هل تهدد الحرب إيرادات العراق النفطية؟
02/04/2026





سيرياستيبس 

في لحظة إقليمية مشحونة تتقاطع فيها الحرب مع أسواق الطاقة، يجد العراق نفسه أمام اختبار اقتصادي هو الأشد منذ أعوام، بعدما تحولت الجغرافيا من ميزة استراتيجية إلى نقطة ضعف حرجة، فإغلاق مضيق هرمز شبه الكامل، على خلفية التصعيد العسكري في المنطقة، لم يهدد فقط تدفقات النفط العالمية، بل وضع بغداد أمام معادلة صعبة مفادها كيف يمكن لدولة تعتمد على النفط في أكثر من 90 في المئة من إيراداتها أن تتعامل مع توقف شريانها التصديري الرئيس؟
هذا السؤال كان حاضراً بقوة على طاولة وزارة النفط، إذ ترأس نائب رئيس مجلس الوزراء لشؤون الطاقة، وزير النفط حيان عبد الغني، جلسة "هيئة الرأي" الثالثة لعام 2026، مؤكداً ضرورة زيادة الصادرات النفطية لدعم الاقتصاد الوطني، في وقت تتراجع الكميات المصدرة فعلياً إلى مستويات غير مسبوقة.
وشدد الوزير العراقي على الإسراع بإجراءات التعاقد مع الجهات الناقلة، في محاولة لإيجاد مخارج لوجيستية عاجلة، بالتوازي مع الحفاظ على استقرار الإنتاج المحلي لتأمين حاجات الكهرباء والمواطنين من الوقود.
لكن خلف هذه التطمينات، تكشف الأرقام عن أزمة عميقة، إذ اضطرت وزارة النفط إلى خفض إنتاج حقول البصرة من 3.3 مليون برميل يومياً إلى نحو 900 ألف برميل فقط، بعد توقف الصادرات من الموانئ الجنوبية نتيجة غياب الناقلات النفطية، وهو تراجع حاد يعكس ليس فقط تأثير الحرب، بل أيضاً محدودية الخيارات المتاحة أمام العراق في تصدير نفطه.
بدائل قيد الاختبار
في مواجهة هذا الانسداد، تتحرك الحكومة العراقية لإحياء المسارات البديلة، وعلى رأسها خط كركوك – جيهان التركي، الذي عاد إلى الواجهة كأحد أهم منافذ الإنقاذ.
وبدأ العراق بضخ أولى شحناته عبر هذا الخط بطاقة 250 ألف برميل يومياً، مع خطط لرفعها إلى 500 ألف برميل قريباً بعد استكمال أعمال التأهيل.
وعرضت شركة تسويق النفط العراقية "سومو" أمام مجلس الوزراء خططاً متعددة لمسارات تصدير بديلة، في محاولة لتجاوز الاختناق في الخليج، غير أن هذه البدائل، على رغم أهميتها، لا تزال محدودة مقارنة بحجم الإنتاج العراقي، ولا يمكنها تعويض الفاقد الكبير في الصادرات الجنوبية.
في الوقت نفسه، لجأت الحكومة إلى إجراءات استثنائية لتأمين السوق المحلية، من بينها التعاقد العاجل على استيراد البنزين لتعويض الشحنات المتوقفة، في مؤشر واضح على أن الأزمة لم تعد مقتصرة على التصدير، بل بدأت تمتد إلى توازنات السوق الداخلية.
"القوة القاهرة" وانسحاب الشركات
تعقيدات المشهد لا تقف عند الجوانب اللوجيستية، بل تمتد إلى البيئة الاستثمارية، إذ أعلنت وزارة النفط حال "القوة القاهرة" في عدد من المشاريع، في ظل مغادرة شركات نفطية عالمية كبرى، مثل "بريتيش بتروليوم" و"إيني" و"شيفرون"، نتيجة الأخطار الأمنية المتصاعدة.
هذا الانسحاب يطرح تحديات إضافية أمام استدامة الإنتاج، ويزيد من الضغوط على الحكومة التي تجد نفسها مضطرة لإدارة القطاع النفطي بإمكانات أقل، وفي ظروف أكثر تعقيداً.
انكشاف استراتيجي
الخبير النفطي نبيل المرسومي يصف الوضع بـ"الانكشاف الاستراتيجي"، مشيراً إلى أن العراق يمتلك طاقة تصديرية برية معطلة تصل إلى مليوني برميل يومياً، موزعة بين خط كركوك – جيهان وخط إقليم كردستان، لكنها تبقى رهينة مشكلات فنية وقانونية.


وبحسب المرسومي، فإن العراق لا يزال يعتمد على مضيق هرمز لتصدير نحو 90 في المئة من نفطه، ما يجعله الأكثر عرضة للتقلبات مقارنة بدول الجوار، ففي حين نجحت السعودية في تأمين تصدير ملايين البراميل عبر خط شرق – غرب، وتمكنت الإمارات من الالتفاف على هرمز عبر ميناء الفجيرة، لا يزال العراق يفتقر إلى شبكة تصدير مرنة ومتعددة المسارات.
هذه الفجوة، كما يرى مراقبون، لم تعد مجرد خلل فني، بل تحولت إلى تهديد مباشر للأمن الاقتصادي.
اقتصاد أحادي في بيئة مضطربة
من جانبه، يذهب أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي إلى أن المشكلة تتجاوز الحرب نفسها، لتكمن في "غياب الجاهزية الاستراتيجية"، موضحاً أن العراق، على رغم استفادته النظرية من ارتفاع أسعار النفط خلال الأزمات، عاجز عملياً عن تحويل هذه الفرصة إلى إيرادات بسبب القيود التصديرية.
ويضيف السعدي أن الاعتماد على مورد واحد ومنفذ شبه واحد في بيئة إقليمية غير مستقرة يمثل "معادلة شديدة الخطورة"، لافتاً إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تراجع الإيرادات، بل في قدرة الدولة على الاستمرار مالياً في ظل تضخم النفقات التشغيلية.
ويحذر من أن أي اضطراب طويل الأمد قد يدفع الموازنة العراقية إلى مستويات غير قابلة للاستدامة، خصوصاً مع غياب إصلاحات حقيقية لتنويع الاقتصاد أو تطوير قطاع الغاز.
بين الطوارئ والإصلاح
تكشف الأزمة الحالية عن فجوة واضحة بين إدارة الطوارئ ومتطلبات الإصلاح الهيكلي، فالإجراءات الحكومية، على رغم أهميتها، تظل في إطار المعالجة الآنية، مثل استيراد الوقود أو إعادة تشغيل خطوط محدودة، في حين تبقى الحاجة ملحة إلى رؤية استراتيجية طويلة الأمد.
هذه الرؤية، وفق خبراء، يجب أن تشمل إعادة تأهيل شاملة لخطوط الأنابيب الشمالية، وتسوية الخلافات القانونية مع إقليم كردستان العراق، إلى جانب الاستثمار في البنية التحتية للتخزين، وتطوير قطاع الغاز لتقليل الاعتماد على الاستيراد.
ولا تبدو الأزمة الراهنة مجرد تداعيات لحرب إقليمية، بل اختبار حقيقي لقدرة العراق على إدارة موارده في بيئة غير مستقرة وبين اختناق مضيق هرمز وتعثر البدائل، يقف الاقتصاد العراقي على مفترق طرق حاسم، إما الاستمرار في نموذج ريعي هش، أو التحول نحو منظومة أكثر مرونة واستدامة.
وفي وقت تتسابق الدول لحماية أمنها الطاقي، يجد العراق نفسه أمام استحقاق مؤجل منذ أعوام، لكنه اليوم لم يعد يحتمل التأجيل.

اندبندنت عربية 



المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=136&id=205092

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc