الاستبداد الاقتصادي الأميركي: ترامب يجبر الدول على التنازل عن ثرواتها
06/02/2026
سيرياستيبس
أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب معركة اقتصادية واسعة ضد دول العالم منذ ولايته الأولى، ساعياً إلى جمع الأموال من الحلفاء كما الخصوم لتحقيق شعار "لنجعل أميركا عظيمة من جديد" تحت مظلة "أميركا أولاً".
ما بدأ كـ"جزية" من خلال فرض الرسوم الجمركية والعقابية على الدول، اتسع في الولاية الثانية ليتحول، إضافة إلى العقوبات والرسوم الجمركية، إلى سيطرة مباشرة على ثروات الشعوب من خلال الاتفاقيات الثنائية المبرمة تحت ضغط الحروب، وخطف رئيس من هنا والتهديد باحتلال دولة أخرى من هناك للسيطرة على الموارد.
أما الأزمة الكبرى، فهي أنّ أحداً غير قادر على وقف محدلة الاستبداد الاقتصادي الأميركي، بخاصة بعد انهيار الدول الكبرى تحت ضربتي الأزمة المالية العالمية في عام 2008، وجائحة كورونا في 2020، وبقاء كدمات واسعة في بنية الاقتصادات حتى اليوم.
العقوبات والرسوم
تعتبر العقوبات الأداة الأكثر مباشرة في الاستبداد الاقتصادي الأميركي خلال السنوات الأخيرة، حيث تُخنَق الاقتصادات لإجبار الأنظمة على التغيير كما في فنزويلا وكوبا وإيران وغيرها الكثير من الدول، إلا أن ترامب لم يتوقف عن محاصرة اقتصادات خصوم الولايات المتحدة الأميركية اقتصادياً، لا بل بدأ حرباً تجارية ضخمة ضد دول العالم في عام 2018، معلناً فرض رسوم جمركية ضخمة على الصين ودول أخرى، وذلك في إطار مساعيه لخفض العجز التجاري الأميركي وإضعاف الحضور الصيني في الأسواق الدولية، بما يشبه الإتاوة التي تدفعها الدول في مقابل تحييدها عن الصراع الاقتصادي، السياسي وأحياناً العسكري مع الولايات المتحدة.
وفي مارس/ آذار من عام 2018، أعلن ترامب نيته فرض رسوم جمركية تبلغ 50 مليار دولار على السلع الصينية بهدف إجبارها على إجراء تغييرات على "الممارسات التجارية غير العادلة"، وفق تعبير ترامب.
وفرضت الصين رسوماً جمركية على أكثر من 128 منتجاً أميركياً، وتصاعدت الحرب التجارية خلال 2019 إلى مرحلة فرض رسوم على كامل السلع المتبادلة تقريباً، حتى توصل الجانبان في يناير 2020 إلى اتفاقية ضمنت للولايات المتحدة التزام الصين بشراء سلع وخدمات إضافية بقيمة 200 مليار دولار حتى 2021، فضلاً عن فتح الأسواق المالية أمام الشركات الأميركية، وكذا الإبقاء على رسوم بنسبة 25% على واردات صينية بقيمة 250 مليار دولار.
كذلك، فرض ترامب رسوماً جمركية في عام 2018 على اللوحات الضوئية الجهدية (الطاقة الشمسية) والغسالات وعلى واردات الصلب والألومنيوم من جميع الدول تقريباً، إذ اتسعت الرسوم الجمركية لتشمل دول الاتحاد الأوروبي، وكندا، والمكسيك، وفرض العديد من الدول رسوماً جمركية مضادة على السلع الأميركية. بدأت ولاية ترامب الثانية بموجة جديدة من الرسوم الجمركية، وفي 2 إبريل/ نيسان 2025 أطلق ترامب ما أسماه "يوم التحرير"، وهي تعرفات متبادلة شاملة هزت الأسواق وأدخلت عشرات الدول في دائرة الرسوم الأميركية دفعة واحدة. وفي الشهر نفسه، فرض تعرفة 25% على واردات السيارات.
ثم وقع ترامب أمراً يفرض تعرفات على عشرات الشركاء التجاريين بنطاقات متفاوتة، وذكرت رويترز أن من بين النسب المعلنة 35% على كثير من السلع الكندية، و50% على البرازيل، و25% على الهند، مع نسب أخرى شملت دولاً مثل تايوان وسويسرا. وبعد ذلك بأيام، اتخذت الهند موقعاً خاصاً في التصعيد، إذ فرض ترامب "تعرفة إضافية" بنسبة 25% على السلع الهندية، مبرراً ذلك بعلاقة الهند بالنفط الروسي.
في الخريف، أعلن ترامب فرض 10% على الأخشاب والمنتجات الخشبية، و25% على خزائن المطابخ وبعض منتجات الأثاث، ضمن موجة رسوم جديدة على الواردات، ثم رسوم تصل إلى 100% على الأدوية ذات العلامات التجارية وبراءات الاختراع. أما مع الصين، فتصاعدت حرب التعرفات، قبل اتفاق صيني أميركي تعهدت فيه الصين برفع القيود التي كانت قد فرضتها على تصدير المعادن النادرة والمغناطيسات إلى أميركا لمدة عام.
في المقابل، وافق ترامب على خفض "رسوم الفنتانيل" من 20% إلى 10%، وخفض إجمالي التعرفة الجمركية على بعض السلع الصينية، وهي رسوم وتعرفات لم تكن موجودة أساساً قبل ترامب.
اتفاقيات تحت ضغط الحروب والأزمات
فيما تواجه أوكرانيا حرباً روسية عنيفة، أجبر ترامب كييف في مايو/ أيار 2025، بعد إذلال رئيسها فولوديمير زيلينسكي خلال اجتماع في البيت الأبيض، على توقيع ما يسمى بـ"اتفاق المعادن". وبموجبه، تمنح واشنطن مساعدات لكييف مقابل 50% من إيرادات معادن الأخيرة ومواردها الطبيعية المستخرجة من دون تحديد سقف زمني لانتهاء مدة الاتفاقية، وهو ما اعتبره الخبراء سطواً على موارد كييف، واستعماراً اقتصادياً قد يستمر إلى الأبد.
وتمتلك أوكرانيا، وفق الأمم المتحدة، 21 عنصراً أرضياً نادراً من قائمة الاتحاد الأوروبي "للمواد الخام الحرجة"، وهو ما يمثل نحو 5% من احتياطيات العالم، على الرغم من أنها تشغل 0.4% منها فقط من سطح الأرض.
وفي ديسمبر/ كانون الأول الماضي، أعلن ترامب الحصار على النفط الفنزويلي، وأكد حينها أن "حصار فنزويلا سيزداد حجماً حتى تعيد كاراكاس للولايات المتحدة كل النفط والأراضي والأصول الأخرى التي سرقتها منا سابقاً".
لم تسرق فنزويلا النفط الأميركي، بل أممت القطاع في عهد هوغو تشافيز، إلا أن ترامب أراد السيطرة على أكبر احتياطي نفطي في العالم تملكه كاراكاس. وبحسب إحصاءات منظمة "أوبك" لعام 2025، تتملك ضم فنزويلا 303.2 مليارات برميل نفط بنسبة 19.4% من الاحتياطي العالمي. وفي مطلع يناير/ كانون الثاني الماضي، خطفت الولايات المتحدة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس من مقر إقامتهما في كاراكاس.
وقال ترامب صراحة إن الولايات المتحدة تعتزم السيطرة على مبيعات النفط الفنزويلي وإيراداته إلى أجل غير مسمى. وتعمل الحكومة الأميركية على إصدار ترخيص عام هذا الأسبوع يسمح للشركات بإنتاج النفط والغاز في فنزويلا، وذلك بعد السماح للشركات الأميركية ببيع النفط الفنزويلي وتخزينه وتكريره، في أول ترخيص عام صدر الشهر الماضي.
كذلك، أعلن ترامب رغبته في ضم غرينلاند لأول مرة خلال فترة رئاسته الأولى، وفي ولايته الثانية، شن حملة للاستحواذ على الجزيرة التابعة للدنمارك؛ معلناً فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على الدنمارك ودول أوروبية ترفض مساعيه. وهذه الجزيرة تمتلك واحداً من أكبر الاحتياطيات غير المستغلة في العالم من المعادن النادرة.
كذلك، يفتح الموقع الجغرافي لغرينلاند آفاقاً على الممرات الملاحية في القطب الشمالي التي بدأت تظهر نتيجة ذوبان الجليد، وهي ممرات ستختصر زمن التجارة العالمية بين آسيا وأميركا بنسبة 40%، ما يمنح واشنطن سيطرة "جمركية" وأمنية على طريق تجاري مستقبلي بمليارات الدولارات. كذلك يُحتجز ما يقارب 20% من المياه العذبة في العالم داخل الغطاء الجليدي الذي يغطي الجزيرة. ووفقاً لتقرير صادر عن هيئة المسح الجيولوجي الأميركية عام 2007، يُحتمل وجود احتياطيات كبيرة من النفط والغاز قبالة سواحل غرينلاند.
أوقف ترامب حملته بعد حصوله على إطار عمل لاتفاق مستقبلي، حصلت فيه الشركات الأميركية على حقوق تفضيلية للتنقيب عن المعادن النادرة الضرورية لصناعة الرقائق والأسلحة، إضافة إلى قواعد عسكرية، ووقف محاولة الصين السيطرة على منجم "تانبريز" الأكبر للمعادن النادرة في العالم. وصل تصعيد ترامب إلى إيران، التي تعتبر ثالث أكبر منتج للنفط في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك).
تخضع طهران ونفطها لعقوبات أميركية وغربية مشددة، زادت حدتها أخيراً مع تهديد ترامب بعملية عسكرية، يضعها ترامب في إطار السعي لإطاحة النظام، فيما يعتبر مراقبون أن هدفه الأساسي السيطرة على النفط والغاز.
وفي نهاية الشهر الماضي، أصدرت إدارة ترامب أمراً تنفيذياً بعنوان "معالجة التهديدات التي تشكلها حكومة كوبا للولايات المتحدة". ويزعم الأمر التنفيذي أن كوبا تشكل "تهديداً استثنائياً" للأمن القومي الأميركي، ويوجه الحكومة إلى فرض رسوم جمركية على أي دولة تزود كوبا بالنفط ما لم توافق كوبا على "التوافق بشكل كافٍ مع الولايات المتحدة في مسائل الأمن القومي والسياسة الخارجية".
وفي ديسمبر/كانون الأول 2024، طالب ترامب بسيطرة الولايات المتحدة على قناة بنما، قائلاً إنّ هذا الممر المائي "ضروري لبلادنا" وزعم أنّ "الصين هي التي تديره". وفي 7 يناير/كانون الثاني 2025، صرّح ترامب بأنه لا يستبعد استخدام القوة العسكرية للسيطرة على قناة بنما، ملوحاً بفرض رسوم على صادرات الدولة.
والأسبوع الماضي، قررت المحكمة العليا في بنما إلغاء عقود الشركة الصينية لإدارة الموانئ، ما يفتح الباب لسيطرة شركات أميركية على الموانئ، كما يخطط ترامب، فضلاً عن منح مزايا في الرسوم والانتظار للسفن التي تحمل العلم الأميركي، بخاصة ناقلات الغاز الطبيعي المسال المتجهة إلى آسيا. وتحدث ترامب عن ضم كندا والمكسيك، فضلاً عن قطاع غزة، لأسباب مختلفة، من بينها السيطرة الاقتصادية.
العربي الجديد
المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=131&id=204437