الحرب تُخيف مصارف الخليج... السيولة تحت الاختبار
15/05/2026





سيرياستيبس 
 

بدأت معالم ضغوط ائتمانية ملموسة تلوح في أفق النظام المصرفي لدول مجلس التعاون الخليجي، مدفوعة بتصاعد التوترات الجيوسياسية التي أدت إلى تعطّل ممرات التجارة والطاقة الحيوية، لا سيما مع إغلاق مضيق هرمز، الذي ألقى بظلاله على آفاق النمو الاقتصادي غير النفطي، مسلطاً الضوء على خطر "عدوى التعثّر" الناتجة عن تداعيات الحرب، إذ يؤدي تأخّر المدفوعات الحكومية للمقاولين، وتوقف قطاع السياحة، إلى زيادة القروض المتعثرة.
وتشير التقديرات الائتمانية الحديثة إلى أن خطر "عدوى التعثر" يبرز حالياً بوصفه أهم تهديد لجودة الأصول، حيث يساهم تراجع التدفقات النقدية في فرض ضغوط متزايدة على ميزانيات الشركات، ما قد يدفع معدلات القروض المتعثرة إلى الارتفاع عن مستوياتها الحالية البالغة 2.5% لتصل إلى نحو 7% في سيناريوهات الضغط الشديد، حسبما أورد تقرير نشرته "ستاندرد آند بورز" في 16 مارس/آذار الماضي، منوهاً بأن هذا التحول يستلزم تدخلات استباقية حاسمة من البنوك المركزية لضمان عدم تحول نقص السيولة المؤقت لدى الشركات إلى حالات تعثّر دائم تهدد الاستقرار المالي الكلي.
ويمثل قطاعا السياحة والطيران، اللذان شكلا محركاً رئيسياً للتنويع الاقتصادي في دول الخليج، الجبهة الأكثر تأثراً بالنزاع الحالي، حيث تشير البيانات الرسمية إلى احتمال تراجع عدد الزوار الدوليين للمنطقة بنسبة تصل إلى 27%، ما قد يؤدي إلى خسائر في الإنفاق السياحي تقدر بنحو 56 مليار دولار.
وبالتوازي مع ذلك، يواجه قطاع الإنشاءات تحديات حادة نتيجة تأخر المدفوعات الحكومية للمقاولين، مع إعادة توجيه بعض التدفقات المالية نحو تعزيز المصدات الدفاعية، وهو ما يضع المقاولين تحت ضغط عجز السيولة اللازمة لخدمة الديون، حسبما أورد تقرير نشرته منصة معهد المحاسبين القانونيين في إنجلترا وويلز (ICAEW) المعنية بالتحليلات الاقتصادية والقطاعية، في 31 مارس/آذار الماضي، مشيراً إلى أن البيانات المالية تُظهر أن النظام المصرفي الخليجي يدخل هذه المرحلة بمصدات قوية، إلا أن استمرار الحرب يرفع من مخاطر "الارتباط المتبادل"، إذ تؤدي تعثرات الشركات الكبرى إلى سلسلة من الإخفاقات في سلاسل الإمداد.



واستجابة لهذه المخاطر، بدأت البنوك المركزية الخليجية تنفيذ إجراءات استباقية لتعزيز السيولة ومنع انكماش الائتمان، شملت قيام بنك قطر المركزي بتوفير تسهيلات "ريبو" (Repo) غير محدودة، بينما سمح مصرف الإمارات المركزي للبنوك بالوصول إلى 30% من احتياطياتها النقدية الإلزامية.
كما تضمنت السياسات خفض متطلبات نسب تغطية السيولة (LCR) وصافي التمويل المستقر (NSFR) من 100% إلى 80% في الكويت والإمارات وقطر، ما يمنح البنوك مرونة أكبر في ضخ الأموال للشركات المتضررة، حسبما أورد تقرير نشرته منصة "ألفاريز آند مارسال" (Alvarez & Marsal) المتخصصة في الاستشارات المالية وإدارة المخاطر، في 5 إبريل/نيسان الماضي، معتبراً هذه الخطوات "وقائية" بهدف طمأنة الأسواق وضمان استمرار تدفق الائتمان إلى القطاع الخاص رغم ارتفاع تكاليف التأمين والمخاطر التشغيلية المرتبطة بتداعيات الحرب.
وفي السياق، قال رئيس اتحاد مصارف الإمارات، عبد العزيز الغرير، إنه لا أساس للمخاوف من زيادة خروج رؤوس الأموال من البلاد ونقص الدولار بسبب حرب إيران، وذلك ‌في وقت تسعى فيه الإمارات إلى إبرام اتفاق لمقايضة العملات مع الولايات المتحدة. وأكد الغرير في مؤتمر صحافي، أول من أمس الأربعاء، عدم وجود مبرر للمخاوف بشأن خروج رؤوس الأموال، ووصف الوضع بأنه جيد بشكل عام، مع خروج بعض الأموال ودخول غيرها، حسب وكالة رويترز.

ضمان توفير السيولة
يؤكد الخبير الاقتصادي والمدير العام السابق بالبنك المركزي العراقي، محمود داغر، لـ"العربي الجديد"، أن المصارف المركزية في دول المنطقة تواجه تحدياً جوهرياً يتمثل في إدارة حالة عدم اليقين الكبير وتعطل الأسواق خلال الأزمات الشديدة، خاصة مع تداعيات الحرب، ما يستدعي تدخلاً حاسماً لضمان استقرار النظام المالي ومنع انهيار الثقة الاقتصادية.


ويوضح داغر أن المصارف المركزية تلعب دوراً محورياً في تحفيز القطاع المصرفي لتجنّب تأثر المواطنين سلباً بالأزمة، من خلال توفير مصادر سيولة كافية للمصارف لتمكينها من الوفاء بالتسديدات والالتزامات المالية، مع الحرص على دعم القدرة الشرائية للمواطن قدر الإمكان. ويشير داغر إلى أن الجهود الأساسية للمصارف المركزية الخليجية في هذه المرحلة تتركز على تعزيز متانتها، وحمايتها من الصدمات الخارجية والداخلية، لضمان استمرارية العمل المصرفي، والوفاء بالالتزامات الحكومية، بما فيها التزامات المقاولين.

الإمارات الأكثر تأثراً في دول الخليج
في السياق، يشير الخبير الاقتصادي والمستشار المالي، علي أحمد درويش، إلى أن تداعيات الحرب على الأنظمة المصرفية في دول الخليج تتفاوت بحسب خصوصية كل اقتصاد، حيث تتأثر الإمارات العربية المتحدة بشكل مباشر وأكثر من غيرها، بسبب الاعتماد الكبير على القطاع السياحي، الذي يشكل ما بين 13% و15% من الناتج المحلي، لافتاً إلى أن هذا القطاع تعرض لضربة قوية أدت إلى تراجع حاد في التدفقات النقدية. وإزاء ذلك، تواجه المصارف الخليجية اختباراً غير مسبوق لم تكن نتائجه متوقعة في التقييمات السابقة، بحسب درويش، ما يدفعها إلى اتخاذ إجراءات استباقية لمنع استنزاف السيولة، أبرزها إعادة جدولة الديون المستحقة بعناية لتجنب حالات التعثر والإفلاس "التي قد تتراكم ككرة الثلج"، حسب تعبيره، بالإضافة إلى مراقبة دقيقة للقطاعات المنتجة وغير المنتجة لتقييم المخاطر المحتملة. وتنعكس هذه الضغوط، وفق درويش، على سياسات التوظيف والإنفاق داخل القطاعات المتأثرة، حيث تلجأ بعض الشركات والفنادق إلى تسريح جزء من الموظفين، أو إعادة هيكلة عملياتها تحت مسمى "إعادة التموضع" لتقليل التكاليف، بينما تتجه المصارف نحو وقف توزيع أرباح المساهمين، بناءً على توجيهات حكومية تهدف إلى تعزيز الاحتياطيات وزيادة السيولة الداخلية.
من جانبها، تعمل المصارف على تكوين مخصصات للديون المشكوك في تحصيلها من الأرباح المحتجزة، لضمان قدرتها على الاستمرارية في حال انهيار بعض القطاعات أو تفاقم التعثرات، مع التركيز المستمر على مراقبة مؤشرات كفاية رأس المال ونسبة الملاءة وجودة الأصول، التي قد تتأثر بتراجع التدفقات النقدية للشركات، وفق تحليل درويش. وتخضع هذه المؤشرات لتقييمات شهرية مكثفة، في ظل مرحلة الخطر الحالية، حيث يتعامل القطاع المالي بصيغة استثنائية خارجة عن الأطر التقليدية المتوقعة، بحسب درويش، لافتاً إلى أن هذه الإجراءات الاحترازية ستستمر على الأرجح حتى ينخفض منسوب التوتر، أو يستقر الوضع الأمني في المنطقة.

العربي الجديد



المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=126&id=205681

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc