بانياس ممر دولي للطاقة.. أزمة مضيق هرمز تعيد سوريا إلى خريطة النفط
25/07/2026
سيرياستيبس
خلال أشهر قليلة، تحول مسار الصهاريج العراقية التي تعبر الأراضي السورية باتجاه بانياس على الساحل السوري إلى مسار منتظم لنقل مئات الآلاف من أطنان المشتقات النفطية العراقية ومنها إلى أسواق تمتد من البحر المتوسط وصولاً إلى الولايات المتحدة، بعد أن كان هذا المسار مجرد حل مؤقت فرضته أزمة مضيق هرمز.
وفي أحدث تطور، بدأت الولايات المتحدة للمرة الأولى استيراد شحنات من الفيول العراقي نُقلت براً عبر سوريا وأعيد تصديرها من بانياس، في مؤشر جديد على اتساع الخريطة الجغرافية للممر السوري.
وفي حين لا تزال الكميات التي تعبر سوريا محدودة مقارنة بصادرات العراق النفطية الضخمة، يكتسب مسار بانياس أهمية تتجاوز حجمه الحالي، حيث يأتي في وقت دفعت فيه أزمة مضيق هرمز منتجي النفط في الخليج العربي للبحث عن منافذ تتجاوز نقاط الاختناق البحرية، بينما يبحث العراق من جانبه عن تحويل الحلول التي فرضتها الحرب إلى سياسة دائمة لتنويع طرائق تصدير الطاقة.
من العراق إلى الولايات المتحدة عبر بانياس
مطلع نيسان الماضي، دخلت أولى قوافل الفيول العراقي الأراضي السورية عبر معبر التنف، باتجاه خزانات مصفاة بانياس، تمهيداً لإعادة تحميلها على ناقلات بحرية وتصديرها إلى الأسواق العالمية.
حينها ضمت القافلة 299 صهريجاً، في حين أعلنت الشركة السورية للبترول أن الاتفاق يستهدف وصول تدفقات الفيول العراقي إلى نحو 500 ألف طن متري شهرياً بشكل وسطي.
في 15 من الشهر نفسه، بدأت بانياس تحميل أول ناقلة نفط، وهي "ASAHI PRINCESS"، بحمولة بلغت 85 ألف طن من الفيول العراقي، في عملية استغرقت عدة أيام.
بعد ذلك، ارتفع حجم النشاط ارتفع سريعاً، حيث تظهر بيانات الشحن أنه بحلول حزيران 2026، صدّر العراق أكثر من 600 ألف طن من الفيول عبر بانياس خلال شهر واحد، في وقت بلغت فيه مجمل صادرات الفيول من الشرق الأوسط نحو 2.4 مليون طن خلال الشهر نفسه، ما يعني أن كميات النفط العراقية المصدرة عبر الممر السوري تعادل نحو ربع صادرات الفيول الإقليمية خلال الشهر.
في الوقت نفسه، كشف نائب رئيس الشركة السورية للبترول لشؤون النقل والتخزين، أحمد قبه جي، أن ما بين 900 و1000 صهريج عراقي كانت تدخل الأراضي السورية يومياً، وأن عدد الصهاريج التي يجري تفريغها يوازي تقريباً العدد الداخل، بعد تجهيز مواقع استقبال وتخزين في بانياس وحمص وT4 والناصرية.
أيضاً، لم تعد الوجهات مقتصرة على دول المتوسط، حيث حملت ثلاث ناقلات من بانياس بين حزيران وتموز نحو 1.42 مليون برميل من الفيول العراقي باتجاه الولايات المتحدة.
غادرت الناقلة "On Passion" بانياس، في 17 حزيران، محملة بنحو 716.6 ألف برميل، أفرغت منها نحو 487.6 ألف برميل في البهاما، بينما كان مقرراً تفريغ الباقي في ولاية تكساس.
كما حملت الناقلة "Nissos Christina" نحو 288.5 ألف برميل، في حين حملت ناقلة "Green Warrior" قرابة 414.4 ألف برميل، وكلتاهما باتجاه السوق الأميركية، بما يمثل أول شحنات صادرات من الفيول العراقية تغادر سوريا باتجاه الولايات المتحدة.
مسار ولد من أزمة
لا تكمن أهمية التطور في دخول النفط العراقي السوق الأميركية بحد ذاته، فالولايات المتحدة مشتر قديم لمشتقات الطاقة العراقية، حيث تظهر أحدث البيانات السنوية لإدارة معلومات الطاقة الأميركية "EIA" أن الولايات المتحدة استوردت من العراق، خلال عام 2025، ما معدله 249 ألف برميل يومياً من الخام والمنتجات النفطية، بينها 179 ألف برميل يومياً من النفط الخام و70 ألفاً من المنتجات.
كما استوردت الولايات المتحدة في العام نفسه نحو 490 ألف برميل يومياً من الخام من دول الخليج والشرق الأوسط، بما يعادل 8 % من إجمالي وارداتها الأميركية من الخام البالغة 6.2 ملايين برميل يومياً.
لكن الأهمية تكمن في أن هذه الواردات باتت تسلك للمرة الأولى مساراً مختلفاً يصل العراق بالساحل السوري عبر بانياس، قبل أن تعبر المتوسط والأطلسي نحو الولايات المتحدة، وهذا المسار نشأ سريعاً تحت ضغط أزمة مضيق هرمز، التي دفعت العراق إلى تسريع البحث عن منافذ تصدير بديلة تقلل اعتماده على التصدير عبر الخليج العربي.
وقبل الحرب على إيران، كان يعبر المضيق نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط، لكن وكالة الطاقة الدولية تقول إن التدفقات انخفضت إلى متوسط 2.7 مليون برميل يومياً خلال آذار ونيسان وأيار.
ووفق وصف الوكالة، فإن أزمة مضيق هرمز "أكبر اضطراب في إمدادات النفط في التاريخ"، مع تجاوز الخسائر التراكمية لإمدادات منتجي الشرق الأوسط 1.3 مليار برميل.
وبالإضافة إلى ذلك، وفي ذروة الأزمة مطلع نيسان الماضي، ارتفع خام برنت المؤرخ، وهو أحد أهم المعايير الدولية، إلى مستوى قياسي بلغ 144 دولاراً للبرميل، أي أكثر من ضعف مستواه قبل الحرب، كان العراق بين الدول الأكثر تضرراً بسبب اعتماده الكبير على موانئ البصرة المطلة على الخليج العربي.
وقبل أزمة مضيق هرمز، كان العراق يصدر من البصرة نحو 3.6 ملايين برميل يومياً، لكن في آذار 2026، لم تتجاوز مجمل صادرات الخام العراقية نحو 18 مليون برميل طوال الشهر، أي بمعدل يقارب 580 ألف برميل يومياً.
وتراجعت إيرادات التصدير نتيجة لذلك من نحو 6.8 مليارات دولار في شباط إلى نحو 1.9 مليار دولار في آذار، أي أن العراق خسر خلال شهر واحد معظم قدرته المعتادة على الوصول إلى الأسواق.
وتظهر بيانات "S&Pglobal" حجم الصدمة بصورة أوضح، حيث بلغ إنتاج العراق 4.22 مليون برميل يومياً في شباط 2026، لكنه هبط إلى أقل من مليوني برميل يومياً بين آذار وحزيران بسبب محدودية منافذ التصدير البديلة، ما جعل البحث عن طرق لا تمر عبر مضيق هرمز تحتل أولوية صانعي السياسيات في العراق.
لم يكن العراق وحده الذي بدأ البحث عن طرق تصدير بديلة، حيث رفعت المملكة العربية السعودية صادراتها عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر من نحو مليوني برميل يومياً قبل الحرب إلى أكثر من 5 ملايين برميل يومياً مطلع حزيران، مستفيدة من خط أنابيب الشرق ـ الغرب الذي يربط مناطق الإنتاج بالخليج بالساحل الغربي للمملكة.
أما الإمارات، فتملك خط أنابيب بطول 380 كيلومتراً من حبشان إلى الفجيرة على خليج عُمان، يسمح بتجاوز هرمز ونقل نحو 1.8 مليون برميل يومياً، إلى جانب منشأة تخزين تحت الأرض في الفجيرة بسعة 42 مليون برميل.
وبفضل هذه البدائل، ارتفعت مجمل صادرات الإمارات من نحو 1.9 مليون برميل يومياً في آذار 2026 إلى 4.3 ملايين في مطلع حزيران، أي قرابة 85 % من مستوياتها السابقة للحرب.
وبالمقارنة مع العراق، جعل عدم امتلاك البنية البديلة المماثلة لدول الخليج بالحجم الكافي من سوريا جزءاً من الخريطة التي تعتمدها وكالة الطاقة الدولية نفسها لقياس طرق تجاوز مضيق هرمز، حيث تضع الوكالة ضمن تصنيف "Hormuz bypass" أربع مسارات رئيسية:
الموانئ السعودية على البحر الأحمر
خط حبشان ـ الفجيرة الإماراتي
ميناء جاسك الإيراني
طرق تصدير العراق عبر تركيا وسوريا.
وتظهر قيمة ميناء بانياس الجغرافية هنا، حيث يصبح النفط الذي يصل الساحل السوري موجوداً مباشرة على المتوسط، وقادراً على التوجه غرباً إلى الأسواق الأوروبية والأفريقية وعبر الأطلسي ومسارات أخرى دون المرور بمضيق هرمز أو باب المندب.
وهذا ما أظهرته بيانات "LSEG"، حيث لم تقتصر شحنات الفيول العراقي الخارجة من بانياس على الولايات المتحدة الأميركية وحدها، بل وصلت شحنات قبل ذلك إلى إسبانيا ومصر ودول أخرى.
وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن منتجي النفط في الخليج العربي استخدموا خلال أزمة هرمز كل ما هو متاح تقريباً من خطوط وموانئ ومخزونات خارجية للحفاظ على صادراتهم، في حين أطلقت الدول الأعضاء في الوكالة أكبر عملية سحب طارئ من الاحتياطيات في تاريخها، بلغت 400 مليون برميل، ووصلت الإمدادات الإضافية الناتجة عنها في أيار 2026 إلى نحو 2.5 مليون برميل يومياً.
لذلك تبقى فكرة استخدام سوريا مستقبلاً ممراً لتدفقات خليجية سيناريو جغرافياً ممكناً، لا واقعاً تجارياً قائماً، ويحتاج إلى خطوط أنابيب واتفاقات واستثمارات ضخمة قبل أن يصبح قابلاً للمقارنة بالمسارات الموجودة حالياً.
من رسوم العبور إلى صناعة لوجستية؟
ولا يعني مرور النفط العراقي عبر الأراضي السورية امتلاكه لسوريا، فالفيول عراقي ويبقى موجهاً للتصدير إلى مشترين خارجيين، لكن القيمة الاقتصادية تأتي من الخدمات المرتبطة بمروره، حيث تشمل هذه العملية النقل البري والعبور، والتفريغ، والتخزين، واستخدام المنشآت، والضخ إلى المصب النفطي، وتحميل الناقلات والخدمات البحرية واللوجستية المرافقة.
وسبق أن أكد مسؤولون سوريون أن الاتفاق يوفر عائدات مالية لسوريا من رسوم العبور، إلا أنه لم يُعلن حتى الآن رقم رسمي واضح يسمح بحساب الإيرادات السورية الفعلية من العملية.
كما بدأت الشركة السورية للبترول توسيع البنية اللازمة للعملية، فأعلنت في نيسان الماضي تجهيز ساحة جديدة في مصب بانياس، وإضافة خطوط تفريغ ومنظومات دعم لوجستي لاستيعاب أعداد أكبر من الصهاريج، لكن استمرار الاعتماد على الشاحنات يضع سقفاً لما يمكن لهذا الممر أن ينقله، فالطريق البري قادر على التلبية اللوجستية لتجارة المنتجات النفطية بكميات محدودة نسبياً، لكنه لا يستطيع عملياً منافسة خطوط الأنابيب والموانئ العملاقة في نقل ملايين البراميل يومياً.
ويظهر هذا الفارق عند مقارنة نحو 900 إلى ألف صهريج تدخل سوريا يومياً بمستوى صادرات العراق السابق من البصرة البالغ 3.6 ملايين برميل يومياً، ولذلك لا يمثل ميناء بانياس، في الوضع الراهن، بديلاً كاملاً للتصدير عبر البصرة أو هرمز، وإنما مساراً إضافياً وبديلاً، يمنح العراق مرونة يحتاجها مع الأزمة المستمرة للمضيق.
خط الأنابيب الذي يغير حجم المعادلة
وفي الوقت الذي تتحرك فيه آلاف الصهاريج على الطريق بين العراق والساحل السوري، بدأ البلدان دراسة خيارات أكثر استدامة، حيث أكدت وزارة النفط العراقية أن الحكومة تبحث إنشاء منافذ جديدة، بينها مشروع خط إلى ميناء بانياس، وأن قراراً لمجلس الوزراء العراقي يمهد لتوقيع اتفاقات مع ائتلاف أميركي ـ قطري لإجراء الدراسات الفنية والتصاميم الأساسية للمشروع.
وتعيد هذه الخطط إلى الواجهة المسار التاريخي لخط كركوك ـ بانياس، الذي كان ينقل النفط العراقي إلى المتوسط قبل توقفه، حيث تشير المعلومات إلى وجود خط متضرر يمكن أن تصل طاقته، بعد إعادة التأهيل، إلى نحو 300 ألف برميل يومياً.
لكن المشاريع المطروحة حالياً تتجاوز مجرد إعادة تشغيل خط قديم، إذ تبحث بغداد تنويع صادراتها بين الجنوب عبر البصرة، والشمال عبر تركيا، والغرب عبر سوريا، فالفارق الجوهري يظهر في أن التجارة هذه المرة سبقت خط الأنابيب.
فالمسار التجاري العراقي ـ السوري يعمل بالفعل بشاحنات نقل النفط، وتصل حمولاته إلى أسواق في ثلاث قارات، ما يوفر للحكومتين بيانات فعلية عن الطلب والتكاليف والطاقة التخزينية وحجم الحركة قبل اتخاذ قرار استثماري بمليارات الدولارات في شبكة أنابيب جديدة.
حتى الآن، دفعت أزمة هرمز بانياس إلى موقع جديد كممر للنفط العراقي عبر سوريا، لكن ذلك لا يجعل من الميناء مركزاً للطاقة على المتوسط بعد، الفرق بين المرحلتين سيظهر في مرحلة ما بعد الصهاريج: توسيع الصادرات لتشمل الخام والنفتا، ثم خطوط الأنابيب بين العراق وسوريا، وهي الخطوات التي ستحدد إن كانت بانياس مساراً فرضته الأزمة أم أنها أصبحت ممراً دولياً للطاقة.
تلفزيون سوريا
المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=136&id=206626