اقتصاد الخليج في قبضة اللاسلم واللاحرب... صدمة استثمارية وإعادة رسم الرؤى الاستراتيجية
08/05/2026





سيرياستيبس 
 

مع مرور أكثر من شهرين على الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ترجح أغلبية المؤسسات الاقتصادية الدولية استمرار بيئة "اللاسلام واللاحرب" في المنطقة لفترة طويلة حتى لو تم التوصل لاتفاق مبدئي بين الأطراف المتصارعة، بما يرفع من مستويات عدم اليقين ويضغط على قرارات الاستثمار الأجنبي المباشر في دول الخليج، ما سلط الضوء على تداعيات ذلك على اقتصادات المنطقة ومشاريعها الكبرى في إطار رؤاها الاستراتيجية لتنويع مصادر الإيرادات.
ومن أبرز تلك التداعيات، تراجع عدد الصفقات الاستثمارية في الربع الأول من عام 2026 مقارنة بالفترة المماثلة من عام 2025، حسب تقرير نشرته منصة "Ion Analytics" المتخصصة في معلومات السوق في 8 إبريل/ نيسان الجاري، مشيراً إلى أن الكثير من مشاريع الفروع الجديدة للعلامات التجارية انتقل إلى "وضع الانتظار" في المدى القصير في دول الخليج.
إزاء ذلك، فإن مشروعات الرؤى الاستراتيجية لدول الخليج ليست بمعزل عن تأثيرات هذه الأجواء غير المستقرة، بحسب تقرير صندوق النقد الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى لشهر إبريل، لافتاً إلى أن الرسوم البيانية لتدفقات الاستثمار الأجنبي (FDI) إلى دول الخليج ستكون في حاجة للمراجعة بمقارنة البيانات قبل اندلاع الحرب وبعده، فضلاً عن توظيف جداول تقنية لبيان الارتفاع الحاد في أقساط التأمين ضد المخاطر الأمنية.

تحركات الحكومات الخليجية
واستجابة لهذا التطور، تعكس تحركات الحكومات الخليجية القريبة توجهات نحو تخفيف بعض الالتزامات الخارجية والتركيز على المحلي، ومنها السعودية؛ حيث أعلن صندوق الاستثمارات العامة (PIF) في خطته الخماسية (2026–2030) تخصيص حوالي 80% من استثماراته للتنمية المحلية و20% فقط لاستثمارات خارجية.

وتشير تقديرات بنوك استثمار دولية إلى احتمالية انكماش تدفقات الاستثمار الأجنبي بدول الخليج بنسبة تتراوح بين 60% و70% خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026، ما يعكس حالة الحذر الشديد لدى المستثمرين المؤسسيين تجاه استدامة المشاريع العملاقة مثل "نيوم" و"ذا لاين" في ظل بيئة أمنية متوترة تشهد استهدافاً متكرراً لمنشآت الطاقة الحيوية، حسبما أورد تقرير نشرته منصة "The Morning Context" المعنية بشؤون المال والأعمال في الأسواق الناشئة في 29 إبريل.
وفي ظل هذا المشهد، برزت مطالبة المستثمرين بـ "ضمانات سيادية" إضافية شرطاً أساسياً للاستمرار في تمويل المشاريع الكبرى؛ حيث لم تعد الحوافز الضريبية والتشريعية التقليدية كافية لتعويض مخاطر "القوة القاهرة" الناتجة عن الصراع الإقليمي. وتتخذ هذه الضمانات شكل التزامات قانونية مباشرة من الحكومة المضيفة لتعويض المستثمرين عن الخسائر الناجمة عن الاضطرابات السياسية، أو عدم القدرة على تحويل العملات، أو تضرر الأصول نتيجة العمليات العسكرية.
وتُعامل هذه الضمانات محاسبياً كالتزامات محتملة في ميزانية الدولة، تزيد من تكاليف الاقتراض الحكومي ولكنها تظل الأداة الوحيدة المتاحة لطمأنة الجهات التمويلية الدولية في المشاريع الاستراتيجية مثل الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة، حسبما أورد تقرير نشره موقع الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA) في 23 إبريل الماضي.

ارتفاع المخاطر الجيوسياسية في الخليج
في هذا الإطار، يؤكد الخبير الاقتصادي، حسام عايش، لـ "العربي الجديد"، أن الظروف القائمة في المنطقة تعد من أعقد الحالات عالمياً في القرن الجديد، حيث تبدو الدول الخليجية رهينة للصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل اقتصاداتها الضحية الرئيسية لهذه الاشتباكات، لافتاً إلى أن توقف حركة شحن النفط عبر مضيق هرمز وتعطيل التجارة الدولية يؤديان إلى شل العديد من الأنشطة والمشاريع الاستثمارية، خاصة تلك المرتبطة برؤى دول مجلس التعاون الخليجي ومشاريع التنويع الاقتصادي والطاقة والسياحة والبتروكيميائيات والذكاء الاصطناعي، والتي تتأثر سلباً بارتفاع المخاطر الجيوسياسية في وضع إقليمي يتأرجح بين اللاسلم واللاحرب.
ويضيف عايش أن المعطيات الاقتصادية والأمنية والجيوستراتيجية تغيرت بالكامل، ما يستدعي إعادة تقييم الوضع الاستثماري في دول الخليج التي كانت تتمتع بتصنيفات ائتمانية عالية، إذ إن التدفقات الاستثمارية الأجنبية المباشرة قد تتراجع أو تخضع لإعادة نظر بسبب تحول المنطقة إلى بيئة استثمارية مرتفعة المخاطر.


ويرتب هذا التحول، حسب الخبير الاقتصادي، علاوة مخاطر جيوسياسية إضافية تزيد من العائد المطلوب من المستثمرين مقابل العمل في بيئة غير مستقرة، ما يرفع كلفة التأمين والتمويل ويؤخر بعض الاستثمارات، غير أن المتانة المالية للدول الخليجية واحتياطياتها وصناديقها السيادية تمكنها من امتصاص الصدمة والحفاظ على جاذبيتها الاستثمارية. ويخلص عايش إلى أن الضمانات السيادية المتاحة بدول الخليج تظل قائمة، لكن التركيز ينصبّ حالياً على تأمين المخاطر السياسية والأمنية الناتجة عن الحرب.

تأثير تداعيات الحرب
في السياق، يشير الخبير الاقتصادي، محمد الناير، لـ "العربي الجديد"، إلى أن السعودية قطعت شوطاً كبيراً في تنفيذ رؤية 2030، غير أن هذا التنفيذ لم يكتمل بعد بشكل نهائي، وهو حال ينطبق أيضاً على الرؤى التنموية في دول الخليج الأخرى، مشيراً إلى أن تداعيات الحرب التي بدأت قبل شهرين أثرت سلباً وبشكل كبير، حيث كان إغلاق مضيق هرمز العامل الأكثر ضرراً على البنية التحتية والمشاريع الكبرى.
فمضيق هرمز يكتسب أهمية استراتيجية قصوى، وفق الناير، كونه ممراً لنحو 20 مليون برميل نفط يومياً، أي ما يعادل 20% أو أكثر من الاستهلاك العالمي، وثلث احتياجات الغاز العالمية، بالإضافة إلى 25% من حجم التجارة الخارجية، ما جعل إغلاقه عقبة رئيسية أمام سلاسل الإمداد وألحق أضراراً جسيمة بمعظم دول الخليج.
غير أن الناير لا يتوقع أن تطول فترة إغلاق المضيق، وأن يتم الوصول إلى تسوية أو توافق يضمن إعادة فتحه وانسياب التجارة بشكل طبيعي، ما يسمح لدول الخليج باستعادة قدراتها وإمكاناتها الاقتصادية، وهو شرط أساسي لاستقرار الأسواق وعودة الثقة، حسب تقديره.
ويحتاج الأمر إلى وقت لإعادة الأسعار إلى وضعها السابق قبل اندلاع الحرب وجذب المستثمرين مرة أخرى، حسبما يرى الناير، معتبراً أن إغلاق مضيق هرمز يبقي التحدي الأكبر أمام دول الخليج رغم تفاوت درجة الضرر في ما بينها، ما يفرض إعادة النظر في الاستراتيجيات المستقبلية لاقتصاداتها. ويخلص الناير إلى ترجيح عمل دول الخليج في المرحلة القادمة على تفادي مثل هذه الصدمات من خلال تنويع مصادر الإيرادات وعدم الاعتماد الكلي على النفط والغاز، لبناء مرونة اقتصادية تحمي الاقتصادات من التقلبات الجيوسياسية المفاجئة.

 العربي الجديد



المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=131&id=205567

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc