رسائل الموت... حين تكتب الكراهية بخط اليد على القذائف
08/04/2026
سيرياستيبس
لا، ليست تلك الكتابات التقنية الباردة التي تطبع على القذائف والصواريخ والأسلحة التي تحمل عادة اسم المصنع والدولة المصنِّعة والرقم التسلسلي والعيار والوزن، فتلك لغة الصناعة، ولغة الضبط والفاعلية والجرد، ما أكتب عنه شيئاً آخر تماماً، كتابة تأتي بعد اكتمال المعدن والآلة، حين يتدخل الإنسان هذه المرة ليس بوصفه مهندساً أو مصنّعاً، بل حين يتحول إلى فاعل من نوع آخر في الحرب، فيخط كلمات على القذيفة قبل إطلاقها، تكون عبارة عن رسائل مشبعة بالعداء وبالسخرية أحياناً، وبالكراهية في أغلب الأحيان تعبر عن نيات وأفكار وعقائد، تعرّف بالخصم أو العدو ونظرتنا تجاهه في كتابة تحاول أن تمنح الموت صوتاً، بدل أن تعرّف بغرض السلاح ومهمته.
كتابة على الهامش
كثيراً ما خلّد الملوك حروبهم وانتصاراتهم على ميداليات وعملات معدنية وصناديق للهدايا وافتخروا بها كأرشيف حاضر دائماً. لم يكن ربما بالحسبان الكتابة على قذائف خلال المعركة وإرسالها كبريد حارق خارق ومتفجر... فليست الكتابة على السلاح زينة جانبية في تاريخ الحروب، ولا عادة يتسلى بها الجنود على هامش المعارك، إنها لحظة يتداخل فيها العنف المادي بالعنف الرمزي أو المعنوي، كأن الصاروخ أو القذيفة تتحول إلى بطاقة أو ما يشبه رسالة بريدية معدنية عنوانها جسد الآخر.
هنا لا يكتفي الفعل العسكري بالتدمير، بل يضيف إليه شرحاً مختصراً محملاً بالشتيمة أو السخرية أو التشفي، ويرسله كهدية ليبدو القتل أكثر شخصانية، وهذا بالتحديد ما يجعل الظاهرة فاضحة أخلاقياً، وتكشف أن الحرب التي تقتل، تحرص أيضاً على أن تكتب تعليقها الخاص على أداة القتل.
المقاليع نفسها تتكلم
من يظن أن كتابة العبارات على المقذوفات عادة حديثة، عليه أن يعود أبعد بكثير من القرن الـ20، ففي دراسة حملت عنوان "حول مقذوفات المقلاع المنقوشة"، أعدها جون مكول عام 1864، جمع الباحثون شواهد من العالم اليوناني والروماني على رصاصات مقاليع منقوشة حملت أسماء أشخاص، وأسماء أمكنة وشعوب، وأسماء آلهة وعبارات مرتبطة بالنصر، وأحياناً كلمات تحمل أوامر أو مزاحاً أو سخرية.
ولم تكن الفكرة استثناءً، فلقد شكلت جزءاً من ثقافة الحرب نفسها، حيث حمل المقذوف اسماً أو شتيمة أو نداء نصر، فالرغبة في إرفاق العنف بعبارة ليست ابنة الحداثة العسكرية، وهي عادة قديمة بقدم الحاجة إلى إهانة العدو حتى قبل أن تصيبه الضربة.
تكشف هذه المسألة أن الإنسان لم يكتفِ منذ زمن بعيد بأن يصنع سلاحاً يصيب الهدف، لقد أراده سلاحاً يقول شيئاً أيضاً. وكانت تلك الرسائل المبكرة، كما توحي النقوش القديمة، تتأرجح بين إعلان الملكية وطلب البركة واستعراض القوة والسخرية من الطرف الآخر، فالحرب منذ بداياتها إضافة إلى كونها صراع أجساد، كانت صراع لغات أيضاً، حيث المقلاع أراد أن تكون له بلاغته السوداء القاتلة.
الصحافة تدخل على الخط
لا تبدو الحرب العالمية الأولى أول لحظة ظهرت فيها عادة الكتابة على القذائف، لكنها كانت من أولى اللحظات التي دخلت فيها إلى الأرشيف البصري والصحافي بوصفها صورة قابلة للتداول الجماهيري، ففي أرشيف جامعة "الملكة ماري" في لندن توجد بطاقة بريدية دعائية من فرنسا تعود إلى ما بين 1914 و1918 تظهر جندياً يحمل قذيفة كتب عليها "إلى ويلي مع خالص التحية" مع توصيف واضح بأنها موجهة إلى القيصر فليلهم الثاني "ويلي" الإمبراطور الألماني حينها.
وفي الأرشيف نفسه تظهر بطاقة أخرى بقذيفة في يد جندي ألماني موجهة إلى "الإنجليزي المروَّض أو الخاضع"، حيث القذيفة إضافة إلى كونها أداة للقتل صارت مشهداً فوتوغرافياً جاهزاً للتداول، وكأن الحرب تريد أن تعرض حسها الفكاهي الرديء على هيئة تذكار.
قد تبدو هذه الصورة أقل شهرة من أمثلة الحرب العالمية الثانية لكنها تكفي لتؤكد أن اللعبة الرمزية كانت متبادلة، فالطرفان أرادا للقذيفة أن تقول شيئاً، وأن تُعرض كما لو كانت طرفة متبادلة بين جبهتين، بينما هي في حقيقتها مشروع تمزيق أجساد.
الصحافة وما رافقها من بطاقات وصور دعائية وتذكارات، لم تتعامل دائماً مع هذه الممارسة بوصفها انحرافاً أخلاقياً، فكثير من مواد تلك الحقبة استوعبتها في خطاب التعبئة الوطنية، وصار بالإمكان تصوير القذيفة بوصفها هدية إلى القيصر، وتقديمها بصيغة ساخرة كأنها تخفف وقع الموت على الجمهور الداخلي.
هكذا بدأت العبارة على المقذوف تتحول من فعل في الميدان إلى صورة في المجال العام، ومن كتابة موجّهة إلى الخصم إلى أداة ترفيه دعائي للداخل، وبدأ التدهور الحقيقي حين صار القتل يسوَّق بصرياً أيضاً كأداة دعائية وترفيهية للجمهور.
القنابل النووية موقّع ومرسوم عليها
ثم جاء القرن الـ20 ليمنح هذه العادة مسرحها الأكثر رعباً، ففي المواد التوثيقية الخاصة بالقصف النووي لليابان، تظهر القنبلة الذرية ذروة للتقنية العسكرية وذروة أيضاً لهذا الميل البشري البائس إلى إرفاق الإبادة بعبارة.
ووثق الأرشيف الأميركي والمتحف النووي تجهيز القنبلة التي أُلقيت على ناغازاكي في التاسع من أغسطس (آب) 1945، بما في ذلك توقيعات على هيكلها وعبارة شهيرة كتبت عليها "قبلة ثانية لهيروهيتو!"، وقد كتبها أفراد من البحرية الأميركية في جزيرة تينان، وللجملة دلالة على الضربة الذرية الثانية لجعل الإمبراطور الياباني هيروهيتو يستسلم، وذلك بعد إلقاء قنبلة أولى على هيروشيما في السادس من الشهر نفسه، وهناك وقفت ذاكرة العالم كأول قنبلة ذرية استخدمت ضد مدينة مأهولة، وقد وثق الأرشيف الوطني الأميركي أن هيروشيما شهدت نحو 70 ألف قتيل فوراً، فيما قُتل عشرات الآلاف فوراً أيضاً في ناغازاكي.
هنا تبلغ السادية ذروتها حين تمحى مدينة كاملة تقريباً، فيما أحدهم يترك على أداة القتل عبارة تشبه مزحة في أيام السلم!
تجميل العنف
وإذا كان اسم الممثلة ريتا هيوارث قد دخل هذه القصة، فقد دخلها في الإطار النووي الاستعراضي اللاحق، فالمتحف الوطني للحرب العالمية الثانية ذكر أن قنبلة الاختبار الأميركية Able في عملية "مفترق طريق" عام 1946 حملت لقب "غيلدا"، تيمناً بفيلم ريتا هيوارث الذي صدر في العام نفسه، وهي القنبلة الذرية الرابعة التي تمّ تفجيرها وتحمل صورة هيوارث في ما يعرف بثقافة "فن تزيين مقدمة الطائرات" أو رسم صور نسائية جذابة على مقدم الطائرات (الأنف) والأسلحة وأصبح تقليداً عسكرياً شائعاً في تلك الحقبة.
والجدير ذكره أنها غضبت كثيراً إذ لم يطلب إذنها لاستخدام صورتها بهذا الشكل، حتى إن والدها إدوارد كانسيو قال حينها إن جلّ ما تريده ابنته أن تكون زوجة وأماً وليس أن تربط بقنبلة ذرية. في هذا الاستخدام انزلقت القنبلة من كونها أداة إبادة إلى شيء تختلط فيه الصناعة العسكرية بصورة نجمة هوليوودية في رمزية صادمة، وأصبح العنف يحتاج إلى أيقونة سينمائية مغرية تروّج له، وكأن أميركا وهي تجرب القنبلة بعد هيروشيما وناغازاكي، قررت أن تزخرف الوحش القاتل ببريق الشاشة.
روسيا فعلتها أيضاً
لم تحتكر أميركا هذا التقليد، ففي الـ20 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، نقلت "رويترز" عن فيديو نشرته وزارة الدفاع الروسية أن عناصر من الطاقم البري كانوا يكتبون على قنابل متجهة إلى سوريا عبارة "من أجل باريس"، وأظهرت لقطات أخرى عبارة "من أجل شبابنا" في قاعدة حميميم الجوية وهي رسالة "تضامن" مع ضحايا هجمات باريس التي بلغ عددهم 130 شخصاً، إضافة إلى ضحايا إسقاط طائرة روسية في مصر ومقتل جميع من كانوا على متنها وعددهم 224 شخصاً، وأطلقت القذائف ضد متشددين سوريين من بينهم تنظيم "داعش"، كما ذكر في "رويترز"، لكن اللغة كانت أكثر التباساً من أي تضامن، فباريس تستدعى إلى جسم قنبلة ستلقى في سوريا، والألم الأوروبي يُكتب على معدن متجه إلى بلد آخر.
والمفارقة القاسية أن العبارة تبدو وكأنها دفاع عن الضحايا، لكنها في الواقع تحوّل الضحية إلى ذريعة جمالية للانتقام في مكان آخر، وهنا يظهر واحد من أكثر الأدوار خبثاً لهذا الطقس أن يستعير لغة التضامن ليغلف بها العنف.
جنود أميركيون يكتبون على الذخيرة
في حربي العراق وأفغانستان كانت الكتابة على القذائف ممارسة شبه يومية داخل وحدات عسكرية للجيش الأميركي، تُنجز بسرعة قبل الإطلاق، غالباً بقطعة طبشور أو قلم. وكانت العبارات قصيرة ومباشرة، وأحياناً ساخرة، موجهة إلى عدو واضح، ففي العراق، ظهرت رسائل من نوع "من أجل صدام"، وفي أفغانستان عبارات أقل تحديداً، تحمل نبرة تهكم أو تفريغ غضب أكثر من كونها خطاباً منظماً.
ما يلفت هنا أن هذه الكتابة لا تنتج كدعاية رسمية، ولا تعرض بوصفها رسالة سياسية محسوبة، فلقد كانت تنشأ في المسافة الضيقة بين الجندي وسلاحه، بما يشبه لحظة شخصية داخل آلة جماعية، والقذيفة في هذه الحال تتحول إلى وسيط نفسي ووسيلة لتقريب الفعل من صاحبه وتخفيف تجريده، وتصبح الكتابة طريقة للسيطرة الرمزية على فعل عنيف، أو في الأقل لتسميته، قبل أن يغادر اليد ويصبح حدثاً خارج السيطرة.
رسائل من أطفال إسرائيليين إلى لبنان
في لبنان لا تمر الرسائل القذائفية كطرفة أرشيفية، فهذا البلد يعرف جيداً كيف تبدو القذيفة حين تصل، ومنطقة قانا في الجنوب أقسى دليل، فهي ليست مجرد اسم في الجغرافيا، إنها اختصار لمجزرتين في الأقل، وقد وثقت منظمة العفو الدولية في تقريرها عن قصف مقر الأمم المتحدة في قانا عام 1996 مقتل 102 مدني، بينما وثقت "هيومن رايتس ووتش" أن قصف الـ30 من يوليو (تموز) 2006 في قانا أدى إلى 28 قتيلاً بينهم 16 طفلاً، لهذا فإن أي حديث عن الكتابة على القذائف في السياق اللبناني لا يمكن أن يكون منفصلاً عن هذا الثقل، فالعبارات التي خطت على معدن صارت شظايا فوق ذاكرة سبق اختبارها دماً ورعباً.
والصورة الأشهر التي علقت في المخيلة العالمية والعربية واللبنانية، هي صورة أطفال إسرائيليين يكتبون على قذائف مدفعية متجهة إلى لبنان خلال حرب 2006. وقد وصفت "الغارديان" الصورة التي التقطتها وكالة "أسوشيتد برس"، بأنها تظهر فتيات إسرائيليات يكتبن رسائل على قذائف في شمال إسرائيل قرب كريات شمونة وقد كتبوا عليها "من إسرائيل مع الحب، إلى لبنان" و"إلى نصرالله مع الحب من إسرائيل ودانيال"، وبعض القذائف رسم عليها العلم الإسرائيلي، بعدما كان الكبار قد كتبوا رسائلهم أيضاً على القذائف قبل أطفالهم، ولكن صورة الأطفال كانت الأكثر تأثيراً كون أبطالها أطفالاً من ناحية ولشدة انتشارها من جهة أخرى.
لم تكن الصورة بحاجة إلى كثير من الشرح، فحتى الأطفال دخلوا إلى الطقس نفسه كمشاركين رمزيين في تجهيز الموت، وهذا هو الانزلاق الأخلاقي الأشد بشاعة، حين لا تكتفي الحرب بتطبيع الجندي مع السلاح، وتورط الطفل نفسه إلى مشهد الكتابة على القذيفة، فإدخال الطفل في تلك اللحظة يفضح ما هو أعمق من الدعاية، ويفضح الرغبة في جعل السلاح مألوفاً وقابلاً للتلوين وصالحاً لأن يعامَل كشيء يمكن رسم القلب عليه أو كتابة جملة فوقه بما يشبه أداة تربية رمزية على الألفة مع العنف، وهذا أكثر رعباً من العبارات نفسها.
اقضوا عليهم!
في مايو (أيار) 2024، وخلال زيارة إلى موقع عسكري إسرائيلي، كتبت نيكي هالي، وهي سفيرة سابقة لدى الأمم المتحدة، وحاكمة سابقة لولاية ساوث كارولاينا، عبارة حاسمة على قذيفة مدفعية "اقضوا عليهم"، وجاءت في سياق الحرب على غزة، وصرّحت هالي في مواقفها العلنية أنها دعت إلى إنهاء حركة "حماس" بالكامل باعتبارها الجهة التي خاضت إسرائيل ضدها الحرب.
لقد تحولت القذيفة إلى سطح معدني مكتوب عليه موقف سياسي مباشر، فالتوقيع والعبارة وضعا الرسالة داخل أداة القتال نفسها، بحيث لم تعد الكلمات جزءاً من الفعل وغير منفصلة عنه، وقد انتشرت الصورة التي وثّقت اللحظة بسرعة، في عبارة تحمل معنى الإنهاء الكامل، وليس الاحتواء ولا الردع، وتحول هذا المشهد إلى جدل سياسي وإعلامي واسع في أوروبا وأميركا حيث صدرت انتقادات من سياسيين وناشطين اعتبروا أن العبارة تحمل طابعاً تصعيدياً وخطاباً إقصائياً بخاصة في ظل حرب مستمرة وسقوط آلاف الضحايا المدنيين في غزة. وقد اعتمد الجيش الإسرائيلي نهج الكتابة على القذائف، وفي تقرير مصور على قناة "العربية" تبدو أن الصحافية الإسرائيلية روتم أشهيون من قناة "كان" الإسرائيلية وهي تكتب على القذائف رسائل الإعجاب الجنود وشجاعتهم، وعبارات السخرية من أهالي غزة، كما يظهر بعض الأشخاص من الجالية اليابانية وهم يكتبون باليابانية على قذائف إسرائيلية، وكأن ما يحصل نشاط ترفيهي وتذكار يجب ألا يفوّته زائر!
تفجيرات احتفالية في غزة
كثيرة هي الأسلحة التي حملت تواقيع مطلقيها، فقد كتب أثناء الحرب العالمية الثانية على المقذوفات رسائل وهدايا إلى الزعيم النازي أدولف هتلر وإلى النازيين أو إلى الأعداء، وحملت أحياناً أسماء مطلقيها أو انتقاماً لزملائهم الذين قضوا، وأحياناً أسماء أحباء لهم.
وقد يكون مشهد الجندي الإسرائيلي في حرب غزة الأخيرة 2023 الأكثر حضوراً حينما انتشر فيديو له أثناء تفجير مبنى ويقول بالعبرية إنه يهدي هذا التفجير لابنته لمناسبة عيد ميلادها الثاني. ولا تبدو هذه الحادثة منفردة، ففي فيديو آخر يعود لعام 2025 ظهر جنود إسرائيليون وهم يفجرون مبنى في غزة ويتعاملون مع سحابة الدخان الزرقاء على أنها تكشف عن جنس المولود، قائلين "إنه صبي"، في تحويل التدمير الحربي إلى مناسبة شخصية أو احتفالية قابلة للتصوير والتداول.
إيران وشعارات وشكر على الصواريخ
يأخذ هذا التقليد في الحال الإيرانية نبرة مختلفة، فهي أكثر اتصالاً بالأيديولوجيا، ففي مارس (آذار) 2016 اختبرت إيران صواريخ باليستية كُتب عليها بالعبرية "يجب محو إسرائيل من صفحات التاريخ". لم تكن هذه الكتابة ساخرة، كانت شعاراً سياسياً مباشراً يتعامل مع الصاروخ بوصفه حاملاً لشعار، وبوصفه منصة خطابية وليس مجرد منصة إطلاق.
ومنذ اتساع الحرب بين إسرائيل وأميركا من جهة وإيران من جهة أخرى في فبراير (شباط) الماضي، تداولت وسائل إعلام عدة في مارس (آذار) الماضي صوراً وتقارير عن إرفاق أو لصق عبارات لرئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز على صواريخ متجهة من إيران إلى إسرائيل، بينها توصيفه الحرب بأنها غير قانونية أو لا إنسانية، مع وضع صورة له.
وظهرت مواد مصورة وحسابات دبلوماسية إيرانية تتحدث عن كتابة رسائل شكر على بعض الصواريخ قبل إطلاقها ضمن موجات القصف باتجاه إسرائيل والقواعد الأميركية في الدول العربية. العبارات المتداولة والمرتبطة بصور نشرتها القنصلية الإيرانية في مومباي كانت من نوع "شكراً شعب الهند" و"شكراً للشعب الألماني"، مع شكر أيضاً لشعوب إسبانيا وباكستان، كذلك ظهرت مقاطع للجيش الإيراني تُظهر كتابة رسائل على الصواريخ قبل الإطلاق، في إطار حرب رمزية ورسائل دعائية موازية للعمل العسكري.
وقد نشر حساب "إيران بالعربية" على "إكس" في الثالث من أبريل (نيسان) أن الحرس الثوري يرد على أنباء المحادثات الأميركية - الإيرانية بكتابة على طائرة "شاهد" المسيّرة "أنا شاهد 136، ذاهبة نيابة عن الشعب الإيراني إلى تل أبيب لإجراء محادثات"، على شكل سخرية باردة بعد اللغط حول موضوع المفاوضات الأخيرة التي كان يتحدث عنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
بلاغة العنف
ليست الكتابة على المقذوف حركة عفوية تماماً، حتى حين تبدو كذلك، فهي تؤدي وظائف نفسية وسياسية واضحة، وتمنح الفاعل شعوراً بالسيطرة الفردية داخل آلة الحرب الكبرى، وتحوّل العدو إلى مخاطَب رمزي يمكن توجيه النكتة أو الشتيمة أو التهديد إليه، بدلاً من أن يبقى إنساناً فعلياً أو ضحية من لحم ودم يسفك، كذلك تجمّل الفعل في نظر الجمهور الداخلي، فالمقذوف الذي يحمل عبارة يبدو أقل بروداً من قطعة حديد صامتة، كأن اللغة جاءت لتدفئته أخلاقياً، فيما هي في الحقيقة تزيده قسوة لأنها تمنحه قصداً إضافياً.
وهكذا، من المقلاع القديم إلى الخندق الأوروبي، ومن القنبلة الذرية إلى القذائف الإسرائيلية على لبنان، ومن "غيلدا" ريتا هيوارث إلى صواريخ إيران ومسيرة شاهد، نرى الخيط نفسه يتكرر بإصرار كئيب، حين لا يكتفي السلاح أن يكون أداة قتل، ويريد اسماً وتوقيعاً وطرفة سمجة أو شتيمة أو شعاراً أو اقتباساً سياسياً.
والعبارة على القذيفة ليست تفصيلاً صغيراً، إنها اعتراف بأن العنف لا يكتفي بالفعل، ويجنح نحو البلاغة أيضاً، والحرب حين تنحدر إلى هذا المستوى من الاستعراض تسلب الناس حياتهم وتسرق اللغة نفسها من وظائفها القديمة.
القذيفة قطعة ديكور
على المقلب الآخر، رحلة مختلفة للمقذوف لا تنتهي دائماً عند الانفجار، فما ينجو منه ويُجمع من بقاياه، يدخل في حياة أخرى تكاد تكون نقيضاً كاملاً لبدايته، تدوير يدخل حياة من نوع آخر.
توثق مواد أرشيفية ودراسات ميدانية عن فن الخنادق في الحرب العالمية الأولى، أن الجنود والمدنيين كانوا يحولون أغماد القذائف الفارغة إلى مزهريات مزخرفة، محفورة بالنقوش والزهور، تهدى أو تباع كتذكارات. وفي مناطق مختلفة من العالم استخدمت هذه البقايا في الزراعة كأوعية، أو أُذيبت وبِيع معدنها خصوصاً النحاس منها كمادة خام. ويتذكر اللبنانيون بيوتاً كثيرة كانت فراغات القذائف جزءاً لا يتجزأ من الديكور بأحجام وأشكال مختلفة، حتى إن بعضهم كتب عليها أين وجدها والمناسبة أو بالأحرى الحرب التي حصل فيها عليها، وتركها ورثة لأولاده الذين عاشوا المشهد طويلاً في طفولتهم، ولكن يبدو أن هذا المشهد الحربي المتمركز في البيوت والقلوب بات يندثر مع انتهاء الحرب ومحاولة لإرساء سلام في النفوس، فتخلّص الأولاد من بقايا ذاكرة الحرب ومن مشهدها المتمثل في القذائف الفارغة التي تحمل في داخلها ذاكرة وظيفتها الأولى، واستبدلوا بها ديكوراً يشبه الرخاء الموعود.
اندبندنت عربية
المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=199&id=205162