الشرق الأوسط الجديد... من يعبر ومن يستبعد؟
29/03/2026
سيرياستيبس
بعدما كادت الحرب الشعواء بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران ووكلائها في المنطقة من جهة ثانية، أن تدفع العالم إلى حافة مواجهة أوسع، اقتربت من منطق الحرب العالمية، يبدو المشهد اليوم وكأنه هدأ نسبياً، لكن هذا الهدوء ليس سلاماً، بل إعادة تموضع تحت الضغط، فالحرب التي امتدت من عمق إيران إلى الساحات المتصلة بها، ولامست خطوط الطاقة والممرات البحرية الحساسة، كشفت عن أن الإقليم لم يعد ساحة نزاع محلي، بل نقطة تقاطع مصالح دولية يمكن لأي خلل فيها أن ينعكس فوراً على الاقتصاد والأمن العالميين.
لم يكن اندلاع هذه الحرب، نتيجة لحظة انفعال أو حادثة مفاجئة، بل خلاصة مسار طويل من التصعيد المتدرج، صراع على البرنامج النووي، وسباق صاروخي متسارع، وتوسع في شبكات النفوذ الإقليمي، في مقابل قرار أميركي وإسرائيلي بالانتقال من سياسة الاحتواء إلى محاولة كسر التوازن القائم وفرض قواعد ردع جديدة. ومع سقوط الخطوط الفاصلة بين الحرب المباشرة وغير المباشرة، تحولت المواجهة إلى اختبار مفتوح، أي استهداف للعمق، وضغط على البنية التحتية، ورسائل متبادلة على حافة الانفجار الشامل.
وعلى رغم انحسار وتيرة العمليات نسبياً، فإن الخطر لم يزل، فالأسباب التي فجرت الحرب ما زالت قائمة، بل وأكثر تعقيداً، فإيران لم تصل إلى نقطة الانكسار التي تدفعها إلى تغيير جذري في سلوكها، والرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يحسم بعد، بين تثبيت تسوية مشروطة، أو الذهاب أبعد في الضغط، في وقت يسعى رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى ترجمة نتائج المواجهة إلى واقع إقليمي دائم يعيد تشكيل ميزان القوى. وبين هذه الخيارات المتعارضة، يبقى السؤال مفتوحاً، وهو هل ما نشهده هو نهاية الحرب؟ أم مجرد هدنة هشة تسبق جولة أشد؟
والحقيقة أن أحداً لا يملك الإجابة، لأن ما تغير ليس فقط مستوى التصعيد، بل طبيعة الصراع نفسه.
لحظة تأسيس قسرية لشرق أوسط جديد
ذلك أن ما جرى ويجري اليوم، ليس حرباً عابرة بين الولايات المتحدة وإيران، بل لحظة تأسيس قسرية لشرق أوسط جديد يعاد فيه توزيع القوة والنفوذ والخرائط تحت النار، لا على طاولة التفاوض. وهذه الحرب لم تخض لإسقاط نظام أو كبح برنامج نووي فحسب، بل لتحديد من يكتب قواعد الإقليم المقبل، دونالد ترمب ومن خلفه واشنطن؟ أم نظام طهران ومنظومته؟ أم بنيامين نتنياهو الذي يسعى إلى ترجمة الحرب إلى واقع جيوسياسي دائم؟
إذاً، الحرب بين أميركا وإيران لم تخض فقط لأن واشنطن تريد كبح برنامج نووي أو صاروخي، ولا فقط لأن إسرائيل أرادت استكمال الضربة التي بدأت سابقاً ضد البنية العسكرية الإيرانية، بل لأنها في جوهرها حرب على شكل الإقليم المقبل، من يسيطر على الممرات، ومن يملك حق الردع، ومن يفرض شروط الأمن، ومن يسمح له بأن يكون مركزاً إقليمياً، ومن يدفع إلى التراجع.
وتشير الوقائع المعلنة حتى الآن، إلى أن الحرب التي بدأت في الـ28 من فبراير (شباط) الماضي جاءت بعد فشل مسار تفاوضي سابق، ثم تحولت إلى عملية أميركية - إسرائيلية، تستهدف تقليص القدرة الإيرانية على التخصيب والصواريخ والبحرية وشبكات التسليح الإقليمي، فيما ردت طهران عبر توسيع الاشتباك إلى مستوى يهدد مضيق هرمز، والطاقة، وحلفاء واشنطن الإقليميين. هذا وحده يكشف عن أن المعركة ليست تقنية حول تخصيب أو أجهزة طرد، بل استراتيجية حول من يحكم هندسة الشرق الأوسط الجديد، والسبب الأعمق للحرب هو أن الطرفين وصلا إلى قناعة متقابلة، بأن زمن الاحتواء الناعم انتهى.
وترى واشنطن وتل أبيب، أن إبقاء إيران عند عتبة القدرة النووية، مع استمرار برنامجها الصاروخي وقدرتها على تسليح الحلفاء والوكلاء، يعني أن أي شرق أوسط جديد سيولد تحت سقف الابتزاز الإيراني. في المقابل، ترى طهران أن الضغوط الأميركية ليست مجرد محاولة تعديل سلوك، بل مشروع لإعادتها إلى داخل حدودها الجيوسياسية، وتجريدها من أوراق القوة التي بنتها على مدى عقود، لهذا السبب بدا الخطاب الإيراني منذ ما قبل اندلاع الحرب مباشراً، بأن الولايات المتحدة تريد، وبحسب خطاب المرشد السابق علي خامنئي، أن "تبتلع إيران" وتعيد السيطرة على مواردها وقرارها، لا أن تفاوضها فقط.
من هنا، فإن هذه الحرب خيضت لثلاثة أهداف متداخلة، الهدف الأميركي المباشر هو كسر البنية الصلبة للقوة الإيرانية، والصواريخ، والقدرات البحرية، والقدرة على تسليح الحلفاء، مع منع إيران من امتلاك سلاح نووي. بينما الهدف الإسرائيلي الأوسع، هو إسقاط فكرة الحزام الناري الإيراني الممتد من طهران إلى المتوسط، أو في الأقل تفكيك قدرته على العمل كمنظومة متصلة. أما الهدف غير المعلن بالكامل فهو إعادة توزيع القوة الإقليمية بحيث تصبح الممرات البديلة لهرمز، وربط النفط والغاز بالمتوسط، ودمج إسرائيل في بنية الطاقة والنقل والأمن، نتائج مباشرة لما بعد الحرب، لا مجرد أفكار مؤجلة. هذا المعنى ظهر علناً في كلام نتنياهو حين طرح بعد الحرب خطوط أنابيب نفط وغاز، تعبر غرباً عبر شبه الجزيرة العربية وصولاً إلى الموانئ الإسرائيلية على المتوسط، واعتبر ذلك "تغييراً حقيقياً سيعقب هذه الحرب"، و"ستزال نقاط الاختناق إلى الأبد".
إلى أين تتجه هذه الحرب؟
وعليه، وتبعاً للمعطيات، لا تتجه مآلات الحرب إلى نصر حاسم نظيف لأي طرف، بل إلى واحد من أربعة مسارات متداخلة، مع ترجيح مسار على آخر بحسب قدرة الوسطاء على تثبيت وقف للنار بشروط ثقيلة.
المسار الأول، وهو الأرجح حالياً، هو تسوية قسرية مشروطة، أي وقف لإطلاق النار، ولا يعني مصالحة، بل فرض قيود على البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، وربط أي تهدئة إقليمية بملف حلفاء طهران، وخصوصاً لبنان.
وتدفع المؤشرات الحالية بهذا الاتجاه، لأن واشنطن تؤكد استمرار المحادثات وتصفها بالمثمرة، فيما المعلومات القادمة من طهران، تقول إن إيران ما زالت تراجع المقترح الأميركي ولم تغلق الباب نهائياً، بالتوازي مع إصرارها على إدراج لبنان و"مجموعات المقاومة" في أي اتفاق أوسع.
أما المسار الثاني فهو حرب استنزاف إقليمية مضبوطة، لا حرب شاملة تسقط النظام الإيراني سريعاً، ولا سلام فعلي، بل جولات قصف وضربات متبادلة وتوتر دائم في الممرات والطاقة، مع استمرار الضغط على لبنان والعراق وربما اليمن. وسيظل هذا السيناريو قائماً لأن الولايات المتحدة عززت وجودها العسكري في المنطقة بآلاف المارينز والبحارة، وناقشت خيارات إضافية تشمل هرمز وحتى جزيرة خرج، مما يعني أن أدوات التصعيد لا تزال حاضرة بالكامل.
في المقابل، أظهرت الحرب حتى الآن، أن إيران قادرة على جعل كلفة الإقليم كله ترتفع، عبر الضغط على الطاقة والملاحة وأسواق النفط.
في حين أن المسار الثالث هو اتساع الحرب من إيران إلى الجبهة اللبنانية، بوصفها ساحة التعويض، وهذا احتمال جدي جداً، لأن إسرائيل فرقت علناً بين جبهتها مع إيران وعملياتها ضد "حزب الله"، بينما تصر طهران على أن يشمل أي وقف للنار لبنان أيضاً. هذه الفجوة بالذات شديدة الخطورة، إذا قبلت إيران صفقة تخصها ولم تنجح في انتزاع مظلة للبنان فقد يتحول لبنان إلى ساحة استكمال للحرب لا إلى ساحة ما بعدها، وإذا أصرت طهران على ربط الجبهتين فقد تتعثر التسوية كلها، لهذا السبب أن جزءاً من مستقبل الحرب لا يحسم فقط في طهران وواشنطن، بل أيضاً في بيروت وجنوب لبنان.
ويأتي هنا المسار الرابع، وهو الأكثر ضبابية، ويتمثل في تغيير داخلي إيراني من دون إسقاط كامل للنظام. وراهنت وتراهن واشنطن وبعض دوائر إسرائيل، على أن الضربة الواسعة قد تنتج تصدعاً داخلياً أو حتى لحظة تغيير في القيادة، وطرحت فكرة "فرصة تاريخية" لإحداث تحول في طهران، لكن هذا الرهان ليس مضموناً، بل إن التقديرات نفسها التي نقلت عن دوائر أميركية تشير إلى أن البديل قد يكون أكثر تشدداً لا أكثر اعتدالاً، لذلك فإن الحديث عن "إسقاط النظام" يبدو حتى الآن جزءاً من الحرب النفسية أكثر مما هو نتيجة ناضجة مضمونة.
لحظة إعادة تشكيل الإقليم وصلت
وبناء على كل ما تقدم، فإن المنطقة بعد هذه الحرب لن تكون كما قبلها، حتى لو انتهت بتفاهم موقت، والسبب الأول أن سقف الاشتباك ارتفع، ولم تعد إيران محصنة من ضرب العمق، ولم تعد أميركا وإسرائيل تكتفيان بالحرب غير المباشرة، والسبب الثاني أن الاقتصاد صار جزءاً من العقيدة القتالية، هرمز، والطاقة، والممرات، والموانئ، والأنابيب كلها أصبحت أهدافاً تفاوضية وعسكرية معاً، أما السبب الثالث فهو أن ملف الوكلاء لم يعد هامشياً، بل انتقل إلى قلب التفاوض نفسه، بدليل الربط الإيراني الصريح بين أي وقف للنار والجبهة اللبنانية.
إذاً، خيضت هذه الحرب لأن الجميع شعروا أن لحظة إعادة تشكيل الإقليم وصلت، أميركا تريد شرق أوسط أقل إيرانية، وأكثر خضوعاً لمعادلات الردع والممرات والاندماج، وإسرائيل تريد شرق أوسط يستبدل فيه بمنطق الحصار البحري الإيراني شبكات عبور نحو المتوسط، وإيران تخوض المعركة لأنها تعرف أن الخسارة ليست خسارة موقع تفاوضي فحسب، بل خسارة مكانتها كقوة تقرير في الإقليم، لذلك مآل الحرب المرجحة ليست سلاماً حقيقياً، بل تسوية تعيد ترتيب المراتب، إيران أضعف، وإسرائيل أكثر اندماجاً، والخليج أكثر انتظاماً أمنياً، ولبنان مهدد بأن يستخدم كحقل تصفية حسابات ما لم ينتزع له موقع واضح داخل أي ترتيبات مقبلة.
هنا يبرز سؤال محوري، كيف سيبدو شكل "الشرق الأوسط الجديد"؟ وهل هناك خرائط معلنة؟
ووفقاً لمتابعة التصريحات والمواقف، فإن "الشرق الأوسط الجديد" الجاري تشكيله يقوم على خمس ركائز مترابطة، وملخصها أن المنطقة بعد الحرب ليست كما قبلها.
لا يتشكل الشرق الأوسط الجديد كخريطة معلنة على الورق، بل كمنظومة نفوذ وممرات وتحالفات وقواعد اشتباك جديدة، وما يجري اليوم ليس فقط إعادة رسم الحدود بالنار، بل إعادة ترتيب من يدخل في المنظومة، ومن يعزل عنها، ومن يتحول إلى ساحة، ومن يصبح عقدة عبور للطاقة والتجارة والأمن. وانتقلت تصريحات وخطوات الأشهر الأخيرة من الدفع باتجاه توسيع الاندماج الإقليمي إلى إحياء الممرات الكبرى مثل IMEC أي الممر الاقتصادي بين الهند والشرق والأوسط وأوروبا، إلى الحديث عن ربط الخليج بالمتوسط، إلى ربط أي تهدئة مع إيران بلبنان، وكلها تشير إلى أن الصراع لم يعد فقط على الأرض، بل على شكل الإقليم نفسه ووظيفته في الاقتصاد والأمن العالميين.
وفي الخطاب الإيراني السياسي والفكري الرسمي يبرز توصيف الشرق الأوسط الجديد، بوصفه غطاء لمشروع "إسرائيل الكبرى"، مع خرائط تشمل دولاً عربية عدة بينها لبنان وسوريا والأردن والعراق وأجزاء من السعودية وسيناء. وبتصور رئيس الوزراء الإسرائيلي أنه إنشاء "سداسي" من التحالفات حول الشرق الأوسط أو داخله، يضم دولاً من آسيا وأفريقيا وأوروبا والعالم العربي، وأن هذه المنظومة ستشمل الهند، ودولاً عربية وأفريقية واليونان وقبرص، إضافة إلى دول آسيوية أخرى.
ومن وجهة نظر نتنياهو أن هذه الدول "تتشارك في رؤية مختلفة عن المحور الشيعي المتشدد والمحور السني المتشدد الصاعد"، وأنه "من الممكن أن يحقق التعاون بيننا فوائد كبيرة، كذلك سيضمن بالطبع، قوتنا ومستقبلنا"، وذلك في تصريح قبل زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى إسرائيل.
ما الركائز الخمس المترابطة؟
شرق أوسط الممرات لا الشعارات
لم يعد المعيار الجديد من يملك السلاح فحسب، بل من يملك الميناء والأنبوب وخط الكهرباء والمعبر البري والعقدة اللوجيستية، لهذا السبب عاد الحديث بقوة عن الممر الهندي - الشرق أوسطي - الأوروبي، وعن ربط الأردن وسوريا ولبنان كهربائياً، وعن جعل العراق وتركيا ممراً برياً بديلاً، وعن نقل النفط والغاز إلى المتوسط بدل بقاء المنطقة رهينة المضائق البحرية وحدها، هذا يعني أن الإقليم الجديد يبنى على شبكات ترابط اقتصادي وأمني تجعل الدول المفيدة هي الدول القابلة للربط، لا الدول الغارقة في الحروب المفتوحة.
شرق أوسط الردع المركب
دفعت الحرب الأخيرة مع إيران المنطقة إلى نموذج ردع جديد، أي ضربات مباشرة، واستهداف للبنية العسكرية، وضغط على الموانئ والمضائق، ورسائل إلى الحلفاء والوكلاء في الوقت نفسه مقابل التهديد بإغلاق هرمز، والحديث عن استهداف منشآت الطاقة، والربط بين وقف النار في إيران ولبنان، كلها مؤشرات إلى أن أي ترتيب قادم لن يكون دبلوماسياً فحسب، بل أمنياً وعسكرياً بامتياز، أي دولة تريد أن تدخل هذا الشرق الأوسط الجديد يجب أن تثبت أمرين، أنها قادرة على ضبط أرضها، وأنها لا تسمح بأن تتحول إلى منصة دائمة لحروب الآخرين.
شرق أوسط الإدماج الانتقائي
وطبيعي بأنه ليس كل دول المنطقة ستدرج بالدرجة نفسها، هناك نواة يجري تثبيتها بوصفها منظومة مركزية للمرحلة المقبلة، ودول أخرى ستدخل بشروط، ودول ستترك خارج الدائرة أو على هامشها.
ووفقاً للمسار القائم، فإن النواة المرجحة تضم السعودية والإمارات والبحرين، وقطر بدرجة مختلفة، والأردن ومصر وإسرائيل وتركيا، مع أدوار متفاوتة للعراق وسوريا ولبنان وفق قدرتها على التكيف، ويجمع هذه النواة شيء واحد، أنها تقع على تقاطع الأمن والطاقة والممرات وإعادة الإعمار. أما إيران فالمشروع لا يريد دمجها بصيغتها الحالية كقوة توسع عسكري، بل يريد إما تطويعها، أو احتواءها، أو دفعها إلى نسخة أقل هجومية وأكثر انكفاء، وحتى المواقف الخليجية الأخيرة تعكس هذا المنطق، ليس المطلوب بالضرورة إسقاط إيران فوراً، بل تغيير سلوكها ومنعها من الاحتفاظ بأدوات التخريب نفسها بعد الحرب.
شرق أوسط إعادة الإعمار المشروطة
من هنا، فإن ملف إعادة الإعمار ليس ملفاً إنسانياً فحسب، بل أداة سياسية لإعادة هندسة الدول المتضررة، ففي سوريا أرقام إعادة الإعمار هائلة، مما يعني أن من يمول سيطلب مقابلاً سياسياً وأمنياً. وفي لبنان أيضاً، إن التعافي الاقتصادي الموعود مشروط بالإصلاح والاستقرار وسحب السلاح، بمعنى آخر سيصبح التمويل وسيلة لإعادة تعريف الدولة ووظيفتها وحدود سلاحها وعلاقاتها الخارجية، لذلك فإن سوريا ولبنان مرشحان لأن يكونا جزءاً من الشرق الأوسط الجديد، لكن ليس كقوتين مقررتين، بل كساحتين يعاد تأهيلهما بشروط.
شرق أوسط ما بعد الوكلاء
أهم تحول بعد الحرب هو أن كلفة الوكلاء ارتفعت جداً، والفكرة التي حكمت الإقليم لأكثر من عقدين، أي استخدام الجماعات المسلحة العابرة للحدود لتعديل ميزان القوى، تتعرض اليوم لضربة كبيرة. وليس لأن هذه الجماعات انتهت نهائياً، بل لأن بقاءها بصيغتها السابقة - الحالية، أصبح يهدد الدول الحاضنة لها نفسها، لهذا نرى لبنان يدفع دفعاً إلى منطق الاحتكار السيادي للسلاح، وسوريا إلى منطق تفكيك الجيوب المسلحة وربط الإعمار بالضبط الأمني، والعراق إلى التحول من ساحة ميليشيات إلى عقدة عبور ومصالح.
إذاً، هذا هو لب الشرق الأوسط الجديد، منطق الدولة - العقدة بدل الدولة - الجبهة. ويمكن تقسيم الدول التي سيضمها هذا "الشرق الأوسط" إلى ثلاث دوائر: الدائرة الصلبة، التي تضم السعودية والإمارات والبحرين وإسرائيل والأردن ومصر، وهذه الدول هي العمود الفقري لأي ترتيب جديد لأنها تمسك بمفاتيح المال أو الجغرافيا أو السلام أو الطاقة أو العبور، وبعضها يملك الثقل المالي، وبعضها يملك المعابر، وبعضها يملك الشرعية الأمنية الغربية، وبعضها يملك موقعاً حاسماً بين آسيا وأوروبا.
أما الدائرة الوظيفية فتضم أيضاً تركيا والعراق، وربما سوريا الجديدة إذا استقر مسار تأهيلها، وتطرح تركيا كقوة ممرات وربط ونفوذ أمني، والعراق كقلب بري يصل الخليج بتركيا وأوروبا، وسوريا كساحة عبور وإعمار وضبط حدود. هذه الدول ليست بالضرورة منسجمة سياسياً بالكامل، لكنها ضرورية وظيفياً للمشروع الإقليمي الجاري، في حين تضم الدائرة المشروطة أو المعلقة، لبنان وسوريا وحتى إيران نفسها.
ويمكن أن يدخل لبنان فقط إذا تحول من منصة مواجهة إلى مساحة دولة قابلة للضبط والربط الاقتصادي، كما يمكن أن تدخل سوريا إذا تحولت من ملف أمني مفتوح إلى دولة عبور وإعمار، أما إيران فليست مستبعدة جغرافياً، لكنها مستبعدة سياسياً بصيغتها الحالية، وأي حضور لها في الترتيب الجديد سيكون مشروطاً بكبح مشروعها الصاروخي والإقليمي، وبالانتقال من منطق الإمساك بالمضائق والوكلاء إلى منطق الدولة الطبيعية.
ما الذي يتم تشكيله فعلياً؟
ما يتم تشكيله الآن ليس حلفاً واحداً بالمعنى الكلاسيكي، بل أربع طبقات فوق بعضها، طبقة أمنية، وتقوم على ضبط إيران، وتحجيم أذرعها، وتثبيت خطوط ردع جديدة، وطبقة اقتصادية، وتقوم على ممرات التجارة والطاقة البديلة ونقاط الاختناق، وطبقة سياسية، وتقوم على توسيع الاندماج بين دول كانت حتى الأمس في معسكرات متقابلة، وطبقة سيادية داخلية، وتقوم على دفع دول مثل لبنان وسوريا والعراق إلى إعادة تعريف علاقتها بالسلاح غير الرسمي وبالحدود وبالاقتصاد، وحين تجتمع هذه الطبقات يتكون الشرق الأوسط الجديد كأمر واقع، لا كإعلان رسمي.
مشروع فرز قاسٍ
بات إذاً ومن الواضح أن المنطقة بعد الحرب لن تعود كما قبلها، ولأسباب جوهرية، منها أن الحرب كسرت المحرمات، فالاشتباك المباشر وضرب العمق واستهداف البنى الحساسة وربط المضائق بالطاقة العالمية، كل ذلك جعل المنطقة تدخل مرحلة تدار فيها الأزمات على مستوى دول وأنظمة، لا فقط عبر حدود رخوة ووكلاء. كذلك فإن الاقتصاد أصبح جزءاً من العقيدة الأمنية، ولم تعد الموانئ والجسور وخطوط الكهرباء والغاز والأنابيب وسلاسل الإمداد، تفاصيل تنموية، بل أهدافاً عسكرية وأوراق تفاوض في آن، لذلك فإن من ينتصر في المرحلة المقبلة ليس فقط من يملك القدرة على القصف، بل من يفرض نفسه ممراً لا يمكن تجاوزه.
أضف إلى أن الدول الهشة أصبحت أمام اختبار وجودي، إما أن تعيد بناء مركز الدولة، أو تستهلك كساحات دائمة، ولبنان هو المثال الأوضح، إذا بقي معلقاً بين الحرب والتهدئة، وبين الدولة والسلاح الموازي، فسيكتب عليه أن يبقى خارج الممرات وداخل الخرائط العسكرية فقط، أما إذا حصل انتقال فعلي إلى منطق الدولة الضابطة لحدودها وقرارها، فيمكن أن يتحول من ساحة مستنزفة إلى عقدة وصل في إعادة تركيب المشرق.
في المحصلة، الشرق الأوسط الجديد الذي يتشكل الآن ليس مشروع سلام مثالي، بل مشروع فرز قاسٍ، أي الفرز بين دول نافعة ودول عبء، وبين دول تفتح الممرات ودول تغلقها، وبين دول تحتكر قرار الحرب والسلم، ودول تتركه لوكلاء الداخل والخارج، وبين دول ستدخل نادي الإعمار والاستثمار والربط، ودول ستظل ساحات نار.
وما قبل الحرب كان شرق أوسط التوازنات المعلقة، أما ما بعدها فيتجه إلى شرق أوسط المحاور الوظيفية، محور مال وطاقة، ومحور ممرات وربط، ومحور ردع وأمن، ومن لا يجد لنفسه مكاناً في هذه البنية الجديدة، فلن يكون لاعباً فيها، بل مجرد ساحة تدار فوقها الأحداث.
اندبندنت عربية
المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=131&id=205031