تسليح المضائق.. إغلاق باب المندب يهدد بانهيار طاقوي شامل
04/04/2026





سيرياستيبس 

مع دخول جماعة الحوثي اليمنية إلى معترك الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، تشهد أسواق الطاقة العالمية توتراً متزايداً، مع تصاعد التهديدات بإغلاق مضيق باب المندب الذي يمثل بوابة حيوية لصادرات النفط من الخليج نحو أوروبا وآسيا، في ظل إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز بالفعل من جراء التصعيد العسكري بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. وبات سيناريو إغلاق باب المندب على التوازي مع هرمز، وارداً، بل ومرجّحاً، مع تصاعد الحرب، وسط ارتفاع أسعار النفط التي تتجاوز 100 دولار للبرميل، ما يفاقم الضغوط على الاقتصاد العالمي المتداعي أصلاً، حسبما أورد تقرير نشرته منصة "أويل برايس" المتخصصة في أسواق الطاقة في 17 مارس/ آذار الماضي.

ويُعدّ إغلاق باب المندب ضربة قاصمة لسوق الطاقة الهشّ أصلاً، بحسب التقرير ذاته، حيث يمر عبره نحو 6% من تجارة النفط البحرية العالمية، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية، ما سيؤدي إلى اضطرار السفن إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، وهو ما يزيد وقت النقل بنحو 25 إلى 30 يوماً، وبالتالي ترتفع التكاليف بنسبة كبيرة، ما يعني ارتفاع سعر برميل النفط إلى ما فوق 120 دولاراً على الأقل، وسط حالة من هلع الأسواق. وعليه، فإن إغلاق باب المندب وهرمز معاً يشكّل كابوساً لسلاسل التوريد العالمية، إذ يقطع الاتصال البحري بين المحيط الأطلسي وآسيا، مع مرور 20% من نفط العالم عبر هرمز، ما يعطل تدفق الغاز الطبيعي المسال والنفط من الخليج، ويثير موجة تضخم عالمية، حسبما أورد تقدير نشرته منصة "ريغزون" (Rigzone) المتخصصة في أخبار صناعة النفط والغاز في 31 مارس الماضي. وإزاء ذلك، يحذّر محللو السوق من ارتفاع سعر برميل النفط إلى 150 دولاراً، مع اضطرابات في الشحن والتأمين، ويصفون الوضع الراهن بأنه أكبر أزمة طاقة منذ حظر النفط العربي عام 1973، بحسب التقدير ذاته.

ويرجح خبراء المنصة المتخصصة وصول الصراع إلى ذروة استهداف قطاع الطاقة، ما يهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي بأكمله، إذ تعتمد أغلب الأسواق على تدفق الطاقة الخليجي، الأمر الذي يفتح الباب لتصعيد لا يمكن السيطرة عليه يمتد إلى الاقتصادات الآسيوية والأوروبية، خاصة أن الحوثيين، المدعومين من إيران، يملكون القدرة على تعطيل ميناء ينبع، الذي تحاول السعودية استخدامه كبديل لنقل النفط عبر مضيق هرمز، وقد شهد طفرة في حجم صادراته النفطية بالفعل بواقع سبعة ملايين برميل يومياً.


وفي هذا الإطار، يشير الخبير المختص بالاقتصاد السياسي، زيان زوانة، لـ"العربي الجديد"، إلى أن قيادات العالم والأسواق ستظل في حالة من التفاعل المضطرب مع التصريحات والتغريدات المتواصلة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، نتيجة اعتماده "استراتيجية الغموض" التي تدفع الجميع نحو حالة عميقة من "اللايقين" و"اللاتأكد". ويرى أن هذا النهج يجعل الأسواق "ترقص" على وقع كلمات ترامب، خاصة مع الاحتمال الكبير لفشل المفاوضات المشروطة مع إيران، ما يجعل وتيرة التصعيد بين الطرفين أمراً شبه مؤكد. ويترتب على هذا التصعيد دفع الحوثيين لتوسيع نطاق مشاركتهم في الحرب، وتطوير إجراءاتهم لاحقاً نحو إغلاق باب المندب، وهو ما يدعم الاستراتيجية الإيرانية الرامية إلى "تدويل مخاطر الحرب" وجعل العالم أجمع يشعر بتبعاتها، بحسب زوانة.

ومن شأن ذلك أن يعمق أزمة الطاقة لتشمل دول العالم المصدرة للنفط والغاز والمستوردة له (باستثناء روسيا والنرويج والجزائر ونيجيريا)، لتنتقل الأزمة من قطاع الطاقة إلى قطاعات حيوية أخرى مثل السياحة وسلاسل التوريد العالمية، بحسب زوانة، الذي اعتبر أن هذا الاختلال سينعكس مباشرة على سلاسل الإمداد عبر ارتفاع الكلف والأسعار عالمياً، ما يربك البنوك المركزية التي تحاول التكيف مع هذه التبعات والحفاظ على استقرار أسعار صرف عملاتها.

فالحفاظ على هذا الاستقرار يتطلّب من البنوك المركزية "تسييل" أصولها من سندات وذهب وغيرها لضخ الدولار في أسواقها، وتمويل مستورداتها مرتفعة الكلفة، ودعم خزائنها العامة، ما ينقل الأزمة إلى قلب الإنفاق العام والخاص، بحسب زوانة، الذي لفت إلى أن هذا السيناريو قد يؤدي إلى تراجع النمو العالمي وسقوط "أحجار الدومينو" المتتالية بديناميكية متسارعة ومتقلبة تخضع لمزاج ترامب وتصريحاته وتغريداته. ويخلص زوانة إلى أن مثل هذه الديناميكية تصعّب عملية التوقع الاقتصادي، وتجعل أي تحليل مجرد كلمات قد تبدو بعيدة عن الواقع، مؤكداً أن هذا هو الهدف الاستراتيجي لترامب ليبقى العازف الوحيد الذي يتحكم في إيقاع الأحداث العالمية.

وفي السياق، يشير الخبير في الاقتصاد السياسي، حسام عايش، لـ"العربي الجديد"، إلى أن سيناريو إغلاق باب المندب، بالتزامن مع الاضطرابات في مضيق هرمز، من شأنه أن يدفع العالم نحو حالة شبه صفرية فيما يتعلق بحركة النفط والتجارة العالمية المنهكة، موضحاً أن هذا التداعي في سلاسل الإمداد يخلق اضطراباً كبيراً على مستوى كلف الشحن والمخاطر، ما يفرض التحول نحو مسارات نقل أطول وأكثر تكلفة في ظل فوضى عارمة تسببها الحرب.


وإزاء ذلك، تتحول المضائق الحيوية، خاصة هرمز، إلى أداة للتحكم بالاقتصاد العالمي، إذ يضيف سيناريو إغلاق باب المندب بُعداً تجارياً جديداً لأزمة الطاقة القائمة، وهو ما يصفه عايش بـ"السيناريو الكارثي"، الذي تتحول فيه الحرب إلى مواجهة شاملة تستهدف البنية التحتية للطاقة، ما قد يدفع أسعار النفط إلى 200 دولار للبرميل، في حين تتراجع معدلات النمو الاقتصادي العالمي لتتراوح بين 0.5% و1% كحد أدنى، مع ارتفاع معدلات التضخم العالمي بأكثر من نقطة مئوية واحدة، ما يستدعي رفعاً موازياً في معدلات الفائدة العالمية بنسبة 1% إلى 2%.

وينعكس هذا الواقع على دخول العالم في حالة ركود تام، بحسب عايش، إذ ترتفع كلف السلع والخدمات وتتراجع القوة الشرائية محلياً وعالمياً، ما يدفع الأداء الاقتصادي العالمي نحو نفق مظلم، خاصة إذا ما طالت الأزمة لأكثر من شهرين. ويرى أن دول الخليج ستتأثر بشكل بالغ، إذ تُقدّر خسائر الناتج المحلي الإجمالي في الشهر الأول من الحرب فقط بنحو 170 مليار دولار، بانخفاض يتراوح بين 2.5% و8.5%، في حين تخسر دول المشرق العربي وآسيا نسباً مشابهة من ناتجها، مع إضافة ملايين الفقراء الجدد وفقدان ملايين فرص العمل وتراجع مؤشر التنمية البشرية لسنوات.

كذلك تتحول منطقة الخليج من كونها منطقة آمنة للطاقة إلى مستنقع للذخائر والمواد الكيميائية الناتجة عن الاستخدام المكثف للأسلحة، ما يؤثر سلباً في الاستثمارات والحراك الاقتصادي وموجودات الصناديق السيادية، بحسب عايش، الذي يحذر من أن قطاع الطاقة أصبح "السلاح النووي" الأهم في هذه الحرب، إذ يؤثر في ردود الفعل الدولية أكثر من أي إجراء آخر. وعلى الرغم من الإجراءات التخفيفية، مثل الإفراج عن المخزون الاستراتيجي للنفط أو رفع العقوبات عن إنتاج بعض الدول، فإن السوق يراهن بشكل أساسي على وقف العمليات العسكرية، وليس على هذه الإجراءات العابرة، بحسب عايش، الذي يخلص إلى أن التعافي التدريجي ممكن إذا ما توقفت الحرب خلال أسبوعين وحُفظت البنية التحتية، لكن دخول العالم في صدمات متتالية قد يغرق الاقتصاد في ظلام لسنوات طويلة، ما يستدعي إعادة تسعير مختلفة تماماً لدور المنطقة الخليجية في الاقتصاد العالمي بعد انتهاء الحرب، نظراً لتأثيرها المحوري على سلاسل الإمداد والغذاء والطاقة والتقنية والأمن الغذائي العالمي.

العربي الجديد



المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=136&id=205099

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc