بانتظار الزيادة ..
476 ألف متقاعد في سوريا يعانون ارتفاع الأسعار مع ضعف الرواتب





 محللون  المتقاعدون  يقاسون الأمرين أمام أعباء الحياة


متوسط الأجر في سوريا يغطي 17% من كلفة المعيشة


سيرياستيبس :

جرت العادة في سوريا أن يحصل الموظفون لدى الدولة وكذلك المتقاعدون على منحة مالية تعادل نصف راتب أو راتب كامل لمواجهة أعباء وكلفة العيد خصوصاً بعد انتهاء شهر رمضان الذي تصاحبه في العادة كلفة زائدة.

 لكن، في عيد الفطر الذي تزامن هذا العام مع عيد الأم كان الموظفون السوريون على موعد مع زيادة في الرواتب بلغت 50 في المئة، تزامناً مع زيادة الحد الأدنى للرواتب إلى 1.256 مليون ليرة (114 دولاراً)

وترافق القرار مع منح زيادات نوعية لموظفي عدد من القطاعات الحكومية أبرزها التربية والتعليم والكهرباء.

وتعد هذه الزيادة الثانية من نوعها في عهد الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي سبق ووعد بزيادات تدرجية، حيث أصدر مرسوماً في يونيو (حزيران) 2025 يقضي برفع الرواتب والأجور المقطوعة بنسبة 200 في المئة للعاملين المدنيين والعسكريين والمتقاعدين، كما تم رفع الحد الأدنى للأجور إلى 750 ألف ليرة "75 دولاراً".

ولكن زيادة الرواتب الجديدة وبصورة مستغربة لم تشمل المتقاعدين كما جرت العادة، الأمر الذي أثار حالة من الجدل والاعتراض لدى 476 الف متقاعد، مما دفع وزير المالية السوري محمد يسر برنية ليعد بأنّ هناك زيادة مقبلة على رواتب المتقاعدين من دون أن يحدد موعداً لها.

وقال في منشور له على موقع التواصل "فيس بوك"، "لم نهمل كبار القدر من أهلنا المتقاعدين، وهناك زيادة لهم في الفترة المقبلة، حيث العمل جار الآن لإصلاح منظومة التقاعد والمعاشات برمتها، لضمان الاستدامة المالية لنظم المؤسسات التأمينية من جهة، وتحسين الخدمة للمتقاعدين من جهة أخرى".

في الحقيقية ليست المرة الأولى التي يتم فيها استثناء المتقاعدين من زيادات الرواتب، فالرئيس السوري المخلوع بشار الأسد كان أصدر مرسوماً قبل أربعة أيام فحسب من سقوطه في الرابع من ديسمبر (كانون الأول) 2024 بزيادة رواتب العسكريين المشمولين بأحكام قانون الخدمة العسكرية بنسبة 50 في المئة، أي إن الزيادة استثنت ليس المتقاعدين فحسب بل استثنت أيضاً موظفي الدولة المدنيين على اختلافهم.

وجاءت تلك الزيادة في محاولة بدت يائسة منه لتحفيز عناصر الجيش على القتال، لكن لا الزيادة طُبقت ولا الجيش الذي استهدفته تلك الزيادة بقي؟.

 ويذكر أيضاً أن رسائل آخر حكومتين في عهد النظام البائد كانت واضحة بأنه لا زيادة على الرواتب، بل إن رئيس الحكومة محمد الجلالي وهو آخر رئيس للحكومة في عهد الأسد كان جريئاً، إذ أكد خلال فترة توليه المنصب عدم القدرة على زيادة الرواتب والأجور لمستويات تلبي احتياجات المواطنين، مشيراً إلى أن التمويل بالعجز ليس حلاً مستداماً، وأن الوضع المعيشي مرتبط بمعدلات الإنتاج والاستثمار في ظل أزمة مركبة.

صراخ المتقاعدين .. "زيادة رواتبنا حق لنا"

المتقاعدون في سوريا حالهم حال الموظفين ممن هم على رأس عملهم، لا تكفيهم رواتبهم إلا لأيام، خصوصاً مع أسعار الكهرباء الجديدة يصبح الراتب عاجزاً عن تغطية حياة أي متقاعد في سوريا.

وسائل التواصل الاجتماعي ضجت بصرخات المتقاعدين الذين يعاني كثر منهم أصلاً تأخر صرف رواتبهم وعدم كفاية ما يتقاضونه إلا لبضعة أيام ولم تمنع تطمينات وزير المالية أن الحكومة سترفع رواتب المتقاعدين من المطالبة بحقهم في الزيادة واعتبروا أنه ليس من المقبول، أخلاقياً ولا قانونياً، أن يُعامل راتب المتقاعد على قلته وكأنه عبء على الخزينة العامة، فالمعاش التقاعدي ليس هبة من الدولة، بل هو مال استُقطع قسراً من راتب الموظف طوال أعوام عمله، وأُودع لديها كأمانة واجبة السداد.

 أما المتقاعدون الصحافيون فكانوا أبرز من حمل لواء الاعتراض ليس على تجاهل رفع رواتب المتقاعدين في الزيادة الأخيرة بل ليشرحوا كيف أن راتب المتقاعد هزيل ولا يحفظ كرامة المتقاعد خصوصاً إذا كان مريضاً ولا يتلقى مساعدة من أحد.

فيقول الصحافي السوري المتقاعد يونس خلف في منشور له على مواقع التواصل إن "الأمر لا يحتاج إلى كثير من التفكير أو التبرير أو التأويل، فأصل الحكاية أنّ التقاعد هو من وظائف الدولة من الناحية القانونية والإدارية والمتقاعد هو في الأصل جزء من المنظومة الوظيفية للدولة، ولذلك فإن آثار القرارات الاقتصادية العامة وفي مقدمها ارتفاع كلفة المعيشة لا تقتصر على الموظف القائم على رأس عمله فحسب، بل تشمل المتقاعد أيضاً".

وأضاف "من جهة ثانية الأساس القانوني والإداري لا يفصل بين الموظف العامل والموظف المتقاعد من حيث الاستحقاق عند صدور زيادات عامة على الرواتب".


الصحفي السوري أعرب عن أمله أن يبقى المتقاعد ضمن دائرة اهتمام وعناية ورعاية الدولة كي لا يموت كل يوم قبل وفاته.

من جهته، قال رئيس تحرير جريدة الثورة السورية السابق أسعد عبود "توقعت زيادة بنسبة أعلى لرواتب المتقاعدين، لأن ليس لهم سوى هذا المعاش المتهالك أمام زيادات الأسعار، وباعتبار أن الكتلة المالية المطلوبة لزيادة معاشاتهم، أقل بكثير من تلك المطلوبة لزيادة رواتب وأجور الموظفين والعمال". 

واعتبر عبود أن معاش المتقاعد هو أمانة له محفوظة لدى الدولة وموضوعة في خدمتها، وهي مقتطعة من رواتبهم عندما كانوا على رأس عملهم لذا هي أشبه بالوديعة المستحقة في موعدها بالتمام والكمال.

انتصار محمد إعلامية أوضحت لـ"اندبندنت عربية" أن "حياة المتقاعد في سوريا صعبة وكثير من المتقاعدين يعيشون على هامش الحياة"، مؤكدة أنه حتى وإن تمت زيادة الراتب التقاعدي فهو لا يكفي ولن يكفي إلا عندما تكون الزيادة متناسبة مع الأسعار".

وأضافت إن لم يكن لدى المتقاعد من يعينه ويساعده ويكتفي براتبه الهزيل فبكل تأكيد نحن أمام بيوت يسكنها الفقر والقهر والمرض وانتظار الموت.

 غياب السلطة التشريعية عن كثير من القرارات

بينما قالت نور محمود محامية سورية لـ"اندبندنت عربية"، إن "خضوع رواتب المتقاعدين لأي زيادة أسوة بالقائمين على رأس عملهم هي حق مكتسب لهم، خصوصاً أنّ المتقاعد عندما كان على رأس عمله لم يكن مخيراً في ادخار أمواله لدى الدولة ولم يكن شريكاً في إدارتها أي حكماً لا يتحمل خسائر المؤسسات التأمينية في البلاد وفشلها في إدارة أموال الموظفين المقتطعة لدفعها لاحقاً رواتب تقاعدية".

ووصفت نظام التقاعد في سوريا بأنه عقد إذعان يُفرض على الموظف مقابل التزام واضح من الدولة بأن تعيد له أمواله عند التقاعد، وعلى الدولة أن تضمن للمتقاعد ما يحفظ كرامته ويؤمن له حياة مستقرة، وهذا الأمر لا نراه متحققاً لدى غالب المتقاعدين في البلاد إذ يعاني القسم الأكبر منهم الفقر والحاجة بطريقة لا تخلو من "القهر"، حسب وصفها، بسبب ارتفاع كلفة المعيشة من غذاء ودواء وفواتير كهرباء واتصالات ونقل وغيرها، مشيرة إلى أن الغلاء عقّد حياة المتقاعدين، وجعلها مكشوفة على أخطار كبيرة بأبعاد مجتمعية.

المحامية السورية رأت أن غياب السلطة التشريعية عن كثير من القرارات يبدو مستغرباً، مطالبة حكومة بلادها بالعمل على إنشاء شبكات حماية اجتماعية للمتقاعدين وتوفير الطبابة (العلاج) لهم بيسر وليس الإسراع بزيادة رواتبهم وحسب لأنه حتى مع الزيادة لن تتحسن قدرتهم على مواجهة كلفة الحياة .

 استئناف رواتب المتقاعدين المتوقفة

في الوقت الذي يطالب فيه المتقاعدون زيادة رواتبهم وصرفها لهم بموعدها من دون تأخير، فإن عدداً كبيراً من المتقاعدين ممن قطعت رواتبهم منذ سقوط النظام البائد قد تلقوا أخيراً خبراً ساراً عندما أعلن وزير المالية محمد يسر برنية أن الدولة ستباشر بتسديد الرواتب التقاعدية لبعض الفئات التي توقفت معاشاتها سابقاً، واصفاً الخطوة بأنها جاءت انطلاقاً من حرص الدولة على الإنصاف والعدالة والسلم الاجتماعي والإسهام في تحسين الوضع المعيشي لجميع السوريين.

الفئات المستهدفة باستئناف رواتبها هي المتقاعدون العسكريون (دفاع وداخلية)، المتقاعدون المدنيون الموقوفة معاشاتهم أمنياً، العسكريون المنشقون الذين لم يلتحقوا بوزارات الدفاع/الداخلية، وورثة المتقاعدين العسكريين بعد أبريل (نيسان) 2011، على أن يستثني من تورط في جرائم بحق السوريين، في إطار تعزيز العدالة الاجتماعية.

مع الإشارة هنا إلى أن قرار إيقاف رواتب عشرات الآلاف من المتقاعدين تسبب في أزمات معيشة لهم وحرمهم من حق مكتسب لهم ، خصوصاً أن كثيراً منهم مع حجب الراتب فقد القدرة على تأمين أبسط متطلبات الحياة.

وعلى رغم أهمية قرار استئناف صرف رواتب المتقاعدين بعد انقطاع دام لأكثر من 13 عاماً، فإنه لن يطاول الجميع، إذ سيبقى من شارك في أعمال عنف أو سرقة أو تشبيح ضد الشعب السوري محروماً من راتبه، وهذا ما دفع حقوقيين إلى المطالبة باعتماد معايير واضحة وشفافة وأن تعالج حالات المتقاعدين عند القضاء المتخصص كي لا يتم التعامل مع الأمر بصورة فضفاضة.

الراتب التقاعدي حق وليس هِبة من الحكومة

المحامي السوري رامي حسن قال لـ "اندبندنت عربية"، "حسناً، قررت وزارة المالية استئناف رواتب المتقاعدين المقطوعة ولكن حبذا لو أنها أدركت خطورة القرار باكراً وما نجم عنه من آثار عميقة وكارثية على حياة أسر كاملة وجدت نفسها فجأة بلا أي دخل"، مؤكداً أنّ "استئناف رواتب المتقاعدين المتوقفة يجب أن يتم من دون أي شروط، فالعدالة الانتقالية مع الأخذ بالظروف الإنسانية تفرض أن يحصل المتقاعد على راتبه من دون أي شرط، طالما أنّ الدولة اقتطعت من راتبه طوال أعوام خدمته"، محذراً من أن تدخل ملفات المتقاعدين الذين سيلجأون إلى إثبات أحقيتهم في الراتب في سلسلة من المماطلة والبيروقراطية، مما يعني بقاءهم لشهور إضافية بلا رواتب.
مؤكداً، رداً على سؤال، أن "الراتب التقاعدي ليس هِبّة أو مَكرمة من الحكومة، بل هو حق مكتسب لا يسقط إلا بصدور حكم قضائي قطعي، ووفقاً للقوانين الدولية فإن المعاش التقاعدي يعتبر حق ملكية خاصة ومصلحة مالية محمية ومصونة بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وكان يجب ألا يتوقف راتب أي متقاعد".

ويأمل أن يكون هناك وضوح في طريقة إعادته خاصة في حال الاستثناء الموضوعة، معتبراً أن الحكومة الحالية يجب ألا تقترب أبداً من سياسة الاضطهاد الاقتصادي التي مارسها النظام البائد عندما أمعن في دفع رواتب زهيدة ومذلة، حسب تعبيره.

الأجر في سوريا يغطي 17% من كلفة المعيشة

وفقاً لمؤشر "قاسيون" المحلي لكلف المعيشة، بلغ الحد الأدنى لكلف المعيشة في سوريا نحو 7.26 مليون ليرة (660 دولاراً) شهرياً، بينما بلغ متوسط الكلفة أكثر من 11.6 مليون ليرة (1055 دولاراً).

وبالمقارنة مع الحد الأدنى الجديد للأجور 1.256 مليون ليرة (114 دولاراً)، يتضح أن الأجر لا يغطي أكثر من 17 في المئة من الحد الأدنى لكلف المعيشة.

وأمام الفجوة الهائلة بين الأجور وكلف المعيشة يحتاج الموظف في سوريا إلى رفع الحد الأدنى الرسمي لأجره (بعد الزيادة الأخيرة) بنحو 500 في المئة، مما يعني أنه من دون ربط الأجور بالأسعار تصبح أي زيادة نقدية عرضة للتآكل، خصوصاً أن الزيادات غالباً ما تترافق مع ارتفاع مباشر في الأسعار.

اندبندنت عربية



المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=131&id=204996

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc