شركات الطاقة تعود إلى سوريا.. من يملك شروط العقود الجديدة؟
17/08/2026
سيرياستيبس
بدأ قطاع النفط والغاز السوري يستقطب اهتمامًا متزايدًا من شركات دولية وإقليمية خلال الأشهر الأخيرة، مع انتقال التحركات من مذكرات التفاهم الأولى إلى التفاوض حول الاستكشاف وتطوير الحقول القائمة. ويضع هذا التحول سوريا أمام معادلة تتجاوز زيادة الإنتاج، لأن طبيعة العقود التي ستبرم الآن ستحدد لسنوات حجم العائد الذي يبقى داخل البلاد، وحصة المستثمرين، وحدود سيطرة المؤسسات العامة على الموارد.
وجاءت أحدث الإشارات في تموز، عندما أعلن الرئيس التنفيذي لـ"توتال إنرجيز" باتريك بويانيه أن الشركة تبحث عقدًا للاستكشاف البحري، بعد اتفاق سابق جمعها مع "قطر للطاقة" و"كونوكو فيليبس" لإجراء مراجعة فنية للبلوك البحري رقم 3 قرب اللاذقية. وقال بويانيه إن الظروف الأمنية لا تسمح للشركة حاليًا بالعودة إلى العمليات البرية، في إشارة تكشف أن الشركات الكبرى ما زالت تربط حجم استثماراتها بمستوى المخاطر داخل البلاد.
قطاع يحتاج إلى رأس المال
تبدأ المشكلة من الفارق الكبير بين ما كان ينتجه القطاع وقدرته الحالية. فقد بلغ إنتاج النفط السوري قبل الثورة نحو 380 ألف برميل يوميًا، إلى جانب قرابة 900 مليون قدم مكعبة من الغاز يوميًا، ثم هبط إنتاج النفط بنحو 80 في المئة والغاز إلى قرابة النصف خلال سنوات الحرب، وفق تقديرات "وود ماكنزي". وترى المؤسسة أن الإصلاحات منخفضة الكلفة للآبار والمنشآت يمكن أن ترفع الإنتاج في المدى القريب، في حين تتطلب العودة الواسعة رأس مال أجنبيًا وتقنيات حديثة وطرقًا مستقرة للتصدير.
وسبق تحرك "توتال إنرجيز" توقيع اتفاق في حزيران مع "كونوكو فيليبس" و"نوفاتيرا" لتطوير حقول غاز قائمة واستكشاف حقول جديدة، مع تقدير بإمكانية إضافة أربعة إلى خمسة ملايين متر مكعب من الغاز يوميًا خلال عام. وأصبحت أسماء شركات أميركية وأوروبية وإقليمية حاضرة في القطاع، ما يشير إلى بداية إعادة توزيع الخريطة الاستثمارية بعد سنوات طويلة من الانكماش.
غير أن زيادة عدد المستثمرين لا تقدم وحدها جوابًا عن كيفية إدارة المورد، فاقتصاديات النفط تميز بين عقود الامتياز وتقاسم الإنتاج والخدمة، وتختلف هذه النماذج في درجة سيطرة الدولة وطريقة استرداد المستثمر تكاليفه وتقاسم الأرباح. ويشير البنك الدولي إلى أن تصميم العقود يحدد بصورة مباشرة توزيع المخاطر والعائد والسلطة بين الدولة والشركة، ما يجعل اختيار النموذج المالي مسألة مركزية في الدول التي تحتاج إلى تمويل خارجي كبير.
المخاطر ترفع كلفة الاستثمار
ويرى خبير أمن الطاقة أومود شكري، خلال حديثه لموقع "تلفزيون سوريا" أن الحديث عن احتياطيات النفط والغاز السورية لا يكفي لتقدير قدرة القطاع على التعافي، إذ ترتبط الجدوى الاقتصادية بحالة البنية التحتية والأمن والتمويل وكفاءة المؤسسات المشرفة على الصناعة. ويقدر شكري احتياطيات سوريا بنحو 2.5 مليار برميل من النفط و8.5 تريليون قدم مكعبة من الغاز، مع حاجة واسعة إلى الاستثمارات قبل تحويل هذه الموارد إلى إنتاج مستقر.
وتعني هذه المعادلة، وفق قراءة شكري، أن الشركات التي تدخل سوقًا مرتفعة المخاطر ستسعى إلى شروط تعوض احتمالات التأخير والخسارة، سواء عبر مدد أطول للعقود أو مرونة أكبر في استرداد النفقات والعائدات. لذلك تصبح قوة الجانب السوري في التفاوض مرتبطة بقدرته على خلق منافسة بين المستثمرين وعدم ربط تطوير الحقول بشركة واحدة أو نموذج تعاقدي واحد.
منشآت النفط في مصفاة ميناء بانياس على البحر الأبيض المتوسط، في بانياس في 15 أبريل 2026. بدأت العراق تصدير النفط الخام باستخدام شاحنات النفط عبر سوريا
مصفاة ميناء بانياس على البحر الأبيض المتوسط، حيث بدأ العراق تصدير النفط الخام عبر سوريا، 15 نيسان 2026 ـ غيتي
ويشير إلى أن أهمية القطاع السوري تتسع أيضًا مع عودة مشاريع الربط الإقليمي، وفي مقدمتها خط كركوك–بانياس. وكانت واشنطن قد أعلنت في 14 تموز دعم جهود إحياء الخط الذي يصل حقول العراق بالساحل السوري، في وقت تبحث فيه دول المنطقة عن طرق إضافية لنقل الطاقة إلى المتوسط. وهذه التطورات تضيف إلى الحقول السورية قيمة جغرافية مرتبطة بالنقل والتكرير والتصدير.
العقد أهم من اسم المستثمر
من جهته، يرى الخبير النفطي عثمان الحضيري، خلال حديثه لموقع "تلفزيون سوريا" أن الدول التي تعيد بناء قطاعاتها النفطية بعد سنوات من الاضطراب تحتاج إلى التعامل بحذر مع العقود طويلة الأجل، لأن الحاجة إلى السيولة والاستثمار تمنح الشركات الأجنبية قوة تفاوضية كبيرة. ويكتسب هذا الطرح أهمية في سوريا مع محدودية المعلومات المنشورة حتى الآن عن نسب تقاسم العائدات ومدد بعض الاتفاقات وآليات استرداد الكلفة.
ويضع الشفافية والرقابة على العقود في صلب إدارة الثروة النفطية، فالمشكلة لا تتعلق بجنسية المستثمر أو حجمه فقط، وإنما بالشروط المالية والفنية التي يحصل عليها، ومدى ارتباط الامتيازات بمقدار المخاطرة الحقيقية ورأس المال الذي يضخه، مع ضرورة مراجعة العقود الكبرى على أسس اقتصادية وقانونية واضحة.
ويرى أن نقل التكنولوجيا وتدريب الكوادر المحلية وربط استرداد النفقات برقابة فنية ومالية عناصر لا تقل أهمية عن نسبة الإنتاج التي تحصل عليها الدولة، لأن عقدًا يرفع الإنتاج سريعًا يمكن أن يترك أثرًا ماليًا محدودًا إذا استحوذت تكاليف التشغيل والاسترداد على القسم الأكبر من العائد في سنواته الأولى.
من الإنتاج إلى شروط الملكية
وتكشف التطورات الأخيرة أن المشكلة لم تعد محصورة في العثور على شركة قادرة على إصلاح بئر أو زيادة إنتاج حقل، مع وجود اهتمام من "توتال إنرجيز" و"كونوكو فيليبس" وشركات أميركية وإقليمية أخرى، وإنما في القواعد التي ستنظم هذه العودة، كما أن استعداد سوريا المعلن في آب لتقليص اعتمادها على النفط الروسي يضيف بعدًا دوليًا إلى إعادة ترتيب شركاء القطاع.
ويضع ذلك العقود الجديدة في موقع يتجاوز الحساب التجاري المباشر. فالدولة التي تمنح شروطًا واسعة في مرحلة المخاطر المرتفعة قد تجد صعوبة في تعديلها عندما تتحسن الظروف وترتفع قيمة الأصول، بينما يتيح تنويع المستثمرين والعقود القصيرة نسبيًا والمراجعة الدورية للشروط الاحتفاظ بهامش أكبر لإدارة الموارد.
لهذا ستكون نوعية الاتفاقات التي تبرم خلال المرحلة المقبلة أكثر دلالة من عدد الشركات التي تدخل سوريا، فإعادة تشغيل النفط تحتاج إلى المال والتكنولوجيا، غير أن طريقة الحصول عليهما ستحدد مقدار ما يبقى من قيمة الموارد داخل الاقتصاد السوري بعد عودة الإنتاج.
تلفزيون سوريا
المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=136&id=206936