سوريا ولبنان أمام اختبار تجربة لم تنجح... السلام الاقتصادي
01/02/2026
سيرياستيبس :
كثر الحديث في الأيام الماضية في لبنان والمنطقة عما يسمى "السلام الاقتصادي"،
لا بوصفه فكرة نظرية عابرة، بل كإشارة سياسية متقدمة تتسلل من بوابة
الاقتصاد إلى قلب الصراع. وتزامن حديث رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين
نتنياهو عن مساعٍ اقتصادية مع لبنان، مع إدخال السفير السابق سيمون كرم إلى
لجنة "الميكانيزم"، التي تُدار عبرها التفاهمات غير المباشرة بين لبنان
وإسرائيل، وهذا ليس تفصيلاً تقنياً ولا تعديلاً شكلياً في تركيبة تفاوضية،
بل مؤشر إلى انتقال النقاش من منطق ضبط النزاع إلى منطق إعادة تعريفه.
فـ"السلام الاقتصادي"، كما يطرح اليوم، لا يقوم على إنهاء الصراع سياسياً
أولاً، ولا على تسوية عادلة أو اعتراف متبادل، بل على فرضية أكثر براغماتية
وربما أكثر خطورة، أي تحسين شروط الحياة، وفتح قنوات الاستثمار، وربط
المصالح اليومية للناس ببنية استقرار اقتصادي عابر للحدود، على أمل أن
يتحول هذا التشابك إلى بديل عن القرار السياسي المؤجل أو المستحيل. بمعنى
هو سلام بلا سيادة مكتملة، وبلا حسم للملفات الجوهرية، لكنه يراهن على تعب
المجتمعات، وانهيار الدول، واستنزاف فكرة المواجهة المفتوحة.
السؤال الجوهري هنا ليس فقط ما هو "السلام
الاقتصادي"؟ بل متى ولماذا يطرح؟ وهل يأتي كمقدمة طبيعية لسلام سياسي
لاحق؟ أم كبديل عنه حين يتعذر فرضه؟ فالتجارب العربية والعالمية تظهر أن
هذا النموذج غالباً ما يعرض على الدول الأضعف، في لحظات الانهيار أو
الاختناق المالي، ويسوق بوصفه "فرصة إنقاذ"، بينما هو في جوهره إعادة هندسة
للصراع، تنقل فيه الكلفة من مستوى الجغرافيا والسيادة إلى مستوى القرار
الاقتصادي والارتهان البنيوي.
وفي الحالة اللبنانية،
يصبح النقاش أكثر حساسية، فلبنان المنهك اقتصادياً، والمفكك سياسياً،
والعالق بين سلاح خارج الدولة وضغوط دولية متصاعدة، يدعى اليوم، وبصيغة غير
مباشرة، إلى التفكير بالاقتصاد كمدخل للتهدئة، وربما للتطبيع الزاحف، لكن
السؤال الأخطر يبقى، هل يستخدم "السلام الاقتصادي" لانتشال لبنان من أزمته؟
أم لتحييده سياسياً وإفراغ الصراع من مضمونه تمهيداً لترتيبات إقليمية
أوسع تدار من فوق لا من داخل الدولة؟
هنا لا يعود "السلام الاقتصادي" مجرد
مفهوم، بل أداة اختبار، أي اختبار لقدرة الدول على الصمود، ولوعي
المجتمعات، ولحدود ما يمكن أن يقدم كحل حين يستبدل القرار السياسي برغيف
الخبز، والسيادة بحزمة حوافز.
إسرائيل ترغب في تحييد دور الأمم المتحدة
في هذا السياق، لا يبدو أن تأجيل اجتماعات "الميكانيزم"
مسألة تقنية عابرة، بل مؤشر إلى تباين عميق في الرؤية حول طبيعة هذه
الآلية ووظيفتها. فإسرائيل لا تخفي رغبتها في تحييد دور الأمم المتحدة أو
تقليصه إلى الحد الأدنى، معتبرة أن الحضور الأممي يفرض قيوداً سياسية
وقانونية لا تنسجم مع مقاربتها المرنة لإدارة الجنوب. في المقابل، تدفع تل
أبيب باتجاه صيغة بديلة أكثر مدنية ودبلوماسية واقتصادية، تخرج النقاش من
إطار الرقابة الدولية إلى منطق المصالح والترتيبات العملية، وإذا استمر هذا
الاشتباك على الشكل والمرجعية، فإن تجميد أعمال "الميكانيزم" يصبح
احتمالاً واقعياً، ليس لأن الآلية فشلت، بل لأن إسرائيل تريد إعادة تعريفها
بما يخدم أولوياتها، لا بما يثبت قواعد ضبط دولية ثابتة.
أما في المفاوضات مع لبنان، فإسرائيل لا
تبحث عن تسوية نهائية بقدر ما تسعى إلى إعادة تعريف قواعد الاشتباك. هدفها
ليس اتفاق سلام سياسي، بل ترتيب طويل الأمد يضمن، أي هدوء ميداني، وتقييد
حركة خصمها، وتثبيت وقائع أمنية يمكن البناء عليها اقتصادياً لاحقاً، لذلك
تتعامل مع المفاوضات كمسار انتقائي ومتدرج، تمنح أو تعرقل بحسب ما يخدم
ميزان الردع، وتستخدم الاقتصاد والملفات المدنية كرافعة تفاوضية لا كبديل
عن التفوق العسكري.
لغة جديدة لإدارة الصراع
كانت مفاوضات بدأت بين سوريا وإسرائيل،
بوساطة أميركية، ركزت على إعادة تفعيل اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974،
وعقدت جولات في باريس لبحث اتفاق أمني يهدف للاستقرار، وانسحاب القوات
الإسرائيلية لمواقع ما قبل الثامن من ديسمبر (أيلول) 2024، وربما تمهيد
الطريق لتطبيع العلاقات، مع تمسك سوري بالسيادة الكاملة. ويبدو أن الرئيس
الأميركي دونالد ترمب يسعى إلى تقليل التوتر على الحدود، وتشجيع سوريا
للانضمام لـ"الاتفاقات الإبراهيمية" أو تطبيع العلاقات مستقبلاً، مقابل
وعود برفع العقوبات. وعليه، لا يطرح "السلام الاقتصادي"، بين لبنان وسوريا
وإسرائيل، كفكرة إنقاذ بريئة بقدر ما يقدم كلغة جديدة لإدارة الصراع، أي
تخفيف نار الجبهات عبر مصالح وحاجات يومية من الطاقة، إلى إعادة الإعمار،
وعودة السكان، والاستثمارات، من دون المرور فوراً ببوابة التسويات السياسية
الثقيلة، أي الحدود، والسيادة، والتطبيع، والسلاح، والجولان. وما تغير في
الفترة الأخيرة هو أن هذا الطرح خرج من العموميات إلى قنوات شبه تفاوضية
ملموسة، فعلى خط لبنان وإسرائيل، توسعت لجنة "الميكانيزم" بعد إدخال ممثل
مدني لبناني هو السفير سيمون كرم، وذلك جاء في سياق حديث إسرائيلي عن
مبادرات اقتصادية تستخدم لإظهار مصلحة متبادلة وربطها بمنطق الأمن المستدام
على الحدود.
وكان موقع "أكسيوس" نقل عن مصدر أميركي
قوله إن المحادثات الأخيرة بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي، ضمن اجتماعات
لجنة "الميكانيزم"، تضمنت عرضاً أميركياً لرؤية بعيدة المدى تقضي بإنشاء
ما يعرف بـ"منطقة ترمب الاقتصادية" على امتداد الحدود، على أن تكون منطقة
خالية من وجود "حزب الله" والأسلحة الثقيلة. وأوضح المصدر أن المشروع
المقترح من شأنه إحداث "نهضة تجارية واستثمارية" في لبنان، عبر جذب رؤوس
أموال لإنشاء مصانع ومناطق لوجيستية وميناء يدخل ضمن شبكة النقل البحري
العالمي، بما يسهم في تحريك عجلة الإنتاج المحلي وتوسيع قدرة لبنان على
التصدير، وأشار إلى أن المنطقة ستتيح حضوراً لشركات طاقة عالمية للاستفادة
من موارد جنوب لبنان، بما يعيد إنتاج نماذج نجاح شهدتها دول خرجت من
النزاعات وتحولت إلى مراكز اقتصادية مؤثرة.

وعلى خط لبنان والطاقة، وقع اتفاق استكشاف
وإنتاج النفط في البلوك البحري رقم 8 مع تحالف شركات "توتال إنرجيز"
الفرنسية، و"إيني" الإيطالية، و"قطر للطاقة"، في خطوة أعادت تحريك ملف
النفط والغاز اللبناني بعد أكثر من عامين على اتفاق ترسيم الحدود البحرية
مع إسرائيل. إذاً، إن توقيع لبنان اتفاق تنقيب جديداً في بلوك بحري قريب من
الحدود، يذكر بأن الاقتصاد هنا ليس حوافز فحسب، بل مفاتيح موارد وممرات
استثمار قابلة للتسييس والأمننة.
وعلى خط سوريا وإسرائيل، كثرت التقارير
التي تحدثت عن ترتيبات أمنية ومنطقة منزوعة السلاح ذات بعد اقتصادي في
الجنوب السوري، وعن آليات تنسيق تتضمن أيضاً ملفات تجارة ومشاريع في مناطق
عازلة، أي أن الاقتصاد يستدعى كجزء من هندسة الاستقرار الحدودي. وتحدثت
تقارير أميركية وإسرائيلية عن طروحات أميركية لفتت إلى مشاريع مدنية في
مجالات الطاقة والزراعة والصحة، بحيث يجرى تحويل المنطقة العازلة بين
الطرفين إلى منطقة اقتصادية مشتركة، تضم مشاريع للطاقة المتجددة، ولا سيما
مزارع الرياح، إلى جانب نشاطاًت زراعية وسياحية بكلفة تصل إلى أربعة
مليارات دولار يجرى تمويلها من "شركاء إقليميين"، كما أن ذلك يشمل بيع
الغاز الإسرائيلي إلى سوريا، وتزامن ذلك مع إعلان توقيع اتفاق بين سوريا
ومصر للتعاون في مجال الطاقة وبيع الغاز المصري إلى سوريا.
فما هو "السلام الاقتصادي" في هذا المثلث؟
هو مقاربة تقول: لننتج استقراراً قابلاً
للحياة عبر الاقتصاد أولاً، ثم نترك السياسة تلحق لاحقاً، أو لا تلحق.
وتاريخياً، هذه الفكرة ارتبطت خصوصاً بنهج نتنياهو الذي روج منذ عام 2009
لـ"السلام الاقتصادي" كبديل عملي عن المسار السياسي المتعثر، عبر تحسين
شروط المعيشة بدل حل العقد السيادية، لكن في المثلث اللبناني – السوري -
الإسرائيلي، يأخذ السلام الاقتصادي شكلاً أكثر تعقيداً، ليس ثنائياً فحسب،
بل شبكي وإقليمي، الكهرباء تمر عبر سوريا إلى لبنان، وإعادة إعمار سوريا،
وأمن حدود الجنوبين اللبناني والسوري، وربط ذلك بحزمة استقرار تدار
أميركياً ودولياً.
التوجه الإسرائيلي لا يلقى ترحيباً كبيراً في لبنان
في السياق قال الأكاديمي المتخصص في
العلاقات الدولية والسياسات الخارجية خالد العزي إن "السلام الاقتصادي هو
مفهوم يعتمد على إدارة مشاريع تنموية واقتصادية بين دول متحاربة، مع رؤية
مشتركة تهدف إلى بناء واقع اقتصادي يحقق مصالح الطرفين ويسهم في إنهاء
الأزمات، عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وخلق روابط تجارية ومشاريع مشتركة.
الهدف الأسمى هو بناء اقتصاد مشترك بين الدولتين المتنازعتين، يسهم في
تحقيق الاستقرار والسلام العام، مما يمهد لاحقاً للوصول إلى حلول سياسية
ودبلوماسية مستدامة". وتابع "من وجهة نظر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين
نتنياهو، يرى أن السلام الاقتصادي يمثل الطريق الأقصر لتحقيق سلام دائم بين
لبنان وإسرائيل، بخاصة في ظل الوضع الراهن. من خلال السلام الاقتصادي،
يسعى نتنياهو إلى بناء واقع اقتصادي مشترك، يتضمن إقامة مناطق صناعية
وتجارية بين الطرفين، مع التركيز على التعاون في مجالات مثل الطاقة،
التجارة، والبنية التحتية. هذا التعاون، وفقاً لرؤية إسرائيل، سيؤدي إلى
التهدئة وتخفيف حدة الصراع، مما يمهد الطريق في النهاية إلى اتفاق سياسي
غير مباشر، لكن هذا التوجه الإسرائيلي لا يلقى ترحيباً كبيراً في لبنان،
بخاصة أن السلام الاقتصادي، من وجهة نظر نتنياهو، قد يأتي على حساب القضايا
السياسية الجوهرية مثل الانسحاب الإسرائيلي من النقاط المحتلة، إعادة
الأسرى اللبنانيين، وترسيم الحدود وإعادة اعمار المناطق المهدمة، وما يراه
لبنان هو أن أي اتفاق اقتصادي مع إسرائيل يجب أن يكون متوازناً، وأن يترافق
مع خطوات حقيقية نحو حل القضايا السياسية المعلقة. المفاوضات، وفقاً لهذا
الموقف اللبناني، يجب أن تركز على تنفيذ تفاهم شامل يشمل الحقوق السيادية
للبنان، وليس مجرد فرض واقع اقتصادي يفرضه الاحتلال الإسرائيلي".
واجهة لابتلاع أجزاء كبيرة من الجنوب اللبناني
من وجهة نظر أخرى أشار الصحافي عباس فنيش
إلى أنه "لا يكمن الموضوع بأن الثنائي الشيعي، "حركة أمل" و"حزب الله"،
والجنوبيين بصورة عامة لا يريدون تحسين الاقتصاد، على العكس، فإذا عدنا إلى
ما بعد عام 2000، أن المطلب الأساس كان تحسين الوضع الاقتصادي للبنان
بصورة عامة، وللجنوب بصورة خاصة لأنه كان خارجاً من فترة احتلال إسرائيلي.
ومن ثم من بعد عام 2006، بدأ الناس ببناء منازلهم وفتح محال تجارية وإقامة
أعمال هناك، وكان ذلك بمثابة نهضة حقيقية، حيث انتعشت المنطقة اقتصادياً،
لدرجة أنهم بدأوا بإقامة معارض سياحية، لكن تكمن المشكلة اليوم، بما يطالب
به الإسرائيلي، والأميركي الداعم المطلق لإسرائيل، ذلك أنه صحيح أن هناك
عنواناً عريضاً تحت حوافز اقتصادية، لكنه واجهة لابتلاع أجزاء كبيرة من
الجنوب اللبناني، حتى أننا رأينا خرائط إسرائيلية تضم قرى من الجنوب ضمن ما
يعرف بخريطة إسرائيل الكبرى"، وتابع فنيش "هنا عندما نتكلم عن الموضوع
الاقتصادي، نحن نتكلم عن واجهة وغطاء سياسي، ومالي، واقتصادي، عبر عملية
إغراء للدولة اللبنانية، ليس من أجل الدفع باتجاه التطبيع، بل إن هذه
المحفزات هي خديعة، وهناك عديد من الدلائل والشواهد. وإذا كنا سنناقش بعض
من يقول إن هذا النوع من السلام سينعش الاقتصاد اللبناني، ويعطون أمثلة عن
دول الخليج، فإن هذه الدول هي منتعشة اقتصادياً قبل التطبيع أو اتفاقات
السلام مع إسرائيل، فليس التطبيع من أعطاها النفط والغاز والسيولة المالية
والشركات العالمية، الأساس هنا أن الموضوع هو سياسي محض، أي أن قابل
التطبيع هو قابل الاستسلام، وليس إلى اتفاقات اقتصادية، وهناك تجربة عند
ترسيم الحدود البحرية، وموضوع الغاز والنفط، فإنه لليوم وعلى رغم حصول
الترسيم وكل ما حصل من مشكلات عند الترسيم، والطريقة التي جرى فيها
الترسيم، فلبنان لم يستفد، صحيح أن جزءاً من ذلك بسبب تقاعس هذه السلطة،
ولكن الجزء الأساس بسبب ضغوط سياسية، وهناك حادثة مهمة أنه بعد اغتيال
السيد حسن نصرالله (الأمين العام السابق لحزب الله)، فإن أحد الوزراء
الإسرائيليين قال إن هذه فرصة لنمزق اتفاق الترسيم البحري مع لبنان، ونحن
لنا أحقية بهذا الغاز حتى مدينة صيدا، ما يعني أنه حتى عندما تكون هناك
حقوق قانونية للبنان معترف بها دولياً، فإسرائيل تنتهك هذه الحقوق وتجوفها،
وطوال الوقت العدو الإسرائيلي يتحدث عن أطماع داخل الأراضي اللبنانية، ومن
يحاول الترويج لفوائد اقتصادية وغيرها، هو الغرب وأميركا، أما إسرائيل فإن
ما يصدر عنها هو ضم أجزاء وبناء مستوطنات داخل الأراضي اللبنانية".
هل يمكن أن يكون هذا السلام مقدمة لسلام سياسي؟
قد يتحول لسلام سياسي، ولكن بشروط قاسية،
وإلا يتحول إلى بديل عن السلام السياسي، أو إلى أداة ضغط. والسيناريو
الإيجابي، هو أن الاقتصاد يفتح طريق السياسة، ولكن كي يصبح الاقتصاد،
"مقدمة"، يلزم حداً أدنى من قابلية سياسية داخلية في لبنان، وقراراً
سيادياً واضحاً يضبط علاقة الدولة بالسلاح وبقرار الحرب والسلم، لأن أي
"سلام مصالح" بلا احتكار الدولة القوة، يبقى هشاً وقابلاً للانفجار، حتى
ضمن مناخ وقف النار، وملف السلاح جنوب الليطاني حاضر كشرط ومؤشر في
المقاربة الدولية. أيضاً يحتاج إلى ضمانات أمنية متبادلة لا تختزل بإملاءات
طرف واحد، أي إن الأمن لا يتحول إلى سقف يبتلع كل شيء ويحول الاقتصاد إلى
رشوة مقابل التنازلات. وبطبيعة الحال، يجب أن يتمتع بإطار قانوني وسيادي،
ذلك أن الاقتصاد لا يبني سلاماً إذا بدأ بتجاوز الدولة، أو فرض وقائع تقنية
تتحول لاحقاً إلى أمر واقع سياسي، وإذا تحققت هذه الشروط، قد يستخدم
الاقتصاد كمخدر أخطار، يخفف منسوب التصعيد ويخلق مصالح تمنع العودة السهلة
للحرب.
ملف "حزب الله" يعقد المفاوضات
في هذا الوقت، قال الأكاديمي خالد العزي
"تركز رؤية لبنان على ضرورة التوصل إلى اتفاق سياسي شامل، يتضمن الانسحاب
الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة، وإعادة الأسرى، وإعادة إعمار
القرى المدمرة، وترسيم الحدود البحرية والبرية بصورة عادلة. وتؤكد الحكومة
اللبنانية أن أي اتفاق مع إسرائيل يجب أن يراعي السيادة الوطنية للبنان،
ويحترم إرادة الشعب اللبناني في الحفاظ على حقوقه. لبنان يرى أن عملية
السلام يجب أن تترافق مع التزام إسرائيلي برؤية أمنية وسياسية قائمة على
احترام الحدود الدولية، وحماية السكان من الأعمال العسكرية الإسرائيلية.
وعلى رغم أن لبنان قد دخل مفاوضات مع إسرائيل بخصوص بعض القضايا
الاقتصادية، مثل ترسيم الحدود البحرية في إطار لجنة التنسيق بين البلدين،
إلا أن هذه المفاوضات تظل محدودة ولا تمثل في نظر لبنان بداية لحل شامل
للأزمة. لبنان يريد أن يكون السلام جزءاً من عملية شاملة تتضمن تطبيع
العلاقات على مستوى أوسع، يضمن للأطراف جميعها حقها في السيادة والأمن"،
ولفت العزي إلى أن "ما يجعل الوضع أكثر تعقيداً هو وجود 'حزب الله' في
المعادلة اللبنانية. ويعتبر نتنياهو أن وجود الحزب وتأثيره المباشر على
السياسة اللبنانية يعزز موقفه برفض التوصل إلى أي اتفاقات مع الحكومة
اللبنانية ما لم يتم تحقيق هدنة أمنية مع ضمان استقرار الحدود. هذا الوضع
يعقد أي مفاوضات حول السلام الاقتصادي، ويمنح إسرائيل مزيداً من القوة
السياسية للضغط على لبنان، مستفيدة من وضع الحزب كقوة مسلحة خارج نطاق
سيطرة الدولة اللبنانية، وكذلك من ارتباطه الوثيق بسياسة إيران".
إدارة صراع مريحة
هذا هو قلب الجدل في لبنان، فإدخال ممثل
مدني إلى "الميكانيزم" روج له كوسيلة، لتفادي حرب جديدة، وتوسيع النقاش
خارج الإطار العسكري، فيما يصر جزء من الداخل على حصره بالأمن فقط. هذه
المفارقة تعكس الخوف من أن تتحول المبادرات الاقتصادية، إلى سلم تدريجي، من
أمن الحدود، إلى الترتيبات المدنية، إلى المشاريع المشتركة، وصولاً إلى
واقع سياسي جديد بلا نقاش سيادي صريح. في هذا السيناريو، لا ينتج "السلام
الاقتصادي" سلاماً سياسياً، بل إدارة صراع مريحة، أي لا حرب شاملة، ولا حل
نهائي، بل شبكة مصالح تخفف الكلفة وتؤجل الأسئلة الكبرى.
مشاريع خلبية لدفع لبنان باتجاه اتفاق إذعان
برأي الصحافي عباس فنيش "لا أحد ضد
الانتعاش الاقتصادي، وهناك عديد من الفرص لإنعاش الاقتصاد في هذا البلد،
لكن الموضوع سياسي حتى الآن، يغلف بغلاف الاقتصاد والمغريات، مثلما وعدوا
في غزة أنهم سيقيمون ريفييرا، ومشروع اجترار الغاز المصري عبر الأردن
باتجاه لبنان وهذا منذ أكثر من أربع سنوات، هذه مشاريع خلبية وهي فقط لدفع
لبنان باتجاه اتفاق إذعان تحت مسمى التطبيع والمنفعة الاقتصادية". وتابع
فنيش "بعد الحرب الأخيرة يفترض الأميركي والإسرائيلي أنه لا خيارات أمام
لبنان إلا القبول بما يعرض عليه، لكن لبنان ليس معدوم الخيارات، يستطيع
التوجه إلى أماكن أخرى وهناك عديد من الخطط التي وضعت في السنوات الماضية
ولو طبق جزء منها، ووقف الهدر والفساد في بعض القطاعات لكان هناك انتعاش
ونمو. أما بالنسبة إلى ما يحكى عن المسار الاقتصادي الإقليمي مع سوريا، فإن
سوريا لم تستقر أركانها بعد، كما أن بناء الدولة ما زال غامضاً وإن كانت
هناك خطوات بوشر فيها، وصحيح أن سعر العملة استقر، ولكن ما زال في حال
تأرجح. من هنا، الوضع الاقتصادي في سوريا غير واضح كيف سيتجه، فماذا يمكن
أن تقدم سوريا من أجل أن يتوجه لبنان إلى مسار كهذا وما الخطة؟ ولا ننسى أن
سوريا بفترة من الفترات كانت تتمتع باكتفاء ذاتي، لكن الوضع الاقتصادي
اليوم ما زال متذبذباً، وما زلنا نتكلم عن الوضع الأمني والسياسي الذي
يحتاج سنوات كي يستقر، وصحيح أن هناك خطوات اقتصادية، لكنها لم تنعكس عل
الداخل السوري حتى الآن، فلا يمكننا الحديث عن مسار اقتصادي إقليمي يكون
لبنان جزءاً منه، إلا إذا كان الموضوع إلحاقاً سياسياً للبنان بسوريا، وما
سيندرج على سوريا سيندرج عل لبنان في كل الملفات، بالتالي إن أحداً من
اللبنانيين لن يقبل بهذه الصيغة لأنهم خاضوا تجربة على مدى 40 عاماً ورأينا
انعكاساتها على الداخل اللبناني".
وتبعاً للمعطيات السابقة، قد تربط أي
"حزمة إنعاش" للبنان بمنطق "اثبتوا أنكم أزلتم التهديد أولاً، ثم نفتح
أبواب الاستثمار والمشاريع". وفي سوريا فإن إعادة الإعمار وفك العزلة
والعقوبات تتحول إلى "جزرة" مرتبطة بترتيبات جنوبية وتفاهمات أمنية، وتدخل
معها مشاريع، مناطق اقتصادية ومنزوعة السلاح، كحل وسط يجنب العناوين
السياسية الكبرى، والنتيجة، اقتصاد يشتغل تحت سقف أمني صارم، وقد يخلق
اعتماداً طويل الأمد بدل الاستقلال.
قال الأكاديمي خالد العزي "نتنياهو، من
خلال طرحه سلاماً اقتصادياً، يهدف إلى فرض أمر واقع جديد من خلال استغلال
الفجوات السياسية والأمنية في لبنان، إذ يعتبر أن ضعف السلطة المركزية
اللبنانية وتحدياتها مع 'حزب الله'، الذي يعلن انتماءه المباشر للسياسة
الإيرانية، يوفر لإسرائيل الفرصة للضغط على لبنان للقبول بالسلام الاقتصادي
كخطوة أولى، ما يعزز من نفوذ إسرائيل في المنطقة. هذه التكتيكات تهدف إلى
إجبار لبنان على تقديم تنازلات أمنية وسياسية، وهو ما تراه بعض الأطراف
اللبنانية تهديداً لمستقبل سيادة الدولة اللبنانية".
التعاون الاقتصادي محدود التأثير
وتظهر التجارب العربية التي وقعت اتفاقات
سلام رسمية مع إسرائيل أن الرهان على "السلام الاقتصادي" كرافعة تنموية لم
يكن سوى وعد مؤجل، أو في كثير من الأحيان وهم سياسي أُلبس ثوب الاقتصاد.
فكل من مصر والأردن دخلتا مسار السلام على قاعدة أن إنهاء الصراع سيفتح
أبواب الاستثمار، ويحول الجغرافيا من جبهة عسكرية إلى عقدة نمو، ويخرج
الدولتين من منطق الاستنزاف إلى منطق التنمية. وبعد عقود، تبدو الحصيلة
مختلفة جذرياً عن السردية التي رافقت توقيع الاتفاقات.
في الحالة المصرية، وعلى رغم مرور أكثر من
أربعة عقود على اتفاقية "كامب ديفيد"، لم يتحول السلام إلى محرك اقتصادي
حقيقي. وصحيح أن مصر استفادت من مساعدات أميركية ثابتة، ومن استقرار حدودي
مكن الدولة من إعادة توجيه جزء من إنفاقها العسكري، لكن هذا الاستقرار لم
يترجم إلى نهضة إنتاجية أو اندماج اقتصادي إقليمي واسع، إضافة إلى أن
التعاون الاقتصادي مع إسرائيل بقي محصوراً في قطاعات محدودة ومسيسة، أبرزها
اتفاقات الغاز والمناطق الصناعية المؤهلة، وهي ترتيبات تجارية أنشئت في
التسعينيات برعاية الولايات المتحدة، وطبقت أساساً في مصر والأردن بعد
اتفاقات السلام مع إسرائيل. وتقوم فكرتها على السماح للمنتجات المصنعة داخل
هذه المناطق بالدخول إلى السوق الأميركية من دون رسوم جمركية أو حصص، شرط
أن تحوي هذه المنتجات على مكون إسرائيلي بنسبة محددة، كانت تقارب 10-11 في
المئة في البداية، ثم عدلت، وصممت أساساً لخدمة سلاسل التوريد الإسرائيلية
والدخول إلى السوق الأميركية، أكثر مما خصصت لبناء قاعدة صناعية مصرية
مستقلة. ومع هذا ظل الاقتصاد المصري أسير اختلالاته البنيوية، أي التضخم،
والمديونية، والاقتصاد الريعي، والتفاوت الاجتماعي، مما يؤكد أن السلام لم
يكن كافياً، ولا حتى عاملاً حاسماً، لتغيير المسار التنموي.
أما في الأردن، فقد روج لاتفاقية "وادي
عربة" عام 1994 على أنها فرصة تاريخية لتحويل المملكة إلى مركز خدمات
إقليمي، مستفيدة من موقعها الجغرافي ومن الاستقرار السياسي، لكن التجربة
أظهرت أن التعاون الاقتصادي بقي محدود الأثر، وهشاً، ومرتبطاً بملفات حساسة
سياسياً، مثل المياه والطاقة. وعلى سبيل المثال فإن اتفاق الغاز مع
إسرائيل، لم ينتج نمواً اقتصادياً، بل فجَّر احتجاجات داخلية وعمق الانقسام
بين الدولة والمجتمع، لأنه كرس كحل تقني لأزمة الطاقة من دون شرعية شعبية،
فضلاً عن أن حجم التبادل التجاري بقي متواضعاً، والاستثمارات المشتركة لم
تتحول إلى مشاريع تنموية كبرى قادرة على خلق فرص عمل واسعة أو نقل
تكنولوجيا حقيقية.
العامل
المشترك بين التجربتين أن "السلام الاقتصادي" طُبِّق في غياب رؤية تنموية
سيادية، وفي ظل اختلال فادح في موازين القوة. إسرائيل دخلت هذه الاتفاقات
من موقع الاقتصاد الأقوى، والتكنولوجيا الأعلى، والقدرة على فرض شروطها،
فيما دخلت مصر والأردن بحثاً عن الاستقرار والمساعدات وتخفيف الضغوط.
والنتيجة كانت علاقات اقتصادية غير متكافئة، تدار أمنياً أكثر مما تدار
تنموياً، وتبقى قابلة للتجميد أو التفعيل وفق المناخ السياسي، لا وفق منطق
السوق أو التخطيط الطويل الأمد. من هنا، تبدو تجربة مصر والأردن تحذيراً
واضحاً لأي دولة يعرض عليها اليوم، "السلام الاقتصادي" كطريق مختصر للخروج
من الأزمات. ومن دون تسوية سياسية عادلة، ومن دون إعادة توازن في شروط
الشراكة، يتحول هذا السلام إلى إدارة هادئة للصراع، لا إلى تنمية، وإلى
استقرار حدودي يخدم الأقوى، لا إلى نهضة اقتصادية تخدم المجتمعات.
اندبندنت عربية
المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=131&id=204376