التداوي الذاتي وصرف الأدوية دون وصفة.. ظاهرة تتسع ومخاطر تتفاقم
24/06/2026
سيرياستيبس
لا يزال الحصول على الأدوية من دون وصفة طبية ممارسة شائعة لدى شريحة من السوريين، الذين يقصدون الصيدليات بحثاً عن علاج سريع لأعراض صحية مختلفة، مستندين إلى تجارب سابقة أو نصائح متداولة، ورغم سهولة هذا الخيار وسرعة الوصول إليه، يحذر العاملون في القطاع الصحي من مخاطره، لما قد يسببه من تشخيص غير دقيق أو استخدام غير آمن للأدوية، فضلاً عن مخالفته للأنظمة الناظمة لعمل الصيدليات.
ويُعد تعزيز الوعي بمخاطر التداوي الذاتي وتشجيع مراجعة الأطباء والمختصين قبل تناول الأدوية من العوامل الأساسية للحد من الاستخدام غير الآمن للأدوية وضمان حصول المرضى على العلاج المناسب، وتجنب المضاعفات التي قد تنجم عن الاجتهادات الفردية في التعامل مع الأمراض.
وفي هذا السياق، يرى الشاب محمد قويدر أن انتظار الحصول على موعد لدى الطبيب قد يستغرق أياماً، في حين توفر الصيدلية حلاً أسرع وأقل كلفة للمرضى، مشيراً إلى أن استشارة الصيدلي مجانية مقارنة بالأعباء المالية التي تترتب على مراجعة العيادات الطبية.
ويقول: ” في حالات الأعراض الشائعة كالصداع البسيط أو الزكام، لا أرى ضرورة للذهاب إلى العيادة”، موضحاً أن كثيراً من الأدوية المصنفة ضمن فئة الأدوية التي تُصرف من دون وصفة طبية “تعد آمنة عند استخدامها لفترات محدودة ووفق التعليمات الموصى بها”، لكنه يؤكد أن الخطورة تظهر عند استخدام المضادات الحيوية أو المسكنات القوية من دون استشارة طبية.
ويضيف أن انتشار الصيدليات في مختلف الأحياء وتوفرها لساعات طويلة، وأحياناً على مدار الساعة، يسهل حصول المرضى على الأدوية والمشورة الدوائية من مكان واحد، دون الحاجة إلى حجز مواعيد مسبقة أو انتظار طويل.
كما يرى أن الصيدلي يمتلك خبرة علمية في مجال الأدوية تمكنه من تقديم الإرشادات المناسبة في بعض الحالات البسيطة، مثل اختيار مسكن للآلام أو مستحضر لعلاج الحساسية الجلدية، إلا أن تشخيص الأمراض وتحديد أسباب الأعراض يبقى من اختصاص الطبيب، نظراً لتشابه أعراض كثير من الأمراض واحتمال أن يؤدي التشخيص الخاطئ إلى تأخير العلاج أو حدوث مضاعفات صحية.
من جهتها، تقول مها حلاق إن والدتها تعاني من ارتفاع ضغط الدم والسكري، إضافة إلى اعتلال في عضلة القلب، مشيرة إلى أنها اعتادت مراجعة الصيدلية حاملة علبة الدواء السابقة للحصول على العلاج ذاته من دون الحاجة إلى وصفة جديدة في كل مرة.
وتوضح أن هذا الإجراء يخفف عن الأسرة عناء مراجعة الطبيب بصورة شهرية، خاصة أن العيادة تقع في منطقة بعيدة، إلى جانب ارتفاع تكاليف المعاينات الطبية، مؤكدة أن والدتها تراجع الطبيب مرة كل ثلاثة أشهر لإجراء الفحوص الدورية ومتابعة حالتها الصحية.
لماذا يلجأ المرضى إلى الصيدليات؟
أكد نقيب صيادلة ريف دمشق الدكتور أيمن العبود، في تصريح ، أن اعتماد المواطنين على الصيدليات مرتفع نسبياً، باعتبارها الجهة الصحية الأقرب والأكثر سهولة للوصول، موضحاً أن كثيراً من المراجعين يقصدون الصيدلي للحصول على المشورة في الحالات الصحية البسيطة أو للاستفسار عن كيفية استخدام الأدوية قبل مراجعة الطبيب.
وأشار إلى أن زيادة الاعتماد على الصيدليات خلال السنوات الأخيرة تعود إلى عدة عوامل، من أبرزها انتشارها وسهولة الوصول إليها، وانخفاض كلفة الاستشارة مقارنة ببعض الخدمات الطبية، إضافة إلى الازدحام في المرافق الصحية وطول فترات الانتظار، فضلاً عن الثقة التي يوليها المواطنون للدور العلمي والمهني الذي يؤديه الصيدلي.
وأوضح أن الصيدلي مخول بتقديم المشورة الدوائية والصحية المتعلقة بالاستخدام الصحيح للأدوية والوقاية من الأمراض والتعامل مع الحالات البسيطة، في حين يبقى تشخيص الأمراض ووصف الأدوية التي تتطلب وصفة طبية من اختصاص الطبيب، مع التزام الصيدلي بالتقيد بالقوانين والأنظمة النافذة عند صرف الأدوية.
وأضاف أن أبرز المخالفات التي يتم رصدها تتمثل في صرف أدوية تستوجب وصفة طبية دون وجود وصفة معتمدة، وعدم الالتزام بشروط حفظ الأدوية، أو ممارسة أنشطة مهنية مخالفة للتشريعات، إلى جانب بعض المخالفات الإدارية المرتبطة بالسجلات والرقابة الدوائية.
التداوي الذاتي ومخاطره
وحذر العبود من مخاطر صرف الأدوية دون وصفة طبية، لما قد يترتب عليه من تشخيص غير دقيق للحالة الصحية وتأخير العلاج المناسب، إضافة إلى احتمال حدوث مضاعفات وآثار جانبية خطيرة، وزيادة مقاومة المضادات الحيوية نتيجة الاستخدام غير الرشيد لها.
وأوضح أن تقدير حجم هذه الظاهرة يختلف بحسب الدول والجهات الرقابية، وغالباً ما تستند الجهات المختصة إلى نتائج الجولات التفتيشية والشكاوى الواردة لرصدها، مؤكداً أهمية إجراء دراسات دورية أكثر شمولاً لتقييم حجمها بصورة دقيقة.
وأكد أن النقابة تستقبل الشكاوى عبر القنوات الرسمية وتحيلها إلى الجهات المختصة للتحقق منها، وفي حال ثبوت المخالفة تُتخذ الإجراءات القانونية أو التأديبية المناسبة بحسب طبيعتها.
وأشار إلى أن بعض الصيادلة يواجهون ضغوطاً من مراجعين يصرون على الحصول على أدوية تتطلب وصفة طبية، اعتقاداً منهم بأنها آمنة أو نتيجة استخدامهم السابق لها، ما يجعل إقناعهم بضرورة مراجعة الطبيب أمراً صعباً في بعض الأحيان.
ورأى أن التشريعات الحالية توفر إطاراً قانونياً مهماً لتنظيم المهنة، إلا أن فاعليتها ترتبط بحسن التطبيق واستمرار الرقابة، مؤكداً أن التطورات الصحية والتكنولوجية تستدعي مراجعة دورية للأنظمة الناظمة بما يواكب المتغيرات.
ودعا إلى تكثيف الرقابة والتفتيش، وتعزيز برامج التعليم والتدريب المستمر للصيادلة، وتطوير أنظمة الوصفات الطبية الإلكترونية، ورفع مستوى الوعي المجتمعي بمخاطر الاستخدام العشوائي للأدوية، إلى جانب تشديد العقوبات بحق المخالفات الجسيمة.
وأشار العبود إلى أن النقابة تنفذ حملات توعوية وبرامج تثقيفية تركز على الاستخدام الآمن للأدوية، وخطورة التداوي الذاتي، وأهمية الالتزام بتعليمات الطبيب والصيدلي، بما يسهم في تعزيز الصحة العامة.
كما دعا المواطنين إلى التعامل مع الأدوية بوصفها مواد علاجية قد تنطوي على مخاطر عند إساءة استخدامها، مؤكداً ضرورة استشارة المختصين وعدم تناول أو صرف الأدوية دون حاجة طبية أو إشراف مهني حفاظاً على الصحة والسلامة.
أكثر الحالات حضوراً في الصيدليات
بدوره، أوضح الصيدلي عثمان رمضان، العامل في منطقة الغزلانية بريف دمشق، أن أكثر الحالات التي تراجع الصيدليات تتمثل بالإصابة بالرشح والتهابات اللوزات وارتفاع الحرارة، إضافة إلى حالات الإسهال التي تزداد خلال فصل الصيف، في حين تكثر خلال فصل الشتاء التهابات الطرق التنفسية والتهابات اللوزات.
وأشار إلى أن غالبية الاستشارات التي يتلقاها تتعلق بالمرضى كبار السن، حيث تتركز أسئلتهم حول مواعيد تناول الأدوية والتداخلات الدوائية، ولا سيما بين أدوية الأمراض المزمنة مثل أدوية القلب والسكري، والفترات الزمنية الواجب تركها بين الجرعات المختلفة.
وأفاد رمضان بأنه لا يتعرض عادة لضغوط كبيرة من المرضى، موضحاً أن بعض المراجعين يطلبون وصف علاج مباشر لحالاتهم، فيما يحضر آخرون بوصفات طبية معتمدة، مشدداً على أن الأدوية التي تتطلب وصفة طبية لا يمكن صرفها من دون وصفة أصولية، مؤكداً أن هذا الأمر غير قابل للتجاوز.
وبيّن أن الحالات التي تحتاج إلى تقييم طبي مباشر تُحال فوراً إلى الطبيب المختص، خاصة عند الاشتباه بأعراض تستدعي تدخلاً عاجلاً، مثل أعراض التهاب الزائدة الدودية أو احتشاء عضلة القلب، لضمان حصول المريض على التشخيص والعلاج المناسبين في الوقت المناسب.
وأضاف أن عملية صرف الأدوية لا تواجه صعوبات كبيرة من ناحية الصيدليات نظراً لوضوح القوانين والتعليمات الناظمة للعمل، لافتاً إلى أن بعض الإشكالات تنشأ بسبب عدم وضوح بعض الوصفات الطبية أو عدم تحديد مدة العلاج بشكل دقيق في بعض الحالات.
كما لفت إلى وجود شريحة من المواطنين تستخدم بعض الأدوية بشكل متكرر ومن دون حاجة فعلية، اعتقاداً منهم بأنها غير ضارة، موضحاً أن المسكنات ومضادات الالتهاب تعد من أكثر الأدوية طلباً، ومن بينها الباراسيتامول والإيبوبروفين ومستحضرات الديكلوفيناك بمختلف أشكالها.
أدوار متكاملة واختصاصات مختلفة
وأشار رمضان إلى أن نسبة الحالات التي يحيلها الصيدلي إلى الطبيب تختلف بحسب طبيعة المنطقة والمراجعين، وقد تتراوح في بعض الأحيان بين 10 و20 بالمئة.
وأضاف أن الوعي الصحي لدى المواطنين شهد تحسناً نسبياً خلال السنوات الأخيرة، إلا أن كثيرين ما زالوا يفضلون استشارة الصيدلي قبل مراجعة الطبيب، خاصة عند ظهور أعراض جديدة أو غير مألوفة.
وأكد وجود فروقات بين الريف والمدينة في أنماط المراجعة، موضحاً أن الظروف الاجتماعية والمادية تدفع بعض المواطنين إلى اللجوء إلى الصيدليات قبل مراجعة الطبيب، كما أن ارتفاع تكاليف المعاينات الطبية أسهم في زيادة الاعتماد على الصيدلي للحصول على المشورة الصحية الأولية، مع التأكيد على أن بعض الحالات لا يمكن التعامل معها إلا من خلال الطبيب المختص.
من جانبه، أوضح الطبيب عبد الله محمد النعسان، اختصاصي الجراحة العامة والتنظيرية، في حديثه ، أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة دفعت كثيراً من المرضى إلى مراجعة الصيدليات بدلاً من الأطباء، نتيجة ارتفاع تكاليف المعاينات الطبية والإجراءات العلاجية.
وأشار إلى أن ضعف الوعي الصحي يسهم أيضاً في انتشار هذه الظاهرة، إذ لا يميز بعض المرضى بين دور الطبيب ودور الصيدلي، وقد يلجؤون إلى الصيدلي طلباً للتشخيص والعلاج، أو يراجعون طبيباً من اختصاص غير مناسب نتيجة عدم الإلمام بطبيعة الاختصاصات الطبية.
وبيّن النعسان أن مهمة الطبيب تبدأ بالاستماع إلى شكوى المريض وإجراء الفحص السريري، ثم طلب التحاليل أو الصور الشعاعية عند الحاجة، وصولاً إلى تشخيص الحالة ووضع الخطة العلاجية المناسبة.
في المقابل، أوضح أن دور الصيدلي يتركز في تقديم المشورة الدوائية والمساهمة في تنفيذ الخطة العلاجية من خلال خبرته بالجرعات الدوائية وخصائص الأدوية وأشكالها الصيدلانية وطرق استخدامها، مؤكداً أهمية وجود الصيدلي كشريك في العملية العلاجية ضمن حدود اختصاصه.
وأضاف أن انتشار هذه الممارسة يعود إلى ثلاثة أسباب رئيسية، هي ضعف القدرة المالية لدى بعض المرضى، وقلة الوعي بالفارق بين اختصاص الطبيب والصيدلي، إضافة إلى تجاوز بعض الصيادلة حدود دورهم المهني من خلال تشخيص المرضى أو اقتراح علاجات لا تدخل ضمن اختصاصهم.
مخاطر صحية متعددة
وأكد أن صرف الأدوية أو استخدامها دون إشراف طبي قد يؤدي إلى عدم حصول المريض على العلاج المناسب، وتأخر تشخيص المرض، وفقدان الثقة بالعلاج الطبي، فضلاً عن المساهمة في زيادة مقاومة الأدوية نتيجة الاستخدام غير الصحيح لها.
وأشار إلى أن الصادات الحيوية تعد من أكثر الأدوية التي تُصرف دون وصفة طبية، ما أسهم في تراجع فعاليتها مع مرور الوقت نتيجة الاستخدام العشوائي، موضحاً أن بعض الجراثيم أصبحت مقاومة لعدد كبير من المضادات الحيوية، الأمر الذي يحد من الخيارات العلاجية المتاحة أمام المرضى المصابين بإنتانات شديدة.
وأضاف أن الأدوية المحتوية على مواد مخدرة أو التي قد تؤدي إلى الإدمان يجب أن تخضع لضوابط صارمة عند صرفها، كما أن استخدام الصادات الحيوية أو الأدوية المحتوية على الكورتيزون ينبغي أن يكون بوصفة طبية وتحت إشراف مختص، لما قد يترتب على استخدامها الخاطئ من مضاعفات صحية ومشكلات علاجية.
كما شدد النعسان على ضرورة التزام كل من الطبيب والصيدلي بحدود اختصاصه المهني، وأن يقوم التعاون بينهما على تبادل الخبرات المتعلقة بالجرعات الدوائية وطريقة إعطاء الدواء وتوقيته، بما يخدم مصلحة المريض ويضمن سلامة العلاج.
وأكد أن أدوية الأمراض المزمنة لا يجوز صرفها أو تعديل جرعاتها دون إشراف طبي، لأن احتياجات المرضى تختلف من شخص إلى آخر، حتى عند الإصابة بالمرض نفسه، ما يستوجب المتابعة الدورية وتقييم الاستجابة للعلاج.
كذلك أكد على أهمية التفريق بين العرض والمرض، موضحاً أن المريض يراجع عادة بسبب عرض صحي معين، بينما يقتصر دور الصيدلي غالباً على المساعدة في التعامل مع الأعراض البسيطة، في حين يهدف العمل الطبي إلى تشخيص السبب الحقيقي للمشكلة الصحية ومعالجته، محذراً من الاكتفاء بتخفيف الأعراض دون البحث عن مسبباتها الأساسية.
ختاماً، تعكس ظاهرة الحصول على الأدوية دون وصفة طبية تداخلاً بين عوامل اقتصادية واجتماعية وصحية، جعلت الصيدلية بالنسبة لكثير من المواطنين محطة أولى للحصول على المشورة والعلاج، ورغم أهمية الدور الذي يؤديه الصيدلي في التوعية الدوائية والإرشاد الصحي، إلا أن تشخيص الأمراض ووضع الخطط العلاجية يبقى من اختصاص الطبيب، حفاظاً على سلامة المرضى وضمان حصولهم على العلاج المناسب.
ومع استمرار هذه الممارسة، تزداد الحاجة إلى تعزيز الوعي المجتمعي بمخاطر التداوي الذاتي، وتطوير آليات الرقابة على صرف الأدوية، إلى جانب دعم التكامل بين الطبيب والصيدلي ضمن الأطر المهنية المعتمدة، بما يسهم في الحد من الاستخدام العشوائي للأدوية وحماية الصحة العامة.
الثورة
المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=127&id=206198