من الأزمة إلى النهوض.. الصناعة السورية على مفترق الطرق
11/02/2026
سيرياستيبس
هناء غانم
جاءت المحاضرة التي قدمها الباحث الاقتصادي محمد بكر في ندوة “الثلاثاء الاقتصادي” على المحك في وقت دقيق، حيث يعاني القطاع الصناعي السوري من تحديات ضخمة تعوق تقدمه، سواء كانت نتيجة للحرب أم السياسات الاقتصادية السابقة التي ألقت بظلالها على بنية الصناعة في البلاد.
الصناعة السورية بين الماضي والحاضر
تبدأ المحاضرة التي أقيمت مساء اليوم في/ المركز الثقافي بأبو رمانة/ بتحليل شامل للمشاكل التي واجهت الصناعة السورية قبل الحرب، وهي مشاكل تراكمت نتيجة لعدة عوامل اقتصادية وسياسية، بدأها النظام السابق بتدمير البنية التحتية بشكل منهجي، فالصناعة السورية، التي كانت في وقت ما ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، عانت من تدهور شديد في السنوات الأخيرة، خاصة في مجال المواصلات والكهرباء، فضلاً عن نقص كبير في المواد الخام بسبب الحصار والعقوبات الاقتصادية.
يعتبر الباحث محمد بكر أن الصناعة السورية كانت تمتلك تاريخا مشرقا، إذ كانت سوريا تشتهر بصناعاتها النسيجية، الغذائية، والتحويلية، ولكن هذا التاريخ الصناعي القوي لم يكن محصنا من الأزمات التي عصفت بالبلاد، والتي كان من أبرز أسبابها التوجهات الاقتصادية السلبية والتدمير الممنهج للقطاعات الإنتاجية في ظل نظام سياسي قمعي. ووفقا للباحث، فإن إعادة بناء هذه الصناعة يحتاج إلى أكثر من مجرد إعادة ترميم للمصانع بل يتطلب الأمر إصلاحا شاملا على مستوى السياسات الاقتصادية، مع اعتماد رؤية استراتيجية طويلة المدى تركز على استثمار المقومات المحلية وتطوير بيئة صناعية جاذبة للمستثمرين.
التحديات
في جزء كبير من المحاضرة، تناول الباحث التحديات التي ما زالت تعوق القطاع الصناعي في سوريا، واصفا إياها بأنها تتنوع بين مشاكل هيكلية وأخرى ناتجة عن الأوضاع الاقتصادية الراهنة كنقص حوامل الطاقة اذ يعاني القطاع الصناعي بشكل كبير من نقص الطاقة، سواء كانت كهرباء أم غازا صناعيا، ما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج. واعتبر الباحث أن هذا النقص في الطاقة هو أحد أبرز العوامل التي دفعت العديد من المصانع إلى الإغلاق.
وتحدث الباحث عن ضعف البنية التحتية الصناعية، ولا سيما شبكة الكهرباء والطرق. كما أن سياسات التسعير غير المدروسة وارتفاع تكاليف الإنتاج تشكل عائقا كبيرا أمام الصناعيين المحليين.
القدرة الشرائية الضعيفة
من المشكلات البارزة التي أشار إليها بكر، هي انخفاض قدرة المستهلك السوري على شراء المنتجات بسبب انخفاض الأجور ورفع الدعم عن العديد من السلع الأساسية، ما أثر سلباً على الطلب المحلي.
وركز الباحث على أن الصناعة السورية ما زالت تواجه صعوبة في اختراق الأسواق الخارجية، ليس فقط بسبب تراجع جودة بعض المنتجات، بل بسبب المنافسة غير العادلة مع المنتجات الأجنبية التي يتم تسريبها إلى السوق المحلية من دون رقابة حقيقية على جودتها. كما أشار إلى العقوبات الاقتصادية التي فرضت على سوريا، والتي حدت من قدرة المصانع السورية على تصدير منتجاتها.
الحلول والاقتراحات
رغم الحالة التي يواجهها القطاع الصناعي السوري، قدم الباحث عدة حلول واقعية تهدف إلى إحياء هذا القطاع، وتتمثل في وضع رؤية اقتصادية استراتيجية، حيث أكد بكر ضرورة وضع رؤية واضحة للاقتصاد السوري، لا سيما للقطاع الصناعي، تمتد حتى عام 2030 أو 2035 وهذه الرؤية يجب أن تكون قابلة للتنفيذ وتتضمن استراتيجيات محددة، بما في ذلك تحديد هوية الاقتصاد السوري، سواء كان اقتصادا حرا بالكامل أم اقتصاداً تشاركياً.
واقترح الباحث تحسين الخدمات اللوجستية، مثل تحديث الموانئ والمطارات، وكذلك توفير حوامل الطاقة بأسعار تنافسية مقارنة بالدول المجاورة.
ودعا إلى ضرورة تقديم دعم حكومي أكبر لتشجيع الصادرات السورية من خلال منح تسهيلات ضريبية ومالية، بالإضافة إلى تحسين جودة المنتجات السورية لضمان التنافس في الأسواق العالمية.
من الحلول التي طرحها الباحث ضرورة تطوير التعليم الفني والمناهج الدراسية، مع التركيز على تدريب الكوادر البشرية المؤهلة لدعم الصناعة.
كما شدد على أهمية جذب الكفاءات المهاجرة من الخارج واستعادة الطاقات البشرية المبدعة التي فقدتها البلاد بسبب الحرب.
واختتم الباحث بكر محاضرته بالتأكيد أن الصناعة السورية تمر بمرحلة مفصلية، وأن الفرص والتهديدات التي تواجه هذا القطاع تتطلب تبني سياسات اقتصادية مرنة ومدروسة. ولكن، تبقى العقبة الكبرى هي ضرورة التغلب على التحديات الاقتصادية والهيكلية، بالإضافة إلى إصلاح البيئة السياسية والاقتصادية التي لا تزال تعوق تقدم الصناعة. ومع ذلك، يبقى الأمل قائماً في أن تكون هذه المحاضرة بداية لنقاش أوسع حول حلول عملية ومستقبل واعد للصناعة السورية.
المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=131&id=204500