هدوء حذر يسبق العاصفة: الأسواق بين سيناريو الانفراج وصدمة التصعيد
29/03/2026





سيرياستيبس 

على رغم الهدوء الذي خيّم على الأسواق، التي شهدت عمليات بيع كبيرة إثر الإعلان عن رفض طهران مقترحات أميركية لوقف الحرب، مع تمديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب مهلة استهداف محطات الطاقة الإيرانية، فإن عدم اليقين والقلق ما زالا طاغيين.

وما زالت التبعات الاقتصادية للحرب في الخليج تتصاعد وسط شكوك حول إمكان الوصول إلى صفقة أميركية – إيرانية توقف الحرب.

ففي تعاملات نهاية الأسبوع أول من أمس الجمعة، هوت مؤشرات الأسهم وشهدت أسواق السندات عمليات بيع كثيفة وارتفعت أسعار النفط مجدداً، وذلك في ظل احتمالات التصعيد واستمرار الحرب مدة أطول، على عكس التصريحات الرسمية التي تشير إلى مفاوضات إيرانية – أميركية.

كل ذلك يضع الاقتصاديين والمحللين في الأسواق وشركات الاستشارات المالية والاقتصادية في وضع غاية في الحرج في شأن توقعاتهم للتأثيرات الاقتصادية المحتملة للحرب.

لكن، بمراجعة سريعة لأغلب ما صدر عن تلك المؤسسات والمراكز في الأيام الأخيرة، يمكن تلخيص اعتمادها على سيناريوهين لتطور الأوضاع، ومن ثم للتأثير في الأسواق والاقتصاد العالمي.

في القلب من السيناريوهين تأثير أي اتفاق أو تصعيد على سوق الطاقة العالمية، وما يتبع ذلك من تأثير في بقية قطاعات الاقتصاد، إضافة إلى ما يعنيه ذلك للسياسات المالية والاقتصادية لدول المنطقة والعالم، مع الأخذ في الاعتبار أن تلك السيناريوهات ليست حاسمة تماماً، وأنه يمكن أن تكون التطورات في مناطق وسط بين هذا السيناريو أو ذاك.

السيناريو الأساس
يعتمد هذا السيناريو على أن الحرب لن تستمر طويلاً، إما لحدوث تطور إيجابي في المفاوضات بين طهران وواشنطن، بما يعني إمكان وقف القتال مدة شهر تمهيداً للتوصل إلى صفقة، أو أن يعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أي لحظة أن الولايات المتحدة حققت أهدافها من الحرب ويوقف القتال ويعاد فتح مضيق هرمز للملاحة الدولية بحرية، أو أن تتوصل دول عدة إلى اتفاق لتشكيل تحالف دولي لإعادة فتح المضيق بالقوة.

أغلب التقديرات هنا أن ارتفاع أسعار الطاقة لن يكون كبيراً جداً، ولن يستمر أكثر من بضعة أسابيع، وفي هذه الحال ستكون الأضرار على الأسواق والاقتصاد العالمي محدودة، كذلك فإن التقديرات بالنسبة إلى المنطقة تظل في حدود معقولة، مع عودة فتح الأجواء ومن ثم حركة الطيران ونشاط السياحة والأعمال.

وعلى رغم بداية ارتفاع التضخم في بعض الاقتصادات، فإنه ضمن هذا السيناريو لن يكون الارتفاع كبيراً، لذا قد لا تضطر البنوك المركزية للعودة إلى سياسة التشديد النقدي، وتكتفي بالتوقف عن التيسير النقدي لفترة.

وسيمكن حينئذ للشركات والأعمال والمستثمرين عموماً التخطيط للمستقبل مع تقدير عودة البنوك للتيسير وخفض أسعار الفائدة عن مستوياتها الحالية.

ضمن هذا السيناريو الأساس يتم تقدير ارتفاع أسعار النفط، ولكن ليس بالقدر الكبير، لتصبح في المتوسط لهذا العام ضمن نطاق 80 دولاراً للبرميل بدلاً من التقديرات السابقة حول نطاق 70 دولاراً للبرميل، وهو في النهاية تقدير سعري معقول لا يزيد الضغوط التضخمية بصورة خطرة.

يستند ذلك التقدير إلى عدم تضرر البنية التحتية ومنشآت الطاقة في المنطقة لأضرار جدية، ومن ثم إمكان استعادة السعة القصوى لقطاع الطاقة بسرعة من دون تداعيات أكبر على الاقتصاد.

هذا إضافة إلى ما تذكره تقارير مؤسسات التصنيف الائتماني العالمية الكبرى من أن أغلب قطاعات الاقتصاد في دول الخليج تتمتع بقدر كبير من المرونة والقدرة على تجاوز الأزمة إذا لم يطل أمد الحرب أو يتوسع مداها.

السيناريو الآخر
إذا فشلت جهود وقف الحرب ولم يتم التوصل إلى اتفاق بين طهران وواشنطن، فإن خيارات التصعيد العسكري تصبح مفتوحة، ويشكل ذلك خطراً واضحاً على اقتصادات المنطقة والاقتصاد العالمي.

تتباين درجة أخطار التداعيات الاقتصادية حسب صورة التصعيدات المتوقعة واحتمالات حدوث صدمة طاقة عالمية، يحذر بعض المراقبين من أنها قد تشبه أزمة النفط في سبعينيات القرن الماضي وربما أكبر.

وهناك احتمالات عدة في هذا السيناريو تجعل تبعاته الاقتصادية مختلفة في الحجم والحدة وتباين تأثيرها في الاقتصادات المختلفة، من بين الاحتمالات في هذا السيناريو أنه في حال فشل المفاوضات ضمن المهلة التي حددها الرئيس ترمب بنهاية الأسبوع المقبل، تقصف أميركا منشآت الطاقة في إيران وترد طهران باستهداف منشآت الطاقة عبر الخليج.

في تلك الحال يمكن لأسعار النفط والغاز أن تقفز إلى معدلات عالية تتجاوز أسوأ التوقعات، بما يجعل سعر برميل النفط فوق مستوى 150 دولاراً، ويمكن أن يثير ذلك مزيداً من الاضطراب في الأسواق ويدفع بقية الأسعار إلى الارتفاع، لتصل معدلات التضخم إلى مستويات خطرة تضطر البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة.

كذلك فإن هذا التصعيد لن يكون من السهل توقع مداه ومدته، على رغم تدمير أغلب القدرات العسكرية الإيرانية في القصف الأميركي - الإسرائيلي المستمر منذ نحو شهر الآن، إنما في الأغلب سيظل مضيق هرمز مغلقاً، ومن ثم حرمان سوق الطاقة العالمية من قدر كبير من نفط وغاز منطقة الخليج.

الاحتمال الآخر ضمن هذا السيناريو التصعيدي هو أن تقوم الولايات المتحدة بعمليات برية في إيران، مع حشد القوات بالآلاف الآن في المنطقة، وسواء كان ذلك بغزو واحتلال مناطق جنوب غربي إيران أو باحتلال جزيرة خرج الإيرانية التي تصدر منها طهران 90 في المئة من نفطها، فإن النتيجة لن تكون حاسمة بالنسبة إلى قطاع الطاقة العالمي.

أخطار فشل المفاوضات والتصعيد
لن يكون فقدان سوق النفط العالمية لما تصدره إيران مؤثراً في حد ذاته، ففي النهاية لا تزيد صادرات إيران النفطية على 1.6 مليون برميل يومياً، وهي كمية أقل من فائض المعروض النفطي العالمي في السوق قبل الحرب.

إنما قد تتضرر الصين والدول الآسيوية الأخرى المستوردة للطاقة من إيران نتيجة توقف الشحنات منها، وسيغذي ذلك ارتفاع الأسعار عالمياً لمنافسة تلك الدول المستهلكة على المعروض النفطي المتوفر من مصادر أخرى.

حتى لو تمكنت القوات الأميركية من السيطرة على جزيرة خرج، أو غيرها من أراضي إيران، في عمليات برية، فإن ذلك قد لا يعني نهاية الصراع، بل ربما يفتح الباب أمام مزيد من التصعيد العشوائي غير المتوقع.

وسيزيد ذلك من حال الاضطراب في الأسواق، خصوصاً إذا كان هناك سوء تقدير أميركي لقدرة ما تبقى من قدرة إيران على الرد وإحداث مزيد من الفوضى.

هذا الاحتمال بأن "تخرج الأوضاع عن السيطرة" هو أسوأ احتمالات السيناريو الثاني، ويمكن أن تكون تداعياته الاقتصادية أكبر وأعمق مما تتحدث عنه التحليلات والتوقعات الحالية، عندئذ ستكون التبعات على الأسواق والاقتصاد العالمي كبيرة، وربما تؤدي إلى ما يجري التحذير منه الآن من حال "ركود تضخمي" لا تجدي معها السياسات النقدية ولا إجراءات العلاج الاقتصادي التقليدية.

اندبندنت عربية 



المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=131&id=205036

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc