زيادة الرواتب في سوريا.. آمال شعبية ووعود رسمية ملتبسة
23/02/2026
سيرياستيبس
عاد ملف رواتب الموظفين في سوريا إلى واجهة النقاش الاقتصاد، بعد تأكيدات حكومية سابقة وتصريحات رسمية وعدت بزيادات تصل إلى 400% ، أعقبتها الزيادة السابقة بنسبة 200%، بالتالي مازالت البقية راسخة في أذهان الموظفين كاستحقاق مازال في ذمة الحكومة. ولم تتشتت هذه الآمال بالتصريحات الرسمية اللاحقة بأن الزيادات مرتبطة بالموارد.. وأن ثمة زيادات تجري على مستوى قطاعي وليس عام.
ويجري الجدل في وقت يواجه فيه العاملون في القطاع العام تحديات معيشية متزايدة، على إيقاع التناقض المستمر بين وعود تحسين الدخل، وقدرة الاقتصاد الوطني على استيعاب أعباء إضافية، لتبرز الحاجة إلى تحليل متوازن وشامل للواقع الاقتصادي والمعيشي في سوريا.
الرواتب والتحدي الاقتصادي
في الإسقاطات الواقعيّة لأثر الزيادات على الأجور..يشير الخبير الاقتصادي عمار يوسف لـ" العين السورية" إلى أن الحديث عن زيادات كبيرة في الرواتب، تراوحت بين 200% و400% في الفترة الأخيرة، لم يُترجم إلى تحسن ملموس في القدرة الشرائية للمواطن السوري. فالرواتب التي قد تبدو مرتفعة على الورق، سرعان ما تتآكل أمام تضخم أسعار السلع والخدمات الأساسية.
ويرى يوسف أن أسرة مكونة من خمسة أفراد تحتاج إلى حوالي 1000 دولار شهريًا لتغطية احتياجاتها الأساسية من الطعام والماء والكهرباء والخدمات الأخرى. أي زيادة في الراتب، حتى لو كانت كبيرة نسبيًا، تكاد تكفي ليوم أو يومين فقط، ما يوضح حجم الفجوة بين الدخل والتكاليف المعيشية...
بين الأمل والتردد
عندما أعلن وزير المالية في الحكومة السورية عن الزيادة التي تصل إلى 400% في الرواتب، جاء ذلك بمثابة جرعة أمل للمواطنين الذين يعانون من ضغوط اقتصادية هائلة. ومع ذلك، لم تلبث هذه الوعود أن أخذت طابعًا مشروطًا بعد أن تم الحديث عن أن زيادة الرواتب تعتمد بشكل أساسي على توفر الموارد المالية.
وفي تأويله للوقائع يوضح وزير الاقتصاد السوري في الحكومة السورية المؤقتة عبد الحكيم حسين المصري .. في تصريح لـ " العين السورية" أن التصريح الأول لوزير المالية كان غير واضح بما فيه الكفاية بشأن شرط الموارد، مما أدى إلى خيبة أمل لدى الموظفين. فوفقًا لما ذكره الوزير، كان هناك وعود بزيادة الرواتب بنسبة 400% في البداية، لكن هذا التصريح كان غامضًا وغير مدعوم بتفاصيل دقيقة. في وقت لاحق، تم إيضاح أن هذه الزيادة ستكون على دفعات، بداية من زيادة 200% فقط.
ويضيف الوزير السابق: "مع ضعف الموارد الداخلية، كان من الصعب تنفيذ الزيادة بالشكل الذي تم الإعلان عنه، فالقانون الدولي مثل قانون قيصر ما زال يؤثر على القدرة على توفير المال اللازم.. والزيادة على دفعات جاءت بسبب قلة الموارد، وهو ما كان يجب توضيحه في التصريح الأول حتى لا يؤدي إلى تآكل الثقة في الحكومة".
واقع معيشي صعب
الأسعار في الأسواق السورية ما زالت مرتفعة، خاصة في قطاعات الطعام، النقل، الإيجارات، والدواء. على سبيل المثال، شهدت تكاليف النقل ارتفاعًا ملحوظًا بعد زيادة أسعار الوقود، بينما صارت الإيجارات في المدن الكبرى عبئًا إضافيًا على الأسر. في قطاع الصحة، استمرت أسعار الأدوية والخدمات الطبية في الارتفاع، ما يزيد من الضغوط المالية على المواطنين.
وعلى الرغم من الزيادة في الرواتب، فإن التضخم والارتفاع المستمر للأسعار يجعل تأثير هذه الزيادة محدودًا للغاية. وفقًا للأرقام الاقتصادية، يحتاج الموظف السوري لتغطية احتياجاته اليومية إلى أكثر من ثلاثة أضعاف الراتب الشهري، مما يعكس الفجوة الكبيرة بين الدخل والتكاليف.
فجوة بين الإنتاج والقدرة الشرائية
تشير التحليلات الاقتصادية إلى أن الفجوة بين الزيادة الاسمية في الرواتب وتكاليف المعيشة الفعلية تجعل المواطنين يعيشون تحت ضغط دائم، في حين تواجه الأسواق صعوبة في التوازن بين العرض والطلب. هذه الفجوة تعكس تحديًا مزدوجًا: حماية القدرة الشرائية للمواطن وضمان استدامة الإنتاج المحلي في الزراعة والصناعة والخدمات.
ويؤكد الخبير يوسف أن المشكلة الأساسية تكمن في النقص الكبير في الإنتاج المحلي، وعدم قدرة الاقتصاد السوري على استيعاب أي زيادات مستقبلية في الرواتب. ومن هنا، يرى أن تحسين الوضع المعيشي لا يمكن أن يقتصر على رفع الأجور فحسب، بل يجب أن يترافق مع زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
مقاربة اقتصادية متوازنة
يشير الخبراء إلى أن معالجة ملف الرواتب بشكل مستدام تتطلب نهجًا متكاملاً يشمل:
دعم الإنتاج المحلي وزيادة الإنتاجية لضمان قدرة الاقتصاد على استيعاب أي زيادات مستقبلية في الرواتب.
تحسين القدرة الشرائية للمواطن عبر سياسات اقتصادية تراعي التضخم وتكاليف المعيشة.
خفض تكاليف الإنتاج والخدمات الأساسية، خصوصًا في النقل والطاقة والصحة.
إدارة الموارد المالية بكفاءة لضمان استدامة الدعم وتحقيق التوازن بين القطاع العام والخاص.
ونعود إلى وزير الاقتصاد السابق الذي يلفت على أهمية تحديد الحد الأدنى للأجور بشكل يتناسب مع التكاليف المعيشية للموظف، مشيرًا إلى ضرورة توجيه سياسات الحكومة لدعم القطاع الخاص وخلق بيئة عمل تشجع على زيادة الإنتاجية، وبالتالي تساهم في رفع الأجور بشكل مستدام.
قراءة مستقبلية
حتى مع أي زيادات محتملة في الرواتب، يظل السؤال الرئيسي حول قدرة الاقتصاد السوري على استيعاب هذه الزيادات دون زيادة التضخم أو فقدان القوة الشرائية. التحسينات الجزئية لن تكون كافية إذا لم تترافق مع سياسات إصلاحية شاملة تعزز الإنتاج المحلي، وتدعم المستهلك، وتحقق استقرارًا طويل الأمد.
فالخبير يوسف يؤكد أن تحسين الوضع المعيشي في سوريا يتطلب توازنًا دقيقًا بين زيادة الرواتب وحماية القدرة الشرائية للمواطن، مع سياسات شاملة لدعم الإنتاج وخفض التكاليف. أي مقاربة جزئية قد تعطي شعورًا مؤقتًا بالتحسن، لكنها لن تعالج جذور المشكلة. التوازن بين الرواتب والأسعار والإنتاج هو السبيل لضمان استقرار اقتصادي ومعيشي طويل الأمد في سوريا.
ومن المهم الاشارة الى إن تصريحات الحكومة حول زيادة الرواتب أطلقت موجة من الأمل في قلوب الموظفين السوريين، ولكن سرعان ما تحولت هذه الآمال إلى شكوك في ظل غياب الشفافية وتناقض التصريحات.
ورغم الزيادات الأولية، لا يزال الواقع المعيشي يفرض تحديات كبيرة على المواطنين، علماً ان الزيادة في الرواتب لن تكون كافية لتحسين الوضع الاقتصادي، إلا إذا تم دعمها بسياسات اقتصادية شاملة تراعي التضخم وتحسن القدرة الإنتاجية للمواطن والاقتصاد السوري ككل...
العين السورية
المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=126&id=204626