على مبدأ وضع البيض في أكثر من سلة
السوريون يعتمدون الفضة أوعية لاستثمار مدخراتهم




 

سيرياستيبس :

لم تعد خزائن السوريين ممن لديهم قدرة على الادخار، على رغم قلتهم، مقتصرة على الذهب والدولار وأحياناً الألماس، فقد بدأت الفضة تتسلل لتأخذ موقعها كمعدن نفيس يمكن المراهنة عليه للادخار والاستثمار معاً.

ويقول مدير في أحد البنوك السورية إن الفضة أصبحت على قائمة النفائس التي يحفظها السوريون في خزائن البنوك، في سلوك يعكس توجههم إلى الاستثمار في الفضة كملاذ آمن وأقل كلفة لادخار أموالهم التي قد لا تطاول أسعار الذهب، خصوصاً مع وصول أسعاره إلى مستويات قياسية، مما جعل التوجه نحو اقتناء الفضة أمراً أيسر وأكثر قابلية، خصوصاً مع سهولة تسييلها.

توجه المدخرين السوريين نحو الفضة لحماية أموالهم ترافق مع إعلان هيئة المعادن الثمينة عن إنشاء غرف خصوصاً لتداول الفضة، وبحسب مدير الهيئة مصعب الأسود، فإنّ هذه الغرف بدأت نشاطها منذ أشهر، وشهدت نشاطاً كثيفاً في بيع وشراء الفضة الخام "بالوزن"، أو ما يسمى حجر الفضة، والأونصات، على غرار تداول الذهب.

ولا يشمل التداول المشغولات الفضية نظراً لارتفاع أجور صياغتها، وبحسب "هيئة المعادن الثمينة"، فإنّ السوق السورية تشهد تداولاً كثيفاً للفضة، متأثرة بارتفاع أسعار الذهب وبالتوجه العالمي نحو الفضة، التي شهدت أسعارها ارتفاعاً ملحوظاً نتيجة الاعتماد عليها في العديد من الصناعات.

يتم تداول الفضة وفقاً لأسعارها العالمية، وبحسب المحلل المالي أسامة الراعي، فإنّ اختيار السوريين الفضة للاستثمار أو الادخار بدأ يأخذ منحى تصاعدياً خلال الفترة الأخيرة، وعلى رغم محدودية عدد المستثمرين، فإن حركة التداول نشطة، ويتم تسجيل شراء مستثمرين لكميات كبيرة من الفضة الخام، مدفوعين بعوامل عدة، أبرزها صعود الفضة كوعاء ادخاري واستثماري على مستوى العالم.

ثقافة الفضة تتجاوز الزينة إلى الادخار والاستثمار

يوسف خياط، يعمل في محل فضة بدمشق، قال إن بيع الفضة بدأ منذ أشهر يتحول في جزء مهم منه إلى شراء الأونصات، التي بدأت تشهد حضوراً في أسواق ومحلات الفضة، لافتاً إلى أن هناك زبائن يطلبون شراء كميات من الفضة الخام تصل أحياناً إلى عدة كيلوغرامات، لكن بصورة عامة هناك تركيز على الفضة الخام بالوزن، في حين تبقى المشغولات لغايات الزينة وتلبية طلبات السياح والزوار وللهدايا. وأشار إلى أن حركة بيع المشغولات للأجانب وللمغتربين الذين زاروا سوريا في الأشهر الماضية أدت إلى نشاط مهم في سوق المشغولات الفضية التي تشتهر بها سوريا.

ولاحظ خياط أن من يطلب الفضة الخام هم أولئك الذين يملكون القناعة والثقافة بأهمية الادخار والاستثمار في الفضة، وغالباً ما يقصدون محلات الفضة وهم محددون أهدافهم من الشراء، التي تكون إما للادخار، في حين يبدو أن قلة يشترونها بغرض الاستثمار، خصوصاً بعد إنشاء غرف لتداول الفضة على غرار الذهب، وهؤلاء عادة يركزون على حجر الفضة ويشترونها بالوزن.

مها قبلان، لديها مشروع تجاري، قالت إنها بدأت أخيراً بالتوجه نحو الفضة للادخار، مشيرة إلى أن الاستثمار في الذهب يحتاج إلى إمكانيات كبيرة، أما الفضة فيمكن الاستثمار فيها من دون أن تشكل ضغطاً مالياً. وأضافت أنها منذ أشهر بدأ اهتمامها بمعدن الفضة، وبدأت تراقب حركته عالمياً، وتتطلع إلى التداول به باعتباره استثماراً إذا كان هناك تمكن، على رغم أهميته الكبيرة في حماية المدخرات.

ضبط سوق الفضة بنفس معايير الذهب

تتولى "هيئة المعادن الثمينة" في سوريا تنظيم سوق الفضة من خلال إجراءات وآليات مشابهة لتلك المعتمدة لضبط سوق الذهب، إذ تراقب استيراد الفضة وعملية تصنيعها.

وتشير المعلومات الصادرة عنها إلى إدخال كميات لا بأس بها من الفضة المستوردة في الفترة الأخيرة، حيث يجري وسمها في جمعية الصاغة بالسمة السورية بعد فحصها والتأكد من مطابقتها للمواصفات القياسية.

والتسعير المحلي للفضة مرتبط بسعرها عالمياً، ويتم اعتماده من الأونصة العالمية، ويُحدَّث بصورة مستمرة وفق التذبذب في البورصة العالمية، سواء في حالات الصعود أو الهبوط.

ويبلغ سعر أونصة الفضة 104.940 دولار، في حين يبلغ سعر غرام الفضة 4.47 دولار، وسعر السبيكة وزن كيلو شراء جديد 4031 دولاراً، في حين يبلغ سعر السبيكة وزن كيلو إعادة بيع 3053 دولاراً، وفقاً لموقع "أسعار الذهب في سوريا".

الفضة تجذب الطبقة الوسطى في سوريا

مختصون أكدوا أن توجه السوريين إلى الفضة كان دائماً بسبب غلاء الذهب، والأمر ليس حديثاً، إذ شهدت أسواق الفضة نشاطاً مهماً في الأعوام الأخيرة، وبدأ اللجوء إليها للزينة كبديل للذهب نتيجة فارق الأسعار الكبير بين المعدنين.

لكن منذ أشهر، ومع إحداث غرف لتداول الفضة، بدأ المعدن الأبيض يأخذ مكانه في سلم اهتمامات السوريين، خصوصاً من المقتدرين، لحماية أموالهم، وفي ظل قلة قنوات الاستثمار المتاحة أمامهم، فضلاً عن كونه تحول عالمياً إلى وعاء ادخاري، الأمر الذي منحه الثقة لدى السوريين.


محمد درويش، وهو تاجر دمشقي، قال إنه يمكن ملاحظة إقبال السوريين، وتحديداً ممن يمكن اعتبارهم من الطبقة الوسطى أو ذوي الدخل العالي والمهن الحرة، على الادخار بالفضة، من خلال توظيف فائض دخولهم في شراء الفضة لعدم قدرتهم على مسايرة أسعار الذهب المحلقة، وترافق ذلك مع تراجع الإقبال على الاستثمار في العقارات نظراً لجمودها.

وأوضح أن الطواعية التي تتمتع بها الفضة وسهولة تسييلها شجعت الكثيرين على الادخار بها، مشيراً إلى أن الفضة تمكنت من مزاحمة قنوات الادخار الرئيسة لدى السوريين، كالدولار لتذبذبه، والذهب لارتفاع أسعاره، مؤكداً أن مستقبل الفضة مهم وفي طريقه إلى الازدهار، مع التركيز حالياً على أنها إحدى وسائل حماية المدخرات.

الفضة تدخل إلى تجزئة الأخطار

محمد حلاق، عضو غرفة تجارة دمشق، أوضح أنه بالنسبة للسوريين تحديداً، فإن ظروفهم فرضت عليهم اللجوء إلى تجزئة الأخطار، بمعنى "توزيع البيض في أكثر من سلة"، فلم يعد الاحتفاظ بالدولار وحده يشكل حالة مؤكدة من الأمان، في ظل التخوف من تراجعه عالمياً، خصوصاً مع السياسات التجارية لترمب. وأشار إلى أن الذهب يبدو أفضل وعاء ادخاري حالياً وعلى المدى الطويل، لكن ارتفاع أسعاره جعله صعب المنال، وأصبحت التوجهات تميل إلى ملاذات أخرى، مع ظهور ميل لتنويع قنوات الادخار والاستثمار، مثل شراء الأراضي والنحاس، وعملات أخرى مثل اليورو. وأضاف أن الفضة دخلت كعنصر أساس ومرغوب للادخار، نظراً لارتفاع أسعارها عالمياً نتيجة استخدامها في كثير من الصناعات المهمة، متوقعاً أن تكون للفضة مكانة مهمة في السلوك الادخاري والاستثماري للسوريين.

تغير النظام الاقتصادي العالمي أنعش الذهب والفضة

الخبير في الاقتصاد السياسي عبد الحميد القتلان أوضح في تصريح خاص أن هذا الارتفاع التاريخي الجنوني في أسعار المعادن، وخصوصاً الذهب والفضة، ناتج من مجموعة من العوامل والأحداث الاقتصادية، إذ إن النظام المالي والاقتصادي السائد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى اليوم قد ترهل وأصبح غير قادر على الاستمرار، وقال إن إقامة نظام سياسي متعدد الأقطاب حالياً غير ممكن، ولا توجد قوة قادرة على أن تكون قطباً بمفردها، بما في ذلك الولايات المتحدة.

وفي ظل نظام عالمي لم يستطع التحرر من سيطرة الدولار، فإن الاقتصاد العالمي في حالة انهيار، وقد فاقم الأمر الدين العام الأميركي، وتراجع الاقتصاد الأوروبي وقاطرته الأساسية ألمانيا، إلى جانب سياسات السندات الحكومية اليابانية وارتباط الاقتصاد العالمي بها، وأخيراً حزمة الرسوم الجمركية الأميركية التي فرضها الرئيس ترمب على حلفائه قبل أعدائه.

كل ذلك لم يترك لأي مستثمر أو شركة ترغب في التحوط من هذا الوضع خياراً سوى اللجوء إلى المعادن النفيسة، وخصوصاً الذهب والفضة، باعتبارهما الوعاء الأكثر أماناً للحفاظ على قيمة الأموال، وليس للمضاربة.

وأكد المختص السوري أن هذه الأزمة لا بد أن تمر، لكن بعدها سيشهد العالم تحولاً إلى اقتصاد جديد ونمط استثماري مختلف، قد يبقى فيه الدولار سيداً، ولكن بصورة جديدة رقمي افتراضي.

فالعالم مقبل على حقبة اقتصادية مختلفة، وما يمر به الاقتصاد العالمي حالياً هو مرحلة ما قبل التحول، إذ إن الاقتصاد الحالي في طريقه إلى الزوال، وفي المقابل يولد اقتصاد عالمي جديد.

وبالنسبة إلى سوريا، يرى القتلان أن الاقتصاد السوري مدمر أساساً بعد حرب طويلة، ولا توجد خطة استثمارية واضحة للبلاد حتى الآن، وليس أمام أي مستثمر سوري سوى التحوط بشراء الذهب أو الفضة، التي دخلت فعلياً ضمن دائرة اهتمام المستثمرين في سوريا، ليس بغرض الاستثمار، بل للحفاظ على قيمة المدخرات قدر الإمكان.

وأشار إلى أن قلة فحسب يدخرون في الفضة وغيرها، في حين أن معظم السوريين يدخرون ما يجنونه لدفع فواتير الكهرباء والطعام، بحسب تعبيره.

اندبندنت عربية



المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=131&id=204375

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc