جنون النفط يضرب ميزانيات عربية وأسواق الوقود
10/03/2026
سيرياستيبس
دخل الاقتصاد المصري مرحلة "الصدمة الاقتصادية" المتصاعدة مع استمرار الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران وتعطل إمدادات الطاقة من دول الخليج، بالتزامن مع هبوط حاد في حركة مرور السفن عبر قناة السويس. ويأتي ذلك في وقت تراجعت فيه قيمة الجنيه إلى مستويات قياسية جديدة، مع تزايد المخاوف من موجة تضخم وارتفاع في أسعار الوقود والسلع الأساسية.
سجل الدولار في البنك المركزي 52.14 جنيهاً للشراء و52.21 جنيهاً للبيع، بينما تجاوز السعر في بعض البنوك الخاصة 52.90 جنيهاً للبيع فور بداية التداولات أمس الاثنين، في إشارة إلى تصاعد الضغوط على سوق الصرف بالتزامن مع خروج استثمارات أجنبية من أدوات الدين المحلية بلغت 3.9 مليارات دولار مع بداية الأسبوع الجاري.
وقالت مصادر مصرفية إن المستثمرين الأجانب بدأوا بالفعل في تقليص حيازاتهم من أذون وسندات الخزانة المصرية، بحثاً عن ملاذات آمنة خارج المنطقة، في ظل حالة عدم اليقين التي خلفتها الحرب.
وبحسب تقديرات مصرفيين، يتحمل المستثمرون خسائر تقارب 7% نتيجة فروق أسعار الصرف بعد تراجع الجنيه عن مستوياته في فترة الشراء قبل الحرب، المسجلة عند 47 جنيهاً مقابل الدولار، مع توقعات اقتصادية بوصول الدولار إلى ما بين 53 و54 جنيهاً بنهاية مارس/ آذار الجاري، إذا ما استمرت التوترات الجيوسياسية.
فاتورة الطاقة في مصر
جاءت هذه الضغوط بالتزامن مع قفزة حادة في أسعار الطاقة العالمية، حيث ارتفع سعر النفط إلى نحو 120 دولاراً للبرميل قبل أن يهدأ أمس إلى مستويات حول 100 دولار، وهو مستوى يهدد بزيادة فاتورة استيراد الطاقة لدولة تستورد نحو ثلث احتياجاتها اليومية من النفط والغاز وفقاً لتقديرات رسمية.
وعكست الضغوط حالة القلق التي بدت على تصريحات المسؤولين المصريين مع استمرار الصراع من دون أفق واضح للحل، بينما يخشى اقتصاديون أن تتحول هذه الضغوط إلى صدمة اقتصادية أوسع تنعكس آثارها على أسعار السلع، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى الحفاظ على استقرار السوق وتجنب انتقال الأزمة العالمية إلى الداخل المصري.
دفعت الأزمة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى تكرار تحذيره من التداعيات الاقتصادية للحرب، مؤكداً في لقائه مساء أول من أمس بقيادات الشرطة أن المنطقة تمر بظروف شديدة التعقيد، وأن استمرار الصراع قد يؤدي إلى أزمة اقتصادية واسعة نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب الأسواق العالمية.
وشدد السيسي على ضرورة الحفاظ على استقرار السوق المحلية ومنع استغلال الأزمة لرفع الأسعار، مشيراً إلى أن الحكومة تراقب الأسواق عن كثب وقد تتخذ إجراءات بإحالة أي ممارسات احتكارية إلى القضاء العسكري.
ووفق مصادر برلمانية تحدثت لـ"العربي الجديد"، أدت تطورات الحرب إلى تأجيل الحكومة إقرار الشكل النهائي لموازنة عام 2026–2027 المقرر مناقشتها مع المجتمع المدني الأسبوع المقبل حتى نهاية مارس، لحين انكشاف مسار الحرب.
وبرر مسؤولون في وزارة المالية هذا التأجيل بأن الاقتصاد المصري يواجه اختباراً صعباً مع استمرار الحرب في الخليج، حيث تتقاطع عدة عوامل ضاغطة في وقت واحد، منها ارتفاع أسعار الطاقة، وخروج الاستثمارات الأجنبية، وتراجع العملة المحلية، وزيادة تكاليف الواردات والشحن.
وأظهرت مؤشرات البورصة المصرية حالة الارتباك التي تسود المستثمرين منذ اندلاع الأزمة، إذ تراجع مؤشر إيجي إكس الرئيسي بنحو 0.76% ليصل إلى 46716 نقطة في مستهل جلسة التداول أمس الاثنين.
ويرى خبراء في مركز "حلول للدراسات البديلة" بالجامعة الأميركية أن استمرار الحرب وإغلاق مضيق هرمز يخلقان تهديداً مباشراً للاقتصاد المصري، خاصة مع تغيير السفن مساراتها بعيداً عن قناة السويس.
وبحسب تقرير للمركز صدر أول من أمس، وحصل عليه "العربي الجديد"، حققت القناة نحو 3.9 مليارات دولار من الإيرادات في 2024، ما يجعلها أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للبلاد. ومن ثم فإن أي اضطراب في حركة الملاحة قد يؤدي إلى تراجع كبير في الإيرادات، التي بلغت 10.5 مليارات دولار قبل اندلاع العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2023.
وأشار التقرير إلى أن مصر أصبحت منذ عام 2024 مستورداً صافياً للغاز الطبيعي المسال بنسبة 33% من احتياجاتها، وهو ما يزيد حساسيتها لأي اضطراب في إمدادات الطاقة العالمية.
وفي تقييم مماثل، حذر تقرير صادر عن غولدمان ساكس الأحد من أن ما وصفه بـ"الصدمة النفطية" الناتجة عن الحرب قد يخلق مسارات اقتصادية متباينة في الشرق الأوسط، مشيراً إلى أنه بينما قد تستفيد الدول المصدرة للنفط من ارتفاع الأسعار، تتحمل الدول المستوردة للطاقة، وفي مقدمتها مصر، ضغوطاً مالية إضافية نتيجة زيادة تكلفة واردات النفط والمنتجات البترولية.
وأوضح التقرير أن ارتفاع أسعار النفط يزيد مباشرة من فاتورة الاستيراد ويضغط على الموازنة العامة واحتياطيات النقد الأجنبي، كما يرفع تكاليف النقل والطاقة داخل الاقتصاد، وهو ما قد يؤدي إلى موجة تضخم جديدة.
الأردن يراقب أسواق النفط
يراقب الأردن باهتمام تطورات الحرب الدائرة حالياً، وتداعياتها على أسعار النفط الخام وانعكاسها على فاتورة استيراده بالأسعار العالمية.
وقال الخبير هاشم عقال إنه في ظل استمرار الحرب، التي تشمل التصعيد الأميركي–الإسرائيلي مع إيران، إلى جانب تأثيرات سابقة من حربي غزة وأوكرانيا، شهدت أسواق الطاقة تطورات دراماتيكية خلال الأيام الأولى من مارس/ آذار 2026.
وأضاف أن الأردن سيتأثر كثيراً بارتفاع أسعار النفط الخام، كونه يستورد كامل احتياجاته لعدم وجود إنتاج محلي، وتحديداً من السعودية بالأسعار العالمية، ما يؤدي إلى ارتفاع فاتورة الطاقة وزيادة الأعباء على الخزينة والاقتصاد الأردني بشكل عام.
وقال إنه مع الارتفاعات القوية الحالية من المتوقع تسجيل زيادة ملحوظة في أسعار المحروقات عند مراجعة أسعار المشتقات النفطية للشهر المقبل لعام 2026، وربما إجراء تعديل استثنائي إذا استمر التصعيد كما حدث في دول أخرى، وبالتالي ارتفاع أسعار المشتقات النفطية في السوق الأردنية.
وقدّر وزير الطاقة الأردني صالح الخرابشة أن تتحمل شركة الكهرباء الوطنية الحكومية مبالغ إضافية بنحو 1.8 مليون دينار أردني (2.54 مليون دولار) يومياً بسبب تحولها لاستخدام الوقود الثقيل لإنتاج الكهرباء بعد توقف تزويد الأردن بالغاز بموجب اتفاقية موقعة سابقاً مع إسرائيل منذ اليوم الأول للحرب.
وقال الخرابشة في تصريحات صحافية إن البدائل الفنية واللوجستية متاحة وجاهزة بما يضمن استمرارية تزويد الأردن بالغاز الطبيعي وكذلك المشتقات النفطية في مختلف الظروف، مؤكداً عدم تسجيل أي نقص في السوق المحلية، لا سيما في مادة الغاز المنزلي المستخدم لأغراض الطهي.
وقال الخبير الاقتصادي والباحث في مجال النفط والطاقة عامر الشوبكي إن ارتفاع أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ نحو عامين ونصف، في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة والتصعيد العسكري في المنطقة، يفرض على الحكومة الأردنية اتخاذ إجراءات وقائية سريعة لحماية الاقتصاد المحلي وتقليل أثر الارتفاعات العالمية على السوق المحلية.
وأوضح أن من أبرز الخطوات التي يمكن أن تسهم في تعزيز أمن الطاقة في الأردن زيادة إرساليات النفط العراقي إلى الأردن، لما لذلك من دور مهم في تأمين جزء من احتياجات السوق المحلي من الخام، إضافة إلى تنشيط قطاع نقل النفط عبر الصهاريج بين العراق والأردن.
ويستورد الأردن من العراق يومياً نحو 10 آلاف برميل من النفط، تشكل نحو 10% من احتياجاته، وكانت هناك مباحثات بين البلدين لتجديد الاتفاق لفترة قادمة.
تونس قد تراجع أسعار المحروقات
تواجه تونس ضغوطاً اقتصادية متزايدة مع الارتفاع الحاد في أسعار النفط العالمية نتيجة تصاعد التوترات والحرب المرتبطة بإيران في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يهدد بإعادة فتح ملف أسعار المحروقات في البلاد بعد أكثر من ثلاث سنوات من تثبيتها تقريباً.
فبينما يعتمد الاقتصاد التونسي بشكل كبير على واردات الطاقة، قد تضع قفزات أسعار النفط الجنونية الحكومة أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على توازنات الميزانية وتجنب موجة جديدة من الغلاء تضرب القدرة الشرائية للمواطنين.
وتُعد تونس من الدول الحساسة لتقلبات أسعار الطاقة، إذ تستورد جزءاً كبيراً من حاجياتها من النفط والغاز، في ظل تراجع الإنتاج المحلي خلال السنوات الأخيرة وانحسار الإنتاج المحلي للطاقة عند نحو 35%.
وحسب تقديرات خبراء اقتصاد، فإن كل ارتفاع بدولار واحد في سعر النفط يكلّف ميزانية الدولة نحو 160 مليون دينار نتيجة ارتفاع كلفة دعم الطاقة.
ووفق وثيقة قانون المالية لسنة 2026، اعتمدت تونس فرضية سعر متوسط برميل النفط من نوع برنت عند نحو 63.3 دولاراً في إعداد الميزانية، وهو ما شكّل مرجعاً أساسياً لتقدير نفقات الدعم وواردات الطاقة.
وكانت تونس تستهدف هذا العام ترشيد دعم المحروقات والكهرباء إلى نحو 4.9 مليارات دينار، بعد أن كان في حدود 5.7 مليارات دينار عام 2025.
ومنذ عام 2022 تقريباً لم تشهد أسعار المحروقات في تونس زيادات كبيرة رغم التقلبات العالمية، وهو ما اعتُبر سياسة غير معلنة لتخفيف الضغط الاجتماعي في ظل تراجع القدرة الشرائية.
غير أن الخبير الطاقي حامد الماطري يرى أن استمرار ارتفاع أسعار النفط قد يجعل تثبيت أسعار المحروقات صعب الاستمرار، خصوصاً مع اتساع عجز الطاقة في البلاد حيث يفوق الاستهلاك الإنتاج المحلي بشكل واضح.
وقال الماطري في تصريح لـ"العربي الجديد" إن تونس ليست معزولة عما يحدث في العالم، وإنها ستشهد الارتفاع نفسه الذي تشهده بقية الدول، مؤكداً أن أغلب الحاجيات التونسية من البنزين والسولار والغاز المسال تصل إلى البلاد في شكل سلع جاهزة ومكررة، وهي سلع ستتضاعف أسعارها مع قفزة أسعار الخام. وأشار إلى أن زيادة الكلفة ستشمل أيضاً الغاز الجزائري الحيوي لإنتاج الكهرباء.
واعتبر الماطري أن تونس تواجه تحدياً مالياً كبيراً، لافتاً إلى أن ارتفاع أسعار المحروقات في بلد لا تتجاوز فيه الاستقلالية الطاقية 35% ستكون له تبعات كبيرة ومركبة على الموازنة العامة ونسب التضخم والاقتصاد المنهك أصلاً.
العربي الجديد
المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=136&id=204818