بين السيادة وإعادة الإعمار.. ماذا تعني زيارة غوتيريش إلى سوريا؟
26/07/2026





سيرياستيبس 

تشكل زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى دمشق محطة سياسية ودبلوماسية بارزة في مسار العلاقة بين سوريا والمنظمة الدولية، باعتبارها أول زيارة لأمين عام للأمم المتحدة إلى البلاد منذ عام 2009، كما تأتي في مرحلة تشهد تحولاً في موقع سوريا على الساحة الدولية، بعد أشهر من زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى مقر الأمم المتحدة في نيويورك، ورفع العلم السوري الجديد في المنظمة، وإطلاق مقاربة أممية جديدة للتعامل مع مرحلة ما بعد الحرب.

ولا تقتصر أهمية الزيارة على بعدها البروتوكولي، بل ترتبط بملفات أكثر تعقيداً، تشمل إعادة الإعمار، ودور الأمم المتحدة في المرحلة الانتقالية، ومستقبل التعاون مع الحكومة السورية، إضافة إلى التطورات الأمنية في الجنوب السوري، وملف عودة اللاجئين، وهي قضايا تصدرت مباحثات جوتيريش مع الرئيس أحمد الشرع وكبار المسؤولين السوريين.

تحول في العلاقة بين دمشق والأمم المتحدة
تأتي الزيارة بعد أشهر من تغير واضح في طبيعة العلاقة بين دمشق والأمم المتحدة. ففي آذار/مارس 2025 رفضت الحكومة السورية خطة أممية شملت ملفات سياسية ودستورية وأمنية وإعلامية، معتبرة أنها تتجاوز الدور الإنساني للمنظمة وتمثل تدخلاً في الشؤون الداخلية وربطاً للمساعدات الإنسانية بمسارات سياسية.

لكن المشهد تبدل لاحقاً مع إطلاق خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026، التي ركزت على إعادة الخدمات الأساسية، ودعم الاقتصاد المحلي، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وبناء مؤسسات الدولة، وإزالة مخلفات الحرب، في تحول يعكس قبولاً أممياً أكبر بالرؤية السورية القائمة على احترام السيادة الوطنية.

كما جاءت زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وما سبقها من رفع وزير الخارجية أسعد الشيباني العلم السوري الجديد في مقر المنظمة، لتؤسس لمرحلة مختلفة في علاقة دمشق بالمجتمع الدولي، عنوانها الانتقال من إدارة الأزمة إلى البحث في ملفات التعافي وإعادة البناء.


إعادة الإعمار.. أولوية مشتركة
برز ملف إعادة الإعمار باعتباره العنوان الأبرز في زيارة غوتيريش، سواء من خلال تصريحاته أو عبر المباحثات التي أجراها مع الرئيس أحمد الشرع والوفد الحكومي السوري.

ويرى الباحث في العلاقات الدولية محمود علوش، في حديثه لبرنامج "سوريا اليوم" على تلفزيون سوريا، أن الزيارة تعكس رغبة الأمم المتحدة في الاطلاع مباشرة على احتياجات سوريا بعد سنوات الحرب، لكنها تمثل أيضاً فرصة لمراجعة أداء المنظمة خلال الأزمة السورية، معتبراً أن أقل ما يمكن أن تقدمه الأمم المتحدة اليوم هو وضع سوريا ضمن أولوياتها، وتوجيه مؤسساتها الإنسانية والتمويلية والتنموية لدعم التعافي وإعادة الإعمار.

ويشير علوش إلى أن دمشق لم تعد تنظر إلى الأمم المتحدة بوصفها طرفاً سياسياً في المرحلة الانتقالية، وإنما شريكاً في الجوانب الإنسانية والتنموية، موضحاً أن سوريا ترفض أي وصاية على العملية السياسية، بينما تحتاج بصورة ملحة إلى مساهمة دولية واسعة في إعادة بناء الاقتصاد والبنية التحتية.

ويضيف أن دعوة غوتيريش المجتمع الدولي إلى الانخراط بفاعلية في إعادة إعمار سوريا تحمل دلالة مهمة، لأنها تعكس إدراكاً أممياً بأن استقرار سوريا لم يعد قضية داخلية فحسب، بل أصبح جزءاً من استقرار الشرق الأوسط، خاصة بعد سنوات تحولت خلالها البلاد إلى مصدر لأزمات إقليمية، فيما يمكن أن تتحول اليوم إلى ركيزة للتكامل الاقتصادي الإقليمي إذا نجحت عملية التعافي.


بين الدعم السياسي وحدود الدور الأممي
إلى جانب ملف إعادة الإعمار، حملت زيارة غوتيريش رسائل سياسية واضحة، كان أبرزها تجديد التأكيد على أن الجولان أرض سورية محتلة، والدعوة إلى احترام القانون الدولي.

ويرى محمود علوش، في حديثه لبرنامج "سوريا اليوم"، أن هذا الموقف يمثل دعماً سياسياً مهماً لسوريا، خصوصاً في ظل استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب البلاد، إلا أنه يلفت إلى أن تأثير الأمم المتحدة يبقى محدوداً عملياً، لأن أي تغيير في السياسة الإسرائيلية يرتبط أساساً بالموقف الأميركي.

ويؤكد أن المنظمة الدولية تستطيع الحفاظ على دور قوات "الأندوف" العاملة في المنطقة العازلة، والاستمرار في تبني الموقف القانوني الداعم لسوريا، لكنها لا تمتلك أدوات لإجبار إسرائيل على تنفيذ قرارات الأمم المتحدة، في ظل الانقسامات داخل مجلس الأمن واستخدام الولايات المتحدة حق النقض دعماً لإسرائيل.

من جانبه، يرى الباحث في الشؤون الأممية حسن شافعي، خلال مشاركته في برنامج "سوريا اليوم"، أن الأمم المتحدة تمتلك حدوداً واضحة في القضايا الأمنية والعسكرية، إذ لا تملك وسائل تنفيذية لفرض قراراتها على الأطراف المتنازعة، ولذلك يبقى دورها سياسياً ودبلوماسياً أكثر منه ميدانياً، رغم أهمية مطالبة دمشق بانسحاب القوات الإسرائيلية والالتزام بالمنطقة العازلة.

المرحلة الانتقالية وعودة اللاجئين
لم تقتصر مباحثات غوتيريش على إعادة الإعمار، بل شملت أيضاً ملفات العدالة الانتقالية، وصياغة دستور دائم، وإجراء انتخابات حرة، وتهيئة الظروف المناسبة لعودة اللاجئين.

ويشير حسن شافعي إلى أن الدعم الأممي يرتبط بمدى تقدم الدولة السورية في ترسيخ سيادة القانون، واحترام الدستور، وضمان المساواة بين المواطنين، معتبراً أن هذه العناصر تشكل أساساً لأي دعم دولي طويل الأمد.

كما يرى أن عودة اللاجئين تمثل أحد أبرز مؤشرات نجاح المرحلة الانتقالية، لكنها تحتاج إلى بيئة آمنة، وإعادة دمج اجتماعي، ومعالجة آثار الانقسامات التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب استمرار مشاريع التنمية وإعادة الإعمار التي توفر فرص العمل وتحسن الظروف المعيشية.

وفي السياق ذاته، يلفت شافعي إلى أن الأمم المتحدة بدأت بالفعل بتنفيذ برامج تنموية، مثل إزالة الأنقاض ضمن برنامج "العمل مقابل النقد"، وهي مشاريع لا تقتصر على إعادة تأهيل المدن، بل تسهم أيضاً في خلق فرص عمل وتحريك الاقتصاد المحلي.


رهان على شراكة دولية أوسع
ورغم الترحيب السوري بالتحول في الموقف الأممي، يرى محمود علوش أن المجتمع الدولي لم يصل بعد إلى مستوى الانخراط المطلوب في عملية إعادة الإعمار، موضحاً أن بعض الدول بدأت بالفعل استثمارات ومشاريع تنموية، إلا أن حجم التحديات التي تواجهها سوريا يتطلب مساهمة دولية أوسع وأسرع.

ويضيف أن التعافي الاقتصادي يمثل المدخل الحقيقي للاستقرار الأمني والاجتماعي، وأن تأخير مشاريع إعادة الإعمار سيؤثر في قدرة الدولة على معالجة التحديات الداخلية، سواء المرتبطة بالأمن أو بإعادة ترميم النسيج المجتمعي.

أما حسن شافعي، فيعتقد أن تغير الأمين العام للأمم المتحدة لن يبدل بصورة جوهرية سياسة المنظمة تجاه سوريا، لأن هذه السياسات ترتبط بتوازنات القوى الدولية أكثر من ارتباطها بالأشخاص، مشيراً إلى أن المجتمع الدولي ينظر اليوم إلى استقرار سوريا باعتباره جزءاً من استقرار الإقليم، في ظل التوترات المستمرة في الشرق الأوسط.

وبذلك، تبدو زيارة غوتيريش أكثر من مجرد زيارة تضامنية؛ فهي تمثل مؤشراً على انتقال العلاقة بين دمشق والأمم المتحدة إلى مرحلة جديدة، عنوانها دعم التعافي وإعادة الإعمار، مع استمرار الخلاف حول حدود الدور السياسي للمنظمة، في وقت تراهن فيه الحكومة السورية على توسيع الانخراط الدولي في إعادة البناء، مع الحفاظ على سيادتها ورفض أي وصاية خارجية.




المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=131&id=206635

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc