نزيف تحت الأرض .. آلاف الآبار العشوائية تستنزف جوف ريف دمشق
18/08/2026



آلاف الآبار المخالفة في ريف دمشق ودرعا وحلول قيد التنفيذ

سيرياستيبس


لم يحتج الأمر في بلدة عين منين بريف دمشق إلى أكثر من أعمال مرتبطة ببئر مياه حتى تتحوّل أزمة قديمة على المورد الأكثر ندرة إلى احتجاجات وتوتر أمني وتوقيفات، ثم إلى إضراب واستقالة رئيس مجلس البلدة وأعضائه.

بدأت الأحداث في 31 تموز 2026، عندما اعترض أهالٍ على أعمال تنفذها آليات تابعة لمؤسسة المياه في منطقة بعرجل.

وبينما قالت محافظة ريف دمشق إنّ الأعمال تقتصر على تعزيل وتنظيف "البئر رقم 14"، التابع لمشروع مياه بعرجل، بهدف تعزيز التغذية المائية لمنطقة التل، رأى محتجون أن استمرار ضخ المياه من المنطقة يأتي في وقت تعاني فيه عين منين نفسها نقصاً حاداً في مياه الشرب، وانتهى التوتر بعد أيام بتفاهم محلي وإخلاء سبيل الموقوفين على خلفية الأحداث.

لم تكن أزمة عين منين مجرّد خلاف محلي على بئر أو حفارة، فقد كشفت -بصورة مكثفة- مدى الحساسية، التي وصل إليها ملف المياه في ريف دمشق، حيث لم يعد السؤال مقتصراً على كيفية تأمين المياه، بل بات يمتد إلى مَن يملك حق الوصول إليها، ومَن يضخها، وإلى أي منطقة تذهب، وما الذي يبقى في باطن الأرض بعد سنوات من الجفاف والحفر والضخ المتواصل؟

على امتداد دمشق وريفها، أصبحت الآبار الخاصة جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية مع تراجع إمدادات الشبكات العامة وارتفاع كلفة شراء المياه من الصهاريج، يحفر أصحاب منازل لتأمين احتياجات أسرهم، ويلجأ إليها مزارعون لحماية مواسمهم، في حين تعتمد عليها مزارع واستراحات ومنشآت سياحية لري المزروعات وملء المسابح وتشغيل مرافقها.

لكن الحل الفردي لأزمة المياه يتحوّل، مع اتساعه، إلى مشكلة جماعية، فكل بئر جديدة تضيف ضغطاً على خزّان جوفي مشترك، وكل انخفاض في المنسوب يدفع أصحاب الآبار إلى النزول نحو أعماق أكبر واستخدام مضخات أقوى، في سباق يصعب ضبط حجمه أو معرفة كمية المياه التي تُسحب خلاله.

وتكشف جولة ميدانية أجراها موقع تلفزيون سوريا في مناطق واسعة من ريف دمشق استمرار عمليات الحفر رغم توقف منح تراخيص جديدة في مناطق شملها الرصد، وسط تقديرات رسمية تضع عدد الآبار غير المرخصة في ريف دمشق عند نحو 50 ألف بئر، مقابل نحو 14 ألفاً و500 بئر مرخصة.
حفر متواصل بعيداً عن الرقابة

تحت جنح الليل وفي وضح النهار، تتحرّك معدات حفر الآبار بين بلدات ومزارع ريف دمشق، ولا يحتاج الأمر إلى حفارات ضخمة تلفت الأنظار، إذ تنتشر أساليب تعرف محلياً باسم "الغرز" و"الحفر العربي"، يمكن تنفيذها داخل المنازل والمزارع، وغالباً من دون دراسة فنية أو ترخيص.

وتسعى كل عملية حفر إلى تأمين مصدر خاص للمياه في منطقة عانت سنوات من الجفاف وتراجع معدلات الهطل، قبل أن تشهد موسماً مطرياً جيداً خلال الشتاء الأخير. غير أنّ موسماً واحداً لا يكفي لتعويض أثر الضخ المتواصل وضعف تغذية الأحواض الجوفية خلال السنوات السابقة.

وبحسب إفادات جمعها موقع تلفزيون سوريا من سكّان ومسؤولين محليين، تتواصل عمليات الحفر يومياً في مناطق متفرقة من ريف دمشق، دون سجّل معلن يوضح عدد الآبار أو أعماقها أو كميات المياه المسحوبة منها.

وتُستخدم هذه الآبار لتزويد المنازل بالمياه، وري الأراضي الزراعية، وتشغيل المزارع والمنشآت الترفيهية، رغم ارتفاع تكاليف الحفر والتجهيز وتركيب المضخات ومنظومات الطاقة.

وشمل الرصد الميداني الذي أجراه موقع تلفزيون سوريا، بلدات الكسوة وزاكية والدرخبية وقطنا وخان الشيح ودروشا وعرطوز وجديدة عرطوز ومعضمية الشام وداريا ويعفور والصبورة في ريف دمشق، إلى جانب عدد من المناطق الملاصقة للعاصمة.
"مؤسسة تمنع الترخيص وموظف يدلّ على الحفّار"

يتفق سكان ومزارعون التقاهم موقع تلفزيون سوريا، على أنّ ضعف شبكات المياه وطول فترات الانقطاع دفعا كثيرين إلى تأمين احتياجاتهم بوسائلهم الخاصة.

بالنسبة إلى عائلة لا تصلها المياه سوى أيام محدودة، فإنّ البئر توفّر عناء انتظار الصهاريج وكلفتها المتزايدة، وبالنسبة إلى المزارع، قد تكون البئر وسيلته الوحيدة لإنقاذ محصوله، بينما يعتمد عليها أصحاب المسابح والاستراحات لتأمين المياه اللازمة لاستمرار نشاطهم طوال فصل الصيف.

غير أن انتشار الحفر خارج أي تنظيم يهدّد المورد الذي يبحث الجميع عنه، إذ يزيد الضغط على المخزون الجوفي ويؤثر في غزارة الآبار المحيطة، ولفهم آلية الترخيص، توجّه موقع تلفزيون سوريا إلى إحدى بلديات ريف دمشق، حيث أكّد المسؤولون أن ملف الآبار لا يدخل ضمن صلاحيات البلدية، وأحالوا الفريق إلى الوحدة الزراعية المختصة.

تلفزيون سوريا



المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=127&id=206944

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc