هل يضرب المطر الأسود الشرق الأوسط قريبا ؟
24/03/2026
سيرياستيبس :
"المطر الأسود" ظاهرة نادرة
تنتج من امتزاج الأمطار بملوّثات الحرائق والانفجارات، تحمل مواد سامة قد
تؤذي الجهاز التنفسي والبيئة، والخبراء يؤكدون أن انتقالها مرتبط بالرياح،
لكن احتمال وصولها إلى دول بعيدة عن نقطة الاستهداف بصورة واضحة يبقى
ضعيفاً.
في
الحروب، لا يتبدل المشهد على الأرض فقط، بل يتغير الهواء نفسه. الدخان
الذي يتصاعد من الحرائق لا يبقى عالقاً في السماء إلى الأبد، بل يعود
أحياناً إلى الأرض، عبر مطر ملوث وثقيل يحمل آثار ما احترق وما انفجر.
هنا، يولد مصطلح "المطر الأسود"، لا كاستعارة، بل كتحول مقلق في دورة الطبيعة نفسها.
وفي ظل الحرب الدائرة حالياً بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، تحولت منشآت النفط والغاز
إلى أهداف مركزية في مسار التصعيد. فقد طاولت الضربات مواقع حيوية داخل
إيران، أبرزها حقل "جنوب بارس"، أكبر حقل غاز في العالم، إلى جانب منشآت
مرتبطة به في منطقة أسالوية جنوب البلاد، مما أدى إلى حرائق وتعطل جزئي في
الإنتاج، واستُهدفت منشآت وقود داخل إيران في مراحل سابقة من الحرب، فيما
وضعت ضربات أميركية مواقع استراتيجية مثل جزيرة خرج، التي تُعد شرياناً
رئيساً لتصدير النفط الإيراني، تحت تهديد مباشر، على رغم أن البنية النفطية
نفسها لم تُستهدف حتى الآن.
في المقابل، سجلت ضربات إيرانية طاولت منشآت طاقة في الخليج، مما أدى إلى تعطل جزئي في بعض العمليات واندلاع حرائق في مواقع عدة.
غارات وسط العاصمة الإيرانية طهران (رويترز)
آثار في الاقتصاد والبيئة
هذه الاستهدافات التي طاولت
منشآت النفط والغاز لا تقتصر آثارها في الاقتصاد والطاقة، بل تخلف تداعيات
بيئية خطرة وممتدة، من أبرزها ظاهرة يُشار إليها إعلامياً بـ"المطر
الأسود". فعندما تُقصف منشآت نفطية أو غازية، تشتعل كميات هائلة من الوقود،
وتنطلق إلى الغلاف الجوي غازات سامة مثل ثاني أكسيد الكبريت وأكاسيد
النيتروجين، إضافة إلى جسيمات كربونية دقيقة، مما يؤدي إلى تشكل سحب سوداء
كثيفة قد تمتد مئات الكيلومترات، وفق تقارير علمية.
هذا المشهد يترافق مع تلوث
حاد في الهواء، إذ ترتفع مستويات التلوث إلى درجات خطرة تؤثر مباشرة في
الجهاز التنفسي والقلب، وتؤدي إلى زيادة حالات الربو والاختناق لدى
المواطنين في الدول المعنية، فضلاً عن أخطار صحية طويلة الأمد مثل السرطان.
ولا يقتصر الضرر على الهواء، بل يمتد إلى التربة والمياه، حيث يتسرب النفط
والمواد الكيماوية إلى الأرض والمياه الجوفية، مما يدمر الزراعة ويؤدي إلى
نفوق الكائنات الحية.
أما ما يُعرف بـ"المطر
الأسود"، فليس نوعاً مختلفاً من المطر، بل ظاهرة تنشأ عندما يتصاعد دخان
كثيف من الحرائق النفطية ويمتزج بالجسيمات السامة في الجو مع بخار الماء،
ثم يسقط لاحقاً على شكل قطرات داكنة ملوثة بالرماد والنفط. وتكمن خطورة هذا
المطر في أنه يحمل معه مواد سامة، من بينها معادن ثقيلة ومركبات مسرطنة
وبقايا احتراق نفطي، مما يعني أنه ينقل التلوث من الجو مباشرة إلى الأرض
والبشر.
ولا يقتصر تأثير هذا المطر
في مكان حدوث الضربة أو الاستهداف، إذ يمكن أن يسقط على مسافات بعيدة، ليصل
إلى مدن أخرى ومناطق زراعية ومصادر مياه، موسّعاً نطاق الضرر البيئي.
وتأثيره طويل الأمد، إذ تبقى مكوناته في التربة لأعوام، وتدخل في السلسلة
الغذائية، مما ينعكس على المحاصيل والحيوانات وصحة الإنسان.
وقد شهدت المنطقة نماذج
مشابهة في السابق، أبرزها خلال حرب الخليج عام 1991 عندما أدت حرائق آبار
النفط في الكويت إلى تسجيل أمطار سوداء في الخليج وإيران، وغطت سحب كثيفة السماء لأشهر.
ما هو "المطر الأسود" وكيف يتشكل؟
يوضح متخصص أمراض الجهاز
التنفسي الدكتور فادي حداد أن "المطر الأسود" هو "نتيجة مباشرة لامتزاج
مياه الأمطار بالملوثات العالقة في الجو"، هذه الملوثات بحسب حداد "لا تأتي
من مصدر واحد، بل من مشهد كامل من الحرائق الكبرى، وانفجارات خزانات
الوقود والغاز، والانبعاثات الصناعية، إضافة إلى النشاط البركاني".
ويشرح أن "قطرات المطر،
أثناء مرورها في طبقات الجو، تلتقط هذه الجزيئات وتختلط بها، لتصل إلى
الأرض محمّلة بمواد سامة، غالباً كيماوية، وفي حالات نادرة قد تحوي على
مكوّنات إشعاعية"، مستعيداً مثالاً تاريخياً بالغ الدلالة، "حين سُجّلت هذه
الظاهرة بعد القصف النووي لهيروشيما وناغازاكي، حينها هطل مطر أسود حمل
آثار التلوث الإشعاعي".
في المقابل، لا يرى حداد أن
هذه الظاهرة عابرة للحدود بسهولة، إذ يوضح أنها "تتركز عادة في المناطق
التي تشهد تلوثاً كثيفاً أو في محيطها المباشر"، ويضيف "هذه الجزيئات، مع
انتقالها، تبدأ بالتخفف والتشتت في الهواء، مما يقلل من احتمال وصولها إلى
مسافات بعيدة على شكل مطر أسود واضح. وفي كثير من الحالات، قد تتحوّل إلى
أمطار حمضية، وهي أقل وضوحاً بصرياً، لكنها لا تقل تأثيراً بيئياً".
التداعيات الصحية: الخطر غير المرئي
ويحذّر حداد من أن الخطر
الأكبر يكمن في ما لا يُرى، "فالملوّثات المحمولة في الهواء تشكّل تهديداً
مباشراً للجهاز التنفسي، خصوصاً لدى الأشخاص الذين يعانون أمراضاً مزمنة"
مشيراً إلى أن "مرضى الربو والحساسية هم الأكثر عرضة لتفاقم الأعراض، إضافة
إلى مرضى الانسداد الرئوي المزمن، وبخاصة المدخنون، واستنشاق هذه المواد
قد يؤدي إلى تضييق في مجاري الهواء وصعوبة في التنفس، مما يرفع من حدة
النوبات التنفسية ويزيد من خطورتها".
ويؤكد أن "الوقاية خلال هذه
الفترة الصعبة على المنطقة برمتها تبدأ بتجنب التعرض المباشر، عبر البقاء
في المنازل، واستخدام كمامات عالية الحماية عند الضرورة، إلى جانب حماية
الجلد وغسل أي ملامسة لمياه ملوثة، وتفادي استهلاك منتجات زراعية قد تكون
تعرضت لهذه الأمطار من دون تنظيف دقيق".
رداً على سؤالنا عما إذا
كان لبنان معرض لهطول "المطر الأسود"، يستبعد حداد الأمر ويقول إنه "لا
يوجد حتى الآن أي تسجيل لهذه الظاهرة في لبنان".
قراءة بيئية: من السخام إلى الملوثات السامة
من زاوية بيئية، تضع
النائبة في البرلمان اللبناني والمعنية بملفات بيئية نجاة صليبا الظاهرة في
سياق أوسع، معتبرة أن "المطر الأسود" قد ينتج بصورة خاصة عن حرائق نفطية
كبيرة، حيث يؤدي احتراق المنشآت النفطية إلى تصاعد دخان أسود كثيف وسحب
داكنة تغير لون السماء.
وتوضح أن "هذه السحب لا
تحمل السخام أو الكربون الأسود فقط، بل تحوي أيضاً على جزيئات دقيقة جداً
لا تُرى بالعين المجردة، إضافة إلى مركبات كيماوية مثل الهيدروكربونات
العطرية متعددة الحلقات، وهي مواد قد تكون مسرطنة".
وتشير إلى "وجود غازات مثل
ثاني أوكسيد النيتروجين وثاني أوكسيد الكبريت، التي تتفاعل مع بخار الماء
لتنتج أمطاراً حمضية، إلى جانب احتمال احتواء هذه السحب على معادن ثقيلة
مثل الكروم والحديد والزرنيخ، وهي عناصر سامة تنتشر مع الدخان".
وتوضح صليبا أن "الرياح
تبقى العامل الأساس في تحديد مسار هذه السحب، إذ تتحرك أفقياً وعمودياً وفق
اتجاهاتها، مما يجعل المناطق الواقعة في مسارها الأكثر عرضة للتأثر".
ولا تستبعد "انتقال
الجزيئات لمسافات بعيدة، كما يحدث مع العواصف الغبارية التي تصل إلى بلدان
على البحر الأبيض المتوسط من الصحراء العربية أو أفريقيا"، لكنها تؤكد أن
"احتمال رؤية مطر أسود واضح في لبنان يبقى ضعيفاً، بسبب تشتت هذه الجزيئات
وفقدانها كثافتها خلال انتقالها".
ومع ذلك، تحذّر من أن
"الأخطار الصحية لهذه الجزيئات مثبتة علمياً، إذ يمكن أن يؤدي استنشاقها،
خصوصاً الدقيقة منها، إلى أضرار في الرئتين وزيادة خطر أمراض القلب والجهاز
التنفسي، وقد يرتبط التعرض الطويل لبعضها بارتفاع خطر الإصابة بالسرطان.
أما بيئياً، فقد تترسب هذه الملوثات على التربة والمياه، مما يغير من
خصائصها الكيماوية ويؤثر في الزراعة والحياة البحرية".
وتشير صليبا إلى أن
"التعامل مع هذه الأخطار يتطلب مراقبة مستمرة لجودة الهواء، والاستفادة من
بيانات الأقمار الصناعية، واعتماد إجراءات وقائية يومية، إضافة إلى تعزيز
التعاون الدولي، خصوصاً أن الأضرار الناتجة من هذا النوع من التلوث قد تدخل
ضمن الإضرار البيئي العابر للحدود، وتستدعي مساءلة دولية".
تلوث "استراتيجي"
في موازاة المخاوف من
تداعيات بيئية متصاعدة، يطرح النقاش بعداً آخر يتعلق بطبيعة العلاقة بين
الحرب والبيئة، ومعه نسأل "هل نحن أمام توظيف مباشر للبيئة ضمن أدوات
الصراع، أم أن ما نشهده يندرج في إطار الأضرار الجانبية المتراكمة؟".
بناء عليه، يرى المتخصص
العسكري رياض قهوجي أن "البيئة لا تُستخدم كأداة مباشرة في الحرب الدائرة
حالياً، بل تتأثر بها بصورة غير مباشرة عبر تداعياتها المتراكمة"، موضحاً
أن "الحرائق الناتجة من استهداف المنشآت النفطية والبتروكيماوية، إلى جانب
الانفجارات، تؤدي إلى إطلاق ملوّثات كثيفة في الجو، مما ينعكس سلباً على
النظم البيئية".
ويشير إلى "أخطار القذائف
غير المنفجرة والألغام، التي تترك آثاراً طويلة الأمد على الأرض والموارد
الطبيعية"، لافتاً إلى أن "استخدام أسلحة مثل الفوسفور، كما حصل في جنوب
لبنان، يخلّف أضراراً بيئية جسيمة تصعب معالجتها سريعاً".
ويخلص قهوجي إلى أن
"العلاقة بين الحرب والبيئة قائمة بوضوح، لكنها تبقى، في هذه المرحلة،
علاقة تداعيات سلبية وليست توظيفاً مباشراً للبيئة كسلاح".
القانون الدولي
من جهة ثانية، ومع اتساع
الأضرار البيئية الناتجة من الحرب، يبرز البعد القانوني كمسار أساس لفهم
المسؤوليات وإمكانات المساءلة الدولية.
في هذا الإطار، يوضح أستاذ
القانون الدولي أنطوان سعادة أن "الأضرار البيئية الناتجة من العمليات
الحربية يمكن أن ترتب مسؤولية قانونية على الدولة المتسببة بها، خصوصاً
عندما يؤدي استخدام وسائل عسكرية إلى تلوث الهواء أو الإضرار بالموارد
الطبيعية، وفي هذه الحالة، يحق للدولة المتضررة اللجوء إلى محكمة العدل
الدولية، شرط أن تتمكن من إثبات حجم الضرر والعلاقة السببية بين الفعل
والنتيجة. ويمكن اللجوء إلى التحكيم الدولي إذا كانت هناك اتفاقات سابقة
تنظم ذلك".
وعن توثيق الأضرار البيئية،
يشير سعادة إلى أنه "يتم ذلك عبر تقارير خبراء دوليين وشركات متخصصة ذات
صدقية، تُستخدم كأدلة أساسية أمام الجهات القضائية، ويمكن للمحكمة نفسها أن
تعيّن خبراء مستقلين لتقييم حجم الضرر"، مشدداً على أن "القاعدة القانونية
واضحة: عبء الإثبات يقع على عاتق الدولة المتضررة".
وعلى المستوى السياسي، يلفت
إلى أن "هناك إجراءات دبلوماسية موازية يمكن اتخاذها، مثل استدعاء السفير
أو اعتباره شخصاً غير مرغوب فيه، وصولاً إلى خفض أو قطع العلاقات".
أما
على صعيد المساءلة الدولية، فيؤكد سعادة أن "استصدار قرار عن مجلس الأمن
التابع للأمم المتحدة يبقى خياراً نظرياً، لكنه يصطدم عملياً بتوازنات
القوى وحق النقض (الفيتو)، مما يجعل محاسبة الدول على الأضرار البيئية في
سياق الحروب مسألة معقدة في الواقع السياسي الراهن".
اندبندنت عربية
المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=127&id=204957