم" كما ويؤكد أنها ركيزة أساسية في هيكل الاقتصاد الوطني، ويستند في ذلك إلى تقارير اقتصادية حديثة تُظهر أن قطاع الزراعة يسهم بنحو 25% من الناتج الاقتصادي السوري، رغم سنوات الحرب والدمار التي شهدها هذا القطاع الحيوي.
ويشرح الصطوف أن هذه النسبة تأتي في ظل تراجع الإنتاج مقارنة بما كان عليه قبل 2011، عندما كان القطاع الزراعي قادرا على توفير الأمن الغذائي وخلق فرص عمل واسعة للريفيين، بينما يشهد اليوم تراجعا في المحاصيل الأساسية بنحو 40–50% بحسب نوعها وموقعها الجغرافي، نتيجة الجفاف ونقص المياه والتحديات التمويلية.
ولعل ما يذكره الصطوف بجملة واحدة يلخص وضع الزراعة السوري: "على الرغم من الانكماش الحاد في الإنتاج، يبقى أكثر من ربع الاقتصاد يرتكز على الزراعة، وأن اليد العاملة في الريف لا تزال تعتمد مباشرة أو غير مباشرة على هذه المنظومة الإنتاجية".
إمكانيات القطاع الزراعي للتصدير والنمو
وحول إمكانيات التصدير، يؤكد المهندس الصطوف أن القطاع الزراعي السوري يمتلك مزايا لوجستية جغرافية يمكن أن تجعله منافسا في الأسواق الإقليمية والأوروبية، كما يوضح أن موانئ اللاذقية وطرطوس ستعودان للعمل بشكل كامل في المستقبل القريب، وستخضعان لإدارة شركات دولية تُسهّل الوصول إلى الأسواق الخارجية بشكل أسرع من منافسيها في المنطقة، مثل الأردن الذي يعتمد في تصدير إنتاجه على ميناء العقبة وقناة السويس، ما يضيف وقتًا وتكلفة إضافية لرحلة المنتج الزراعي.
ويقول الصطوف: "قدرة سوريا على توصيل المنتجات الزراعية إلى الأسواق الأوروبية بسرعة أعلى تُشكّل نقطة قوة لو تم توظيفها بخطة تصديرية واضحة، نظرا لقرب المسافة إلى البحر الأبيض المتوسط وإمكانية تنظيم سلاسل لوجستية فعّالة".
التحديات التمويلية ودور المصرف الزراعي
لا يخفي الخبير الاقتصادي حسن حيدر العيلي وجود تحديات تمويلية جذرية أمام المزارعين السوريين "الفلاحون اليوم يجدون صعوبة في شراء البذور، الأسمدة والآلات الزراعية بسبب ارتفاع الأسعار ونقص السيولة، لو كان لدينا قرض حسن من دون فوائد من المصرف الزراعي يغطي المتطلبات الأساسية للموسم الزراعي، لكان ذلك طوق نجاة حقيقيا لكثير من الفلاحين".
ويشدد العيلي على أن إعادة تفعيل دعم المصرف الزراعي وتشجيع القروض الحسنة يمكن أن يُحدث تغييرا في سلوكيات الإنتاج الزراعي، لا سيما مع ضعف الخبرة التطبيقية لدى بعض الفلاحين التي تحتاج إلى تمويل يُمكّنهم من اعتماد تقنيات زراعية أكثر تطورًا وفاعلية.
ويستشهد العيلي بقصة أبو حبيب بعد أن سمع تفاصيلها منا، "نلمس ثقل الواقع استثمار شخصي كبير في تجهيز بئر مياه، عبء تشغيل أعلى نتيجة ورفع أسعار الكهرباء، وتململ ينتظر موسم الأمطار، يجب أن يترافق بدعم مؤسسي حكومي يجعل العودة إلى الإنتاج مسألة غير صعبة ومعقدة، لا سيما في ظل تحمّل تكاليف التشغيل بالكامل من قبل الفلاحين دون أي طوق دعم مالي فاعل".
فرص قطاع الزراعة السوري قائمة رغم التحديات
يرى المهندس بشير عبد القادر أن قطاع الزراعة السوري يمتلك أساسا قويا لإعادة البناء، ويؤكد أن وجود موارد طبيعية، أرضٍ زراعية خصبة، قُرب جغرافي من الأسواق، وموانئ قد تُفعّل قريبا يجعل من الزراعة رافعة اقتصادية حقيقية.
لكن عبد القادر يشدد على أن السياسات المالية والطاقة والإصلاحات المؤسسية يجب أن تكون جزءا من خطة وطنية واضحة تدعم الفلاح، تقلّص العبء على كاهله، وتوفر له بيئةً مستقرة للاستثمار والإنتاج والتصدير.
الجدير بالذكر أن القطاع الزراعي في سوريا يعتبر من أهم روافد الاقتصاد، إذ شكل نحو 26% من الناتج المحلي الإجمالي، وكان يعمل في الزراعة نحو 28% من إجمالي القوى العاملة قبل 2011 ، كما كانت المنتجات الزراعية تمثل 28% من عائدات التصدير، وكان إنتاج القمح يتجاوز 3.9 ملايين طن سنويا، بينما بلغ إنتاج القطن نحو 1.3 مليون طن، وجعل ذلك من سوريا قوة زراعية قادرة على التصدير وتحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي.
لكن مع تقلّص دعم الزراعة خلال الآونة الأخيرة، تراجع دور القطاع بشكل حاد، إذ انخفضت مساهمة الزراعة في الناتج المحلي إلى نحو 10%، وتقلّصت القوى العاملة الزراعية إلى 17% فقط، وهبط إنتاج القمح إلى 700 ألف طن تقريبا، مما حول سوريا من دولة مصدّرة إلى مستوردة للمحاصيل الأساسية، وزاد من تكاليف الإنتاج الزراعي بنحو 16 مليار دولار أميركي مع تدهور نظم الري والبنية التحتية، وتقّدر منظمة الأغذية والزراعة أن إعادة بناء القطاع الزراعي يحتاج إلى استثمارات تقدر بنحو 17 مليار دولار.
العربي الجديد
المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=132&id=204368