استمرار الحرب على إيران: الجغرافيا الاقتصادية تفرض نفسها على معادلات الطاقة والتجارة الدولية؟
20/03/2026
سيرياستيبس
المستشار الاقتصادي د. زياد ايوب عربش
_قبل أسبوعين، توقعتم تجاوز سعر النفط حاجز ١٠٠ دولار، واليوم مع مجريات الحرب هل سيستمر الارتفاع ويتجاوز خام برنت عتبة ١٤٠ دولاراً للبرميل؟
بالفعل ومن غير المستبعد ذلك إذا استمر أمد الحرب على هذا المنوال، فلا ننسى أن هذه الحرب مختلفة، فهي لا تضرب منشآت النفط فحسب، بل تعيد تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للعالم، وتجعل من خامات الشرق الأوسط الأغلى عالمياً في سابقة لم نشهدها منذ الصدمة الاولى عام ١٩٧٣ ومع إعادة توزيع أهمية البحار الخمس (قزوين، الأسود، بحر العرب، الأحمر والمتوسط) وممرات العبور خاصة المرافى البديلة عبر البر ثم المتوسط أو البحر الاحمر ثم المتوسط. والسؤال اليوم وعلى الاقل لعشرة ايام، لم يعد "هل سيبقى سعر البرميل فوق ١٠٠ دولار؟"، بل "هل سنحطم الرقم القياسي التاريخي لسعر النفط؟" (أعلى سعر وصله كان عشية إنفجار أزمة الرهن العقاري في تموز يوليو ٢٠٠٨) فاستمرار إغلاق مضيق هرمز لأسبوعين اخرين قد يدفع برنت إلى مافوق دولاراً، بينما خام عمان سيرتفع اكثر. بينما الغاز الطبيعي الأوروبي قد يبلغ ٨٠٠ الف دولار لكل مليون م٣ (اليوم ٥٠ يورو للميغاواط/ساعة). وقد يكون من المبكر القول ان عصر الطاقة الرخيصة ولى، بالمقابل سنشهد تسارعا" في مسار التحول الطاقوي.
_ ماذا يعني وصول سعر برنت إلى ١٥٠ دولاراً بالنسبة للدول الفقيرة التي كانت بالكاد تؤمن فاتورة استيراد الطاقة، وكيف سيتأثر المستهلك النهائي في أوروبا والصين بارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل؟
هذا الارتفاع ليس مجرد رقم في نشرات الأخبار، بل هو حكم بالعتمة والجوع على مئات الملايين من البشر في الدول المستوردة. النفط يدخل في تصنيع أكثر من ٥٠٠ ألف منتج، من البلاستيك والأدوية إلى الأسمدة ومستحضرات التجميل والدهانات ومواد البناء، ناهيك عن سلسلة ارتفاعات لجميع اسعار السلع،ط، وارتفاعه يعني انهيار القدرة الشرائية للفقراء في كل مكان. فقد أدت الحرب بالفعل إلى ارتفاع أسعار المواد الخام البتروكيماوية مثل النافثا بأكثر من النصف والميثانول بنحو الربع خلال أسبوعين فقط. كما أن أسعار وقود التدفئة والبنزين ارتفعا بحدود ٣٥- ٤٠% مما يهدد قطاع الصناعات الثقيلة التي كانت تعتمد على الغاز الرخيص وأصبحت الآن مهددة بالإغلاق، والطبقة الوسطى الأوروبية ستتحول إلى طبقة فقيرة مع ارتفاع فواتير التدفئة والكهرباء. والصين، بصفتها أكبر مستورد للنفط في العالم، ستجد نفسها مضطرة لإنفاق المزيد من عملتها الصعبة لدعم نموها، مما يضعف ميزتها النسبية كـ"مصنع العالم". وقد تراجعت صادرات نفط الشرق الأوسط إلى آسيا بالفعل بنحو 32% مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، مما يعني أن المصانع الصينية ستعمل بطاقة أقل أو ستغلق أبوابها رغم الحديث عن وجود احتياطيات استراتيحية لكن الى متى؟ . فمعظم الدول التي كانت تنفق عشر ميزانيتها على الطاقة، ستجد نفسها مضطرة لإنفاق ٢٥-٣٠%، مما يعني الاقتطاع من ميزانيات الصحة والتعليم والغذاء.
_ كيف سينعكس ارتفاع أسعار النفط على تسريع التحول الطاقوي واستخدام الفحم، وماذا يعني ذلك لمستقبل تجارة الطاقة؟
مع وصول أسعار النفط إلى مستويات قياسية، ستتجه العديد من الدول إلى تسريع برامج التحول الطاقوي، لكن المفارقة المأساوية أن الفحم سيعود كبديل مؤقت. فقد ظلت أسعار الفحم أعلى من ١٣٠ دولاراً للطن، بالقرب من أعلى مستوى لها منذ أواخر ٢٠٢٤، مع توجه العديد من الدول مجدداً نحو استخدام الفحم لتوليد الكهرباء، مما يزيد الضغط على الأسعار العالمية. إنها مفارقة العصر: حرب من أجل الطاقة تدفع العالم نحو أكثر مصادر الطاقة تلويثاً. مع ذلك سنشهد بروزا جديدا للطاقات المتجددة مع مزيد من تقانات الانتاج النزيف واستغلال كل مكامن الهدر وترشيد الاستهلاك لاعلى مستوى.
ان استمرار ارتفاع أسعار الخام سيغيرر الكثير من النفاهيم لا بل قواعد اللعبة: المسافة أصبحت هي الملك، والدول القريبة من الأسواق الاستهلاكية الكبرى (آسيا) ستربح، بينما البعيدة ستخسر حتى لو كان نفطها أرخص. فالهند وكوريا الجنوبية واليابان مستعدة لدفع أي ثمن لتأمين وارداتها القريبة، وهذا ما يفسر السباق المحموم على توقيع عقود طويلة الأجل مع عمان ودول الخليج القريبة.
_من هم الخاسرون الكبار في هذه الحرب؟
الخاسر الأكبر بلا منازع هو ايران التي تشهد تدمير بنيتها التحتية النفطية بالكامل، وعقوداً من العزلة، وربما تقسيم نفوذها الإقليمي. ثم تأتي دول الخليج في المفارقة المأساوية: فهي تمتلك النفط، لكن الحرب تحبسه داخل حقولها، وقد تتعرض منشآتها للقصف، وصورتها كملاذ آمن للاستثمار تتحطم، ومشاريعها الطموحة كرؤية ٢٠٣٠ السعودية تتعطل. ثم أوروبا التي كانت الرابح التاريخي من العولمة، اتحول إلى أكبر خاسر مع قطع شرايين الطاقة عنها. ثم الهند وباكستان وبنغلاديش وبقية الدول الآسيوية الفقيرة التي ستنهار اقتصاداتها مع ارتفاع فواتير الطاقة. وأخيراً، الدول الأفريقية غير النفطية، التي كانت بالكاد تؤمن فاتورة استيرادها، وستجد نفسها أمام خيارات مستحيلة بين الجوع والظلام.
_ من الدول الرابحة الكبرى في هذه الحرب، بينما يدفع العالم كله الثمن؟
أولاً: روسيا حيث تسجل موسكو أرباحاً خيالية غير مسبوقة. مع تعطل النفط الإيراني والخليجي، ومع ارتفاع الأسعار عالمياً، تجد روسيا سوقاً مضمونة لنفطها بأسعار تفوق بكثير سقفها المالي المطلوب لتمويل ميزانيتها. وقد ارتفع سعر نفوطها بنحو ٧٠% في اسبوعين ليصل إلى مستويات قياسية، مما يعيد تمويل العمليات الحربية الروسية في أوكرانيا بشكل غير مباشر ويمنح الرئيس بوتين أوراق ضغط هائلة على أوروبا التي كانت تحاول فك ارتباطها الطاقوي معه.
ثانياً: الجزائر التي تقف على أعتاب عصر ذهبي جديد لقطاع الطاقة. بفضل قربها الجغرافي من أوروبا وخطوط أنابيبها الجاهزة، أصبحت الجزائر البديل الطبيعي للغاز الروسي والنفط الخليجي. العقود الجديدة توقع بشكل شبه يومي مع الشركات الأوروبية، والإيرادات سترتفع لمستويات قياسية تسمح لها بإعادة ملء خزائنها وتعزيز نفوذها الإقليمي.
ثالثاً: فنزويلا التي ورغم العقوبات الأمريكية، فإن ارتفاع الأسعار يعني أن كل برميل تصدره سيحقق إيرادات تغطي من شح السيولة الذي كان سائدا وقد تضطر واشنطن للتغاضي عن بعض الانتهاكات لضخ المزيد من النفط في الأسواق العالمية لتهدئة الأسعار.
رابعاً: كندا برمالها النفطية، التي كانت تعتبر غير اقتصادية في أوقات الأسعار المنخفضة، هاي هي تصبح الآن منجم ذهب حقيقي. مع وصول الأسعار إلى ١٢٥ دولاراً، فإن كل مشاريع النفط الصخري والرملي تصبح مربحة للغاية. ويعيد التوازن لميزانها التجاري.
_العراق (إقليم كردستان) وهنا تكمن المفارقة. فبينما يعاني جنوب العراق من اضطرابات الحرب وتهديدات إغلاق الموانئ، فإن إقليم كردستان يتمتع بموقع آمن نسبياً وقريب من الأسواق التركية والأوروبية. مع ارتفاع الأسعار العالمية، ستتدفق الاستثمارات نحو حقول كردستان، مما يعزز استقلالية الإقليم اقتصادياً ويمنح أربيل قوة تفاوض غير مسبوقة مع بغداد.
هذه الدول، التي تجمع بين امتلاك الموارد والموقع الآمن أو البديل، بالتالي ستكون الرابح الأكبر. هذا يعيد صياغة التحالفات الدولية على أسس جديدة تماماً، حيث سيتوجه المشترون نحو المصادر الأكثر أمناً واستقراراً، حتى لو كانت بعيدة أو كانت لها علاقات معقدة مع الغرب.
أما على الصعيد المالي والتأميني، فمع إعلان منطقة الخليج منطقة حرب نشطة، قفزت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب لعبور مضيق هرمز (فتكلفة تأمين ناقلة نفط عملاقة لرحلة واحدة قد تصل اليوم إلى اكثر من ٤ مليون دولار). هذا الارتفاع الخيالي، الذي قد يصل إلى ٢٠ ضعف المستويات الطبيعية، يحقق أرباحاً غير مسبوقة لشركات التأمين وإعادة التأمين، خاصة في سوق لويدز بلندن. لكنه في المقابل يخلق سوق شحن ثنائية المستوى: سفن مدعومة بضمانات حكومية (كالصين) قادرة على الاستمرار، وأساطيل تجارية غربية ممنوعة فعلياً بسبب التكلفة الباهظة. بالتالي ستواجه الأرمادا (الأساطيل التجارية) تكاليف باهظة تضاف إلى فاتورة التجارة العالمية، مما سيعيد هيكلة سلاسل التوريد، حيث ستصبح الدول التي تمتلك طرقاً برية أو بديلة أكثر جاذبية للاستثمار.
_ هل هذه الحرب هي الرد الأميركي المتأخر على تآكل "أمركة العالم" الذي سعت واشنطن لترسيخه لعقود، وهل نعيش اليوم لحظة "تفكيك العولمة"؟ منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، عملت الولايات المتحدة بكل جهد على التفرد بقيادة العالم وأمركته (Americanization of the world). لكنها، ولأسباب متعددة، خسرت فرصة تاريخية لبناء نظام عالمي مستدام. ومع صعود الصين منذ عقدين، حدث ما يمكن وصفه بعولمة أمريكا (Globalization of America)، حيث تغلغلت الأقطاب الجديدة في كل مفاصل الاقتصاد العالمي، وشهدنا فعلياً تآكل الهيمنة الأحادية. اليوم، ومع وصول الصين لمرحلة تستطيع فيها منافسة الولايات المتحدة في كل المجالات، تأتي الحرب كفرصة أخيرة لقلب الطاولة وإعادة الهيمنة بالقوة بعد أن فشلت الهيمنة بالنظام والقواعد.
إن قرار العودة إلى سياسات الحروب التجارية، والخروج من منظمة التجارة الدولية التي كانت لعقود المعبد المقدس لليبرالية الجديدة، وصولاً إلى شن حرب شاملة في الخليج، كلها مؤشرات على أن أمريكا تعيد حساباتها جذرياً. إنها تحاول تفكيك النظام العالمي الذي بنته بيديها، وتقطيع أوصاله، قبل أن تستكمل الأقطاب البازغة مشروعها في تآكل النفوذ الغربي. منظمة التجارة العالمية أصبحت في غيبوبة، ومجلس الأمن مشلول، والقانون الدولي ممزق. نحن نعيش في لحظة فوضي خلاقة يريد فيها القوي إعادة كتابة القواعد بينما لا يزال الأقوى.
_هل نحن أمام إعادة صياغة كاملة للنظام العالمي (Global Macro-system Restructuring) أم أمام مجرد حرب إقليمية أخرى، وهل هذه الحرب مجرد نتيجة لعنصرية نتنياهو أم هي نتاج نضوج الرأسمالية الأمريكية بصيغتها الجديدة
إن إطالة أمد الحرب واتساع نطاقها يؤكدان أننا لسنا فقط عشية أزمة مشابهة لـ٢٠٠٨ (يوم إنفجار أزمة الرهن العقاري) أو وباء كورونا، بل أمام حدث أعمق وأكثر جوهرية. إنها لحظة انهيار النظام العالمي القديم (ما بعد الحرب الباردة) ومخاض ولادة نظام جديد. الفرق أن أزمة ٢٠٠٨ كانت صدمة مالية تم احتواؤها بضخ السيولة، وكورونا كانت صدمة صحية مؤقتة، لكن هذه الحرب هي صدمة بنيوية تطال قلب النظام الاقتصادي: الطاقة والغذاء والنقل. القاعدة الاقتصادية هنا تقول: من يملك مزايا نسبية حقيقية (مصادر طاقة، غذاء، سوق استهلاكية كبيرة وقريبة) هو من سيربح في النهاية، خاصة إذا استطاع تجنب ارتفاع تكاليف النقل.
الحرب ليست فقط نتيجة لعنصرية نتنياهو أو قرار حفنة من صانعي القرار في واشنطن دي سي (أولئك الخمسين شخصاً المحيطين بالرئيس الأمريكي موجودون بقطر ٥٠٠ متر في العاصمة)، بل هي نتاج مرحلة تاريخية من نضوج الرأسمالية الأمريكية بصيغتها العدوانية الجديدة. صحيح أن بعض المحللين قد يربطون الحرب بمحاولة التغطية على جرائم شخصيات نافذة في قضية "المجرم الرمز" إبستين، لكن التفسير الأعمق هو ما صرح به ترامب مرة قائلاً: يجب أن نذهب لامور اخرى We need to move on to something else.
وكأن الحرب هي المدخل النضروري لإعادة ضبط النظام العالمي. الرئيس الأمريكي، ومن خلفه المؤسسة العميقة في واشنطن، يدركون أن اللحظة تاريخية: إما أن يعيدوا تشكالنالعالمو بما يضمن هيمنة امريكا على الغرب والعالم ولعقود قادمة، أو أنهم سيتركون الساحة للأقطاب البازغة لتكمل تآكل ما تبقى من أمركة العالم.
_ماذا يعني كل هذا بالنسبة لمستقبل النظام العالمي، ومن سيربح ومن سيخسر في المعادلة النهائية
في النهاية، تبقى الحقيقة الأكثر قسوة: هذه الطلقة الجيوإستراتيجية، مهما كانت مبرراتها ومهما كانت هوية الرابحين والخاسرين، سيبقى الفقراء ومحدودو الدخل في كل مكان هم الضحية الأولى، بينما تتغذى شركات الطاقة والتأمين على مأساتهم لتحقق أرباحاً تاريخية في مشهد يعيد صياغة النظام العالمي من جديد. لكن على المستوى الجيوإستراتيجي، المعادلة واضحة: الدول التي تمتلك موارد الطاقة وموقعاً استراتيجياً آمناً ستربح اذا لم تسيطر امريكا على مواردها او دفعّتها ثمن حروب كان من الممكن تجنبها (كالعراق الذي لم ينهض من عام ٢٠٠٣ رغم عوائد النفط وليبيا منذ سنوات). وبعيدا عن الطاقة وتفكك العولمة، الجميع ينتظر من ستكون له الكلمة العليا في إعادة صياغة النظام العالمي الجديد. لكننا نعتقد من يمتلك ناصية الذكاء الصنعي للاستخدام السلمي سيربح الاستدامة ويكفي أن نرى استعراض الروبوتات "للصينية" الراقصة أمام المستشار الألماني، لنُدرك أن معركة المستقبل لم تعد تُحسم بالدبابات والصواريخ، بل بالخوارزميات والذكاء الاصطناعي الذي يرقص ليُعلن نهاية عصر الهيمنة الغربية الأحادية.
من حوار
المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=136&id=204944