سيرياستيبس :
رغم الجهود الحكومية لتقليص تداول الليرة التركية في الشمال السوري، لا تزال هذه العملة، التي بدأ ضخها منذ عام 2020 في محافظة إدلب وأجزاء واسعة من ريف حلب، حاضرة بكثافة في الأسواق والمراكز الخدمية والحرفية وشركات الصرافة، وفي تعاملات المواطنين اليومية.
إجراءات عدة اتخذتها محافظة إدلب للحد من تداول الليرة التركية، منها حصر الدفع بالليرة السورية الجديدة في المنافذ والمؤسسات الحكومية كافة، وبيع الخبز والكهرباء ودفع فواتير المياه والنظافة بالليرة السورية، إلى جانب فرض التسعير بها في بعض الأنشطة التجارية، مثل محال القصابة وبيع الدجاج المذبوح ومحطات الوقود وغيرها.
وكانت محافظة إدلب قد أصدرت في كانون الأول 2025 تعميماً ألزمت بموجبه جميع المديريات والمؤسسات العامة والخاصة، بما فيها المصارف ومحطات الوقود والأفران ومكاتب الصرافة، بالتعامل بالليرة السورية حصراً، مع وجوب عرض أسعار الصرف بوضوح.
وفي بداية تموز الماضي، أعاد مصرف سوريا المركزي افتتاح فرعه في محافظة إدلب بعد توقف دام أكثر من 11 عاماً، وكشف حاكم المصرف صفوت رسلان، خلال مؤتمر صحفي على هامش الافتتاح، تفاصيل الخطة الرامية إلى الانتقال التدريجي نحو التعامل الحصري بالليرة السورية.
وأشار رسلان إلى عقد لقاءات تنسيقية مع نظرائه في المصرف المركزي التركي، جرى خلالها الاتفاق على آلية تضمن عدم ضخ كميات جديدة من الليرة التركية في السوق السورية، مع استبدال الكميات المتداولة منها تدريجياً، بما لا يثير حالة من الهلع أو القلق لدى السكان.
وشدد حاكم المصرف على أن الهدف يتمثل في حصر جميع المعاملات المالية والتجارية مستقبلاً بالليرة السورية، داعياً المواطنين إلى التوجه نحو استخدام العملة المحلية.
رغم هذه الإجراءات، لا يزال المواطنون في إدلب يتداولون الليرة التركية في معظم معاملاتهم التجارية. ويوضح سعيد شعيب، الذي يعمل في متجر لبيع المواد الغذائية، في حديث لصحيفة «الثورة السورية»، أن معظم زبائنه يفضلون التعامل بالليرة التركية لاعتيادهم عليها وتوفرها بكثافة في السوق، على خلاف الليرة السورية الجديدة.
أما محمود معمار، فيشير في حديث لصحيفة «الثورة السورية» إلى سبب آخر يعيق انتشار الليرة السورية الجديدة، يتمثل في فوضى التسعير التي شهدتها المحافظة منذ بدء تداول العملة السورية الجديدة، إذ أصبح التعامل يجري بثلاث عملات، تأتي الليرة التركية في المرتبة الأولى، يليها الدولار، ثم الليرة السورية.
ويضيف أن شراء أي سلعة بالليرة السورية يضع المستهلك أمام عملية حسابية معقدة يجريها البائع، الذي يعتمد على الدولار في تسعير السلعة عند شرائها من متاجر الجملة. وعند البيع، يحوّل السعر من الليرة التركية إلى الدولار، ثم يحتسب قيمته بالليرة السورية وفق سعر صرف قد يختلف نسبياً عن سعر السوق.
ويوضح معمار أن هذه العملية قد تؤدي إلى دفع المشتري سعراً أعلى للسلعة عند شرائها بالليرة السورية مقارنة بشرائها بالليرة التركية، ما يدفع كثيراً من المواطنين إلى تفضيل حيازة الليرة التركية والتعامل بها.
من جانبه، يقدم الصراف ظافر الشب، في حديث لصحيفة «الثورة السورية»، سبباً ثالثاً لضعف الإقبال على التعامل بالليرة السورية، يتمثل في عدم توفر السيولة الكافية منها، مشيراً إلى أن الكميات المتوفرة لا تتناسب مع حجم السوق والتداول.
ويضيف الشب أن معظم الصرافين يعانون من هذه المشكلة، ما يضطرهم أحياناً إلى الاعتذار من العملاء لعدم توفر الليرة السورية، أو تحديد سقف منخفض للمبالغ المصروفة، إلى جانب مشكلة أخرى تتعلق بقلة توفر الفئات النقدية الصغيرة، مثل فئتي 10 و25 ليرة، اللتين لا تتوفران إلا بكميات محدودة.
طُرحت عام 2015، للمرة الأولى، فكرة وقف تداول الليرة السورية بسبب عدم استقرارها في ذلك الوقت، وفي إطار مناهضة النظام المخلوع وإضعافه اقتصادياً، مع تأمين عملة بديلة تمثلت بالليرة التركية في الشمال، إلا أن تطبيق هذا التوجه على أرض الواقع لم يبدأ إلا عام 2020، حين ضُخت الليرة التركية لتحل محل الليرة السورية التي كانت تشهد تدهوراً في قيمتها.
ويوضح الأكاديمي والخبير الاقتصادي الدكتور عبد الحكيم المصري، في حديث لصحيفة «الثورة السورية»، أن إلغاء تداول الليرة السورية في تلك الفترة كان ضرورة فرضتها الظروف آنذاك، إلا أن هذا الأمر فقد أهميته اليوم مع طرح العملة السورية الجديدة، ما يستدعي وضع خطة لسحب الليرة التركية واستبدالها عبر المنافذ والمؤسسات وفق سعر الصرف النظامي، شريطة تأمين ما يقابلها من العملة السورية الجديدة.
وحول مصير الليرة التركية المسحوبة، يرى المصري أنها يمكن أن تعود إلى الجانب التركي عبر آليات عدة، منها بيعها مقابل الدولار أو استخدامها في دفع قيمة السلع المستوردة من تركيا، مؤكداً أن إتلافها غير وارد لما قد يرتبه ذلك من خسائر مالية يمكن تجنبها.
يتوقع المصري حدوث بعض الاضطراب في التسعير خلال عمليتي سحب الليرة التركية وضخ السيولة السورية، نتيجة عدم اعتياد المواطنين والتجار حتى الآن على التعامل بالليرة السورية الجديدة، ولا سيما مع دخول الدولار وسيطاً في عملية التسعير، إذ يسعّر التاجر السلعة بالليرة التركية وبعد ذلك يحتسب قيمتها بالليرة السورية الجديدة.
ويتابع المصري أن هذه العملية قد تجعل المواطن يدفع مبلغاً أعلى من المعتاد عند التعامل بالليرة السورية الجديدة، مشيراً إلى أهمية اعتماد سعر صرف موحد تتدخل الحكومة في ضبطه لفترة محددة، ريثما تنتهي عملية الاستبدال.
ويلفت إلى أن بعض المواطنين في المنطقة لا يزالون قلقين من عدم استقرار العملة الوطنية، ما يدفعهم إلى تفضيل الليرة التركية لاستقرارها النسبي، الأمر الذي يضع على الحكومة مسؤولية تأمين السيولة الكافية والعمل على استقرار قيمة العملة السورية، بما يسهم في تخفيف هذا القلق وتعزيز الثقة بها.
ويرى المصري أن وجود عملة ثانية، باستثناء الدولار، إلى جانب العملة الوطنية، يمثل ظاهرة سلبية على الاقتصاد، لما قد يعكسه من ضعف الثقة بالعملة الوطنية وما يسببه من اضطراب في التعاملات النقدية.
ويوصي المصري باتخاذ خطوات عدة لتنفيذ عملية سحب آمنة ومنظمة لليرة التركية، تبدأ بتسعير السلع والخدمات كافة بالليرة السورية، وفرض رقابة على المحال التجارية لضمان الالتزام بالتسعير بالعملة الوطنية والحد من التسعير المزاجي، بالتوازي مع توفير السيولة النقدية الكافية من الليرة السورية وتحديد نقاط لاستبدال الليرة التركية، على أن تسلم هذه النقاط العملة المسحوبة إلى جهات محددة تتولى إعادتها إلى الجانب التركي.
قدم مصرف سوريا المركزي خطة للسحب التدريجي لليرة التركية، بالتوازي مع ضخ الليرة السورية الجديدة في الشمال السوري، إلا أن الخبير الاقتصادي رضوان الدبس يرى، في حديث لصحيفة «الثورة السورية»، أن هناك مشكلات أساسية تحتاج إلى معالجة لضمان نجاح عملية استبدال الليرة التركية.
وتتمثل المشكلة الأولى، بحسب الدبس، في عدم توفر الليرة السورية الجديدة بكميات كافية، إلى درجة غيابها عن عشرات المتاجر وشركات الصرافة والحوالات المالية، معتبراً أن نقص السيولة يشكل عائقاً رئيسياً أمام سحب الليرة التركية من التداول في ظل عدم توفر البديل النقدي بالكميات المطلوبة.
ويشير إلى أن سكان الشمال السوري اعتادوا على تداول العملة التركية، حتى بعد أشهر من إصدار الليرة السورية الجديدة، مؤكداً أنه لاحظ خلال جولته الأخيرة في إدلب أن الليرة التركية لا تزال العملة الأكثر تداولاً، وتُسعّر بها سلع وخدمات مختلفة، بدءاً من أجرة سيارات الأجرة وشراء المواد الغذائية والخضراوات واللحوم، وصولاً إلى التسوق في متاجر الألبسة.
ويرى الدبس أن استمرار هذا الواقع يعكس اعتياد التجار والمواطنين على التعامل بالليرة التركية بعد سنوات من تداولها، ما يجعل الانتقال إلى العملة السورية بحاجة إلى وقت وإجراءات موازية تدعم استخدامها في السوق.
ويتابع أن عملية سحب الليرة التركية تحتاج إلى جهدين متوازيين، الأول حكومي يقوم على التوعية والتخطيط والتنفيذ، والثاني مجتمعي يرتبط بالاقتناع بأهمية وقف التعامل بالليرة التركية والاعتماد على العملة الوطنية في التداول.
وحول أبرز التحديات التي تواجه عملية سحب الليرة التركية، يوضح الدبس أن العائق الأكبر يتمثل في عدم توفر السيولة الكافية من الليرة السورية الجديدة في المنطقة، يليه تحدي إقناع المواطنين والتجار بالتوقف عن تداول الليرة التركية بعد سنوات طويلة من التعامل بها.
ويلفت الدبس إلى ضرورة التفاهم مع الجانب التركي بشأن عمليات موسعة لسحب الليرة التركية، تتضمن آليات استلام العملة من مصرف سوريا المركزي وتسليمها إلى المصرف المركزي التركي واستبدالها بالقطع الأجنبي.
ويؤكد الدبس أيضاً ضرورة متابعة الجهات الحكومية المختصة، ومنها الجهات المعنية بالرقابة التموينية، مسألة التسعير بالليرة السورية من خلال مراقبة الأسواق وضبط عمليات التسعير، وإلزام الفعاليات التجارية بتنظيم الفواتير بالليرة السورية حصراً.
الثورة
المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=126&id=206957