حول الهوية : الدولة والسلطة والهوية والعصبية
09/05/2026




سيرياستيبس 
كتب الدكتور دريد درغام في صفحته على الفيس بوك:
كانت تجمعات البشر (عشيرة، قبيلة، منطقة، بلد، أمة) بحاجة دائمة لإيجاد خصم يحث أفرادها على التلاحم. وارتبط الخصم في الماضي بصراع على الأرض أو المال. مع الزمن لم يعد الخصم مرتبطاً بالجغرافيا أو هموم الحاضر فقط. أصبح الخصم روحاً يكتبها التاريخ أو يصنعها الحاضر والخيال لاستحضارها عند الضرورة لتجميع المتنافرات في وجه المؤامرة وهواجس التغيير. وهنا لا بد من التمييز بين المصطلحات التالية:
ا- الدولة: يعرفها اليونان بأنها الشكل المثالي للمجتمع الذي يعيش في جغرافيا معينة لأنه يسمح له بتلبية احتياجاته الدينية والثقافية والسياسية والاقتصادية، ويتشارك أفراده لغة وثقافة وتاريخاً مشتركاً. وارتبط الشأن العام (Res publica) لدى الرومان بمعرفة حقوق وواجبات مواطنيهم. وتطور المفهوم من حق الملك في الحكم (للحد من بطش الفلتان البشري إن غابت الدولة) إلى عقد اجتماعي “طوعي” وصولاً إلى اعتبار القانون ترجمة للإرادة العامة للمحكومين وليس تحكماً فيهم.
ب- السلطة: مجموعة المؤسسات والإجراءات التي يتم من خلالها التحكم والسيطرة على السكان باستخدام مختلف أنواع الأساليب بما فيها المحسوبيات والمكافآت والدبلوماسية والتفاوض والتدجين أو التضليل أو الابتزاز وصولاً إلى القوة الفجة.
ج- الهوية: مجموعة الخصائص التي تميز فرداً أو جماعة أو تجمعاً بما في ذلك اللغة والنسب والدين والتاريخ والثقافة فتمنح الإنسان شعور الانتماء والاستقرار. ويمكن للهوية أن تبنى من الصفر (بالتحالفات مثلاً) أو أن تورَّث (بالنسب). فإن وُجدت يتكون لدى الفرد شعور بالفخر أو الاعتزاز نتيجة الانتماء.
د- العصبية: رابطة ولاء تمنح للمنتمين للجماعة (قبيلة، حزب، عرق، طائفة، دين) الأفضلية على غير المنتمين لها. فالعصبية لا تتعب الفكر لأنها تعتبر المجموعة على حق دوماً وغيرها مخطئ. يصعب على الإنسان العادي التخلي عن العصبية لأنه يتطلب عقلاً منفتحاً يقبل الاختلاف. وبغياب الإنجازات الفردية تصبح جاهزية الجماعة للنفير دون تفكير مصدر الفخر والأمان لمن ينتمي إليها بعيداً عن تعقيدات الدولة البيروقراطية. فإذا انتشرت الفوضى أو ضعفت الدولة المركزية، تصبح العصبية أسرع وسيلة لجمع الأنصار وبناء القوة الضاربة من أجل الأمن أو الاستيلاء على الحكم. وهذا لا يعني بالضرورة بناء الدولة الذي يتطلب ذوبان العصبية بالقانون ومساواة السكان دون أي امتيازات استثنائية، وإلا ستبقى الدولة هشة.
وبرأي ابن خلدون العصبية أساسٌ لتكوين الجماعات. وتكون إيجابية إذا بقيت وسيلة لإنتاج الوعي الجماعي والهوية السياسية وتكوين الدولة. أما إذا أصبحت هدفاً ستؤدي إلى الانهزامية والتفكك والاستبداد أو السقوط فتصبح سلبية. في أجواء الاستقطاب وشحن العصبيات والتطرف تُمحى شخصية الفرد ويصبح عنصراً بلا عقل في قطيع يؤجج الزعماء عصبيته، وتزدد مخاطر التأجيج كلما صعب على الزعماء الاعتراف بالأخطاء أو مراجعتها وعندئذ يحصل الأفراد على شعارات الفخر والعزة بينما يحصد الزعماء المصالح والنفوذ.
ويسهل اندماج العصبيات ببعضها إذا وجدت عدواً مشتركاً فالخوفُ أسرع المحفزات. منذ آلاف السنين، لماذا لم يتمكن السوريون من تحويل عصبياتهم إلى هوية وطنية جامعة؟



المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=131&id=205578

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc