"سيرياستيبس :
بومة" و"تمساح" و"شبح" و"سلحفاة" وغيرها الكثير من الأسماء التي دلّع بها السوريون سياراتهم على طريقتهم الخاصة، وهو ما يعكس الأهمية الكبيرة للسيارة في العقل الجمعي السوري. فقد كانت لعقود رمزاً للاستقرار والراحة المادية. وبينما تحولت في العديد من دول العالم إلى سلعة يمكن الحصول عليها بسهولة نسبية، ظلت السيارة في سوريا، بسبب الضرائب والرسوم المرتفعة ثم العقوبات الغربية، حلماً يمكن أن يغير حياة الشخص بمجرد الحصول عليه؛ فهي وسيلة نقل، ويمكن أن تصبح مصدراً للرزق وعلامة على المكانة الاجتماعية.
بعد سقوط النظام المخلوع، شهدت سوريا انفتاحاً كبيراً على سوق السيارات الخارجي، ما جعلها سوقاً واعدة للسيارات. لكن الحدود لم تُفتح فقط أمام سيارات الديزل والبنزين التي طالما طرب السوريون برنة محركاتها، وإنما جلبت معها السيارات الكهربائية الحديثة بمحركاتها شبه الصامتة، والتي تشهد تنافساً اقتصادياً عالمياً قد يصب في النهاية في صالح السوريين، لكنه طريق لا يخلو أيضاً من المطبات والآثار السلبية المحتملة.
حتى وقت قريب، كانت السيارات الكهربائية سلعة نادرة أو تجربة فردية. وخلال أشهر بدأت تظهر معارض متخصصة وسيارات كهربائية صينية جديدة في دمشق وحمص وحلب وحماة واللاذقية، وشبكة أولية لمحطات الشحن، وحتى أسطول تاكسي كهربائي في شوارع العاصمة.
لكن المفارقة هي أن السيارة التي لا تحتاج إلى الوقود وصلت إلى بلد لا تزال الكهرباء فيه مورداً غير مستقر، وإن كان وضع الشبكة يتحسن. والسؤال الحقيقي هو: هل تتحول إلى سوق حقيقية ومستدامة، أم تسبق السيارات قدرة شبكة الكهرباء والبنية التحتية والتشريعات والصيانة على مواكبتها؟
نقطة التحول في سوريا.. ما بعد 8 كانون الأول 2024
كسر سقوط النظام بنية اقتصادية كانت شديدة الانغلاق، ثم جاءت إزالة جزء كبير من العقوبات الغربية في 2025 لتخفف القيود على التمويل والطاقة والنقل والتجارة. ورفع الاتحاد الأوروبي في 28 أيار 2025 تقريباً جميع العقوبات الاقتصادية القطاعية على سوريا، بما يشمل قيوداً مرتبطة بالطاقة والنقل والبنوك وبعض عمليات الاستيراد والتصدير. وفي نهاية 2025 أُلغي قانون قيصر الأميركي بصورة دائمة بعد مرحلة من الإعفاءات التنفيذية.
وهذا مهم جداً لسوق السيارات الكهربائية، لأن تجارة السيارة الحديثة تعتمد على التحويلات المصرفية والوكلاء وقطع الغيار وبرامج التشخيص والتحديثات الإلكترونية والبطاريات وأجهزة الشحن والعلاقات المستمرة مع المُصنّع.
السيارات الكهربائية لم تعد حالات فردية
في ربيع 2025 بدأت شركة 77 Auto تعرض سيارات كهربائية جديدة في سوريا، تشمل علامات ونماذج صينية مثل Skywell وForthing وAvatr وAito، وتعلن عن خدمات صيانة وتشخيص إلكتروني وخدمات ما بعد البيع وشبكة شحن. وتعرض الشركة سيارات متاحة في دمشق وحلب وحماة وحمص واللاذقية.
وتصف الشركة نفسها بأنها "أول وكالة سيارات كهربائية في سوريا"، وتقول إن لديها ستة مواقع شحن ضمن شبكتها، مع تطبيق للعثور على المحطات والتحقق من توافرها. وبحسب موقعها، تشمل خدماتها أيضاً الصيانة والبرمجيات والمساعدة على الطريق.
لكن المشهد أصبح أكثر وضوحاً خلال صيف 2025. ففي معرض موتوريكس 2025 تحدثت الوكالة السورية للأنباء "سانا" عن السيارات الكهربائية باعتبارها فئة كانت "غائبة عن السوق المحلية"، ثم شهد معرض دمشق الدولي في أيلول 2025 حضوراً واضحاً للشركات المتخصصة في المركبات الكهربائية.
وفي السوق المفتوحة أيضاً توجد عروض فعلية، مثل سيارة Changan Eado EV موديل 2025 معروضة في دمشق بمدى معلن يصل إلى 400 كيلومتر، كما تظهر منصات السيارات السورية طيفاً واسعاً من طرازات BYD الكهربائية.
المهندس خالد الأسعد، مؤسس ومدير منصة بوابة الطاقة المتجددة في سورية – Syrian Renewables، يقول لموقع تلفزيون سوريا، إنه لا يوجد حتى الآن سجل وطني مفتوح وموحد لمحطات شحن السيارات الكهربائية في سورية، ولذلك يصعب إعطاء رقم رسمي نهائي لعددها.
وبحسب آخر عملية رصد أجرتها بوابة الطاقة المتجددة في سورية، تمكنت المنصة من توثيق نحو 17 موقع شحن تضم ما لا يقل عن 25 شاحناً، موزعة على سبع محافظات ومن خلال ثلاثة مشغلين، مع تركز واضح في دمشق، لكن الأسعد يشدد على أن الرقم الموثق ليس بالضرورة العدد الكامل.
وتقدّر المنصة أن عدد مواقع الشحن الفعلي في سورية قد يتراوح بين 30 و50 موقعاً، نظراً إلى وجود شواحن خاصة في المنازل والشركات والأساطيل والمرافق التجارية لا تظهر بالضرورة في البيانات العامة. كما يلفت الأسعد إلى ضرورة التمييز بين موقع الشحن وعدد أجهزة الشحن، إذ يمكن للموقع الواحد أن يحتوي على عدة شواحن.
أما عدد السيارات الكهربائية، فتقدّر بوابة الطاقة المتجددة أنه يتراوح حالياً بين 1,400 و2,000 سيارة كهربائية في سورية.
وهنا أيضاً من الضروري التمييز بين التقدير و الإحصاء الرسمي. ويؤكد الأسعد أن هذا الرقم تقدير مستقل للمنصة وليس إحصائية حكومية، وأن المنصة توصلت إليه من خلال مقارنة وتجميع عدة مؤشرات وبيانات متاحة عن السوق والتسجيل والاستيراد والأساطيل.
التاكسي الأزرق في دمشق.. التجربة الأبرز
في تموز 2025 ظهرت في دمشق سيارات كهربائية زرقاء موحدة ضمن مشروع Electro Taxi. تقارير محلية وصفت المشروع بأنه أول خدمة تاكسي كهربائية من هذا النوع في سوريا، تستخدم سيارات حديثة، بينما أشارت مصادر إلى استخدام سيارات Skywell وإلى توفر تطبيق للخدمة.
وتشير بوابة الطاقة المتجددة أيضاً إلى أسطول Taxi Electro بوصفه أحد النماذج الواضحة التي ظهرت في السوق السورية.
لهذه التجربة أهمية خاصة، لأن أساطيل التاكسي من أفضل الحالات الاقتصادية للسيارة الكهربائية؛ فالسيارة تقطع مسافات كبيرة يومياً، وبالتالي تصبح وفورات الطاقة والصيانة أكثر أهمية مقارنة بحالة المواطن الذي يستخدم سيارته عشرين أو ثلاثين كيلومتراً في اليوم. لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى شحن مركزي ومنظم.
لماذا تهيمن الصين على سوق السيارات الكهربائية في سوريا؟
تكاد كل المؤشرات الأولية في سوريا تشير إلى توجه تجاري نحو الصين. Skywell وForthing وAvatr وAito وChangan وBYD وغيرها ليست مصادفة، وإنما جزء من موجة عالمية ضخمة لنقل السيارات الكهربائية الصينية إلى الأسواق الناشئة.
وكالة الطاقة الدولية تقول إن السيارات الكهربائية مثّلت ربع السيارات الجديدة المباعة عالمياً في 2025، بأكثر من 20 مليون سيارة. وفي الأسواق الناشئة والنامية خارج الصين نمت المبيعات بنحو 80% في سنة واحدة، وكانت السيارات الصينية مسؤولة عن نحو 60% من المبيعات الكهربائية في هذه الاقتصادات.
السبب الأساسي هو السعر. ففي الصين أصبحت كلفة البطاريات أقل بكثير من أوروبا وأميركا، وانخفضت أسعار حزم البطاريات الصينية بنحو 30% خلال 2024 وفق وكالة الطاقة الدولية. كما أصبح عدد كبير من السيارات الكهربائية الصينية أرخص من نظيراتها العاملة بالوقود داخل السوق الصينية.
كما فرضت الصين ابتداءً من 1 كانون الثاني 2026 نظام تراخيص لتصدير سيارات الركوب الكهربائية بالكامل، في محاولة لتنظيم سوق تصديرية تضخمت بسرعة وتقليل الممارسات غير المنظمة. وهذه النقطة مهمة لسوريا، فعندما تبحث الأسواق الصينية عن منافذ جديدة، وتفرض أوروبا وأميركا قيوداً ورسوم حماية على السيارات الصينية، تصبح دول الشرق الأوسط والأسواق الخارجة من العزلة أكثر جاذبية. ومن المؤشرات الأوسع أيضاً أن شركة Great Wall Motor الصينية عينت في أيلول 2025 موزعاً حصرياً في سوريا.
السيارات الكهربائية تحصل على أفضلية جمركية
أحد أهم التطورات التي لم تحظَ بتغطية واسعة بما يكفي جاء في المرسوم 110 لعام 2026، الذي اعتمد تعرفة جمركية سورية جديدة بدءاً من الأول من حزيران 2026 وأنهى العمل بالتعرفة القديمة.
وتشير تحليلات للتعرفة الجديدة إلى أن السيارة الكهربائية الخالصة، تحت الرمز الجمركي HS 8703.80، تخضع إلى رسم في حدود 10% من القيمة، مقابل نحو 20% لعدد من سيارات البنزين والديزل والهجين، بحسب "المجلس التجاري السوري الآسيوي"، وهو ما يمكن اعتباره إشارة سياسة عامة لمصلحة السيارة الكهربائية.
لكن الكلفة النهائية لا تساوي الرسم الجمركي وحده؛ إذ يمكن أن تدخل رسوم وخدمات ونفقات تخليص ونقل وتقييم جمركي أخرى.
والأهم أن الحكومة السورية كانت قد أوقفت في 29 حزيران 2025 استيراد سيارات الركوب المستعملة، وسمحت أساساً بالسيارات الجديدة وغير المستعملة التي لا تزيد سنة صنعها عن سنتين، مع استثناءات محددة للمركبات الثقيلة.
وهذا القرار يحمل أثرين متناقضين على الكهرباء: فهو يحرم السوق من سيارات كهربائية مستعملة رخيصة نسبياً من أوروبا والخليج، لكنه في الوقت نفسه يقلل احتمالات دخول بطاريات قديمة متدهورة وسيارات كهربائية بلا ضمان أو دعم فني.
كيف تشحن سيارة في بلد عانى من ساعات تغذية محدودة؟
في منتصف 2025 قال البنك الدولي إن شبكة الكهرباء السورية، بعد سنوات الحرب، كانت توفر في أجزاء واسعة من البلاد ساعتين إلى أربع ساعات يومياً فقط. لكن محدودية ساعات التغذية ليست العامل الوحيد الذي يحدد قدرة الشبكة على استيعاب السيارات الكهربائية؛ فحالة شبكات النقل والتوزيع والمحولات والمغذيات المحلية لا تقل أهمية عند إضافة أحمال جديدة.
ويقول المهندس خالد الأسعد، مؤسس ومدير منصة بوابة الطاقة المتجددة في سورية، إن البنية التحتية الكهربائية قادرة حالياً على استيعاب مرحلة مبكرة ومحدودة من انتشار السيارات الكهربائية، لكنها ليست جاهزة بعد لانتشار واسع وغير منظم. ويوضح أن الخطر يزداد خصوصاً عند تركز عدة شواحن في منطقة واحدة أو تشغيلها خلال ساعات محددة.
لذلك، لا يمثل العدد الحالي من السيارات الكهربائية، بحسب الأسعد، ضغطاً كبيراً بحد ذاته على المنظومة، لكن التحدي الحقيقي سيظهر إذا انتقلت السوق من بضعة آلاف إلى عشرات الآلاف من السيارات من دون تطوير متزامن للشبكة وسياسات الشحن.
وفي محاولة لمعالجة جانب من مشكلات قطاع الكهرباء، أُطلق مشروع الطوارئ للكهرباء في سورية (SEEP)، الممول بمنحة من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي بلغت عند اعتمادها نحو 146 مليون دولار. ويستهدف المشروع إعادة تأهيل أجزاء من شبكة النقل ذات التوتر العالي ومحطات التحويل المتضررة، إلى جانب تقديم دعم فني ومؤسسي لإصلاح القطاع وتطوير سياساته، على أن يُغلق المشروع، وفق الجدول المقرر، في 31 كانون الأول 2029.
وبحسب بوابة الطاقة المتجددة، استناداً إلى آخر تقييم منشور للبنك الدولي حتى 28 حزيران 2026، كان تقدم تنفيذ المشروع مصنفاً "مرضياً"، في حين كانت أعمال التحضير والمشتريات وإزالة مخلفات الحرب من المواقع المستهدفة مستمرة تمهيداً لأعمال إعادة التأهيل.
لكن الأسعد يشير إلى تحدٍ موازٍ، وهو أن سوق السيارات الكهربائية في سورية تتطور بوتيرة أسرع من الإطار التشريعي والتنظيمي الخاص بها. وبحسب رصد المنصة، لا توجد حتى الآن سياسة وطنية متكاملة وواضحة للنقل الكهربائي تغطي بشكل كافٍ ترخيص محطات الشحن، ومعايير التجهيزات، وآلية الربط بالشبكة، والتعرفة، والسلامة وإدارة الأحمال.
هل السيارة الكهربائية عبء إضافي على الشبكة؟
على مستوى السيارة الواحدة، ليست المشكلة ضخمة. فالسيارة الكهربائية المتوسطة تستهلك تقريباً 15–20 كيلوواط ساعي لكل 100 كيلومتر. وإذا قطعت 40 كيلومتراً في اليوم، فقد تحتاج إلى نحو 6–8 كيلوواط ساعي.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتركز مئات أو آلاف السيارات على أجزاء محددة من الشبكة، خصوصاً إذا بدأ الجميع بالشحن في الوقت نفسه. وهنا يقدم الأسعد تصحيحاً مهماً لطريقة طرح السؤال: المشكلة ليست فقط في عدد السيارات، وإنما في متى وأين وكيف يتم شحنها.
فإذا قامت آلاف السيارات بالشحن في الوقت نفسه خلال ساعات المساء، وفق تقييم بوابة الطاقة المتجددة، يمكن أن تظهر أحمال مرتفعة جداً على بعض المحولات وشبكات التوزيع، حتى إذا كان إجمالي استهلاك السيارات خلال اليوم قابلاً للاستيعاب. لذلك تدعو المنصة إلى الانتقال من مفهوم الشحن التقليدي إلى الشحن الذكي، بحيث توزع الأحمال على ساعات مختلفة، ويشجع الشحن خارج أوقات الذروة أو خلال ساعات توفر الطاقة الشمسية.
كما يرى الأسعد ضرورة دراسة قدرة الشبكة قبل السماح بتركيب مجموعات كبيرة من الشواحن السريعة، واستخدام البطاريات في المحطات الكبيرة، وتطوير تعرفة كهربائية تشجع المستهلك على الشحن في الأوقات المناسبة للشبكة. والميزة التي تمتلكها سورية حالياً، بحسب الأسعد، أن السوق لا تزال صغيرة نسبياً، وبالتالي توجد فرصة لتنظيم الطلب قبل أن يتحول إلى مشكلة كبيرة.
ولا يقتصر التحدي على توفر الكهرباء وقدرة الشبكة. فالمهندس خالد الأسعد يقول إن هناك مشكلة أخرى تعتبرها بوابة الطاقة المتجددة "عاجلة جداً"، وهي جودة الشواحن التي تدخل السوق السورية.
فمع نمو الطلب، يمكن أن تدخل إلى سورية شواحن متفاوتة بشكل كبير من حيث الجودة والمواصفات والحماية الكهربائية. وإذا كانت بعض هذه التجهيزات رديئة أو غير مطابقة للمعايير، فإن الخطر، لا يقتصر على توقف الشاحن، وإنما قد يمتد إلى السيارة والبطارية والمنشأة الكهربائية وحتى الشبكة المحلية.
وبحسب رصد بوابة الطاقة المتجددة، لا تمتلك السوق حتى الآن كوداً فنياً وطنياً متكاملاً ومخصصاً لفحص واعتماد شواحن السيارات الكهربائية يحدد بصورة واضحة شروط الجودة والحماية والسلامة والتوافق مع الشبكة والاختبارات المطلوبة قبل تركيب الشاحن وتشغيله.
ولهذا تعتبر المنصة إعداد سياسة وطنية واضحة للنقل الكهربائي وإصدار كود فني للشواحن ومحطات الشحن مهمة عاجلة، وترى أن الأفضل القيام بذلك الآن بينما السوق لا تزال في مرحلة مبكرة، وليس بعد انتشار آلاف الشواحن غير المنظمة.
الطاقة الشمسية تقدم جزءاً من الحل
الحرب والانهيار الكهربائي دفعا عشرات آلاف السوريين إلى إنشاء أنظمة شمسية منزلية وتجارية صغيرة. وكالة AP وثقت في 2025 كيف أصبحت الألواح الشمسية جزءاً من الحل اليومي لنقص الكهرباء، في حين بدأت الحكومة تتحدث عن انتقال الطاقة الشمسية من حل منزلي اضطراري إلى عنصر في استراتيجية الطاقة الوطنية.
بالنسبة للسيارة الكهربائية، هذا تطور بالغ الأهمية. ويرى الأسعد أن الطاقة الشمسية يمكن أن تلعب دوراً مهماً جداً في تطوير النقل الكهربائي في سوريا.
بالنسبة للمنازل والشركات، يمكن دمج منظومة الطاقة الشمسية مع شحن السيارة خلال ساعات النهار، خصوصاً أن السيارة لا تحتاج بالضرورة إلى شحن سريع يومياً. ويمكن إضافة بطارية تخزين عندما تكون هناك حاجة إلى الشحن خلال الليل أو أثناء انقطاع الشبكة.
لكن بالنسبة لمحطات الشحن السريع العامة، لا ترى المنصة أن الاعتماد على الطاقة الشمسية وحدها هو الحل الأمثل، لأن المشكلة ليست فقط كمية الطاقة المنتجة خلال اليوم، وإنما أيضاً الاستطاعة المطلوبة لحظة الشحن. ولهذا تقترح بوابة الطاقة المتجددة نموذجاً ترى أنه أكثر ملاءمة للواقع السوري في كثير من الحالات: الشبكة الكهربائية + الطاقة الشمسية + بطاريات التخزين + إدارة ذكية للأحمال.
وبحسب الأسعد، يمكن لهذا النموذج أن يحسن استقرار محطة الشحن، ويخفف الضغط على الشبكة ويقلل تأثير الانقطاعات.
البطارية والصيانة
السوق السورية تمتلك خبرة كبيرة في إصلاح سيارات البنزين القديمة: ميكانيكيون، وكهربائيون، وقطع مستعملة، ومحركات مستبدلة، "تشليح"، وخبرات تراكمت لعقود، لكن هذا النظام شبه غائب عن السيارة الكهربائية، حيث يتطلب إصلاح بطارية جر بجهد 400 أو 800 فولط، تدريباً ومعدات عزل وتشخيصاً رقمياً وقطعاً أصلية ومعرفة بأنظمة إدارة البطارية BMS. وقد بدأت شركات مثل 77 Auto بالإعلان عن خدمات تشخيص وصيانة وما بعد البيع، وهذا تطور إيجابي، لكنه لا يعادل بعد شبكة وطنية من الفنيين المستقلين.
هنا تحديداً تظهر خطورة السيارات الصينية المخصصة أصلاً للسوق المحلية الصينية أو المستوردة عبر قنوات غير رسمية. بعض المركبات الحديثة تعتمد على حسابات سحابية وخوادم للمصنّع وشرائح اتصال وتطبيقات وتحديثات. السيارة قد تسير ميكانيكياً، لكن بعض وظائفها قد لا تعمل كما ينبغي إذا لم تكن سوريا سوقاً رسمية مدعومة من الشركة.
وفي هذه النقطة، قد يبدو منع استيراد السيارات المستعملة قراراً قاسياً لمن يريد شراء سيارة كهربائية عمرها ثلاث أو أربع سنوات بسعر منخفض. لكن له منطق تقني. فلا يكفي أن تكون السيارة الكهربائية "موديل 2021"، بل يجب معرفة حالة البطارية، وعدد دورات الشحن، وما إذا كانت قد تعرضت للغمر بالماء أو الحوادث، وما إذا كان بالإمكان تبديل وحدات البطارية وليس الحزمة كاملة.
بطارية سعرها ثمانية أو عشرة آلاف دولار قد تحول سيارة مستعملة رخيصة إلى خسارة كاملة. وفي سوق ما زالت تفتقر إلى نظام واضح لإعادة تدوير بطاريات الجر أو إعادة استخدامها للتخزين الثابت، فإن فتح الباب بلا فحص صحي للبطاريات قد يجعل سوريا بعد سنوات وجهة لسيارات انتهى الجزء الأغلى من عمرها.
وتتفق هذه المشكلة مع أحد الاحتياجات التي يحددها الأسعد للسنوات المقبلة، داعياً إلى تطوير قطاع الصيانة والتدريب الفني وقطع الغيار، والبدء مبكراً بوضع إطار للتعامل مع بطاريات السيارات بعد انتهاء عمرها وإعادة استخدامها أو تدويرها.
من يستطيع شراء هذه السيارات؟
السيارات الكهربائية المعروضة في سوريا ليست، في معظمها، سيارات شعبية رخيصة. بعض القوائم المحلية تضع BYD Dolphin Surf مثلاً في نطاق يقارب 20 ألف دولار وما فوق، بينما تتجاوز نماذج أخرى 30 و40 و50 ألف دولار بسهولة.
وفي الوقت نفسه ما تزال دخول شريحة واسعة من السوريين منخفضة للغاية مقارنة بأسعار السيارات المستوردة. صحيح أن الرواتب الحكومية رُفعت 200% في 2025 ثم أضيفت زيادة 50% خلال 2026، لكن ذلك لم يحول السيارة الجديدة إلى سلعة جماهيرية.
لذلك فإن المرحلة الأولى من السيارات الكهربائية في سوريا مرشحة لأن تكون بين الشركات والتاكسي والمنظمات والفنادق وأصحاب الدخول العالية والمغتربين العائدين والمنازل أو المنشآت التي تمتلك طاقة شمسية.
سوق وُلد أسرع من تنظيمه
التجربة الأهم لسوريا ربما لا تكون ألمانيا أو فرنسا، بل إثيوبيا وكينيا وتايلاند وإندونيسيا ودول أخرى تستورد كميات كبيرة من السيارات الصينية مع بنية تحتية غير مكتملة. وفي 2026 رصدت وكالة AP ارتفاعاً سريعاً في مبيعات السيارات الكهربائية الصينية في الدول النامية بسبب ارتفاع أسعار الوقود، لكنها وجدت أن شبكات الشحن تتخلف عن نمو السيارات، وأن الحكومات وشركات الكهرباء، لا الشركات الصينية وحدها، تضطر إلى تمويل البنية التحتية.
ويرى الأسعد، أن المطلوب خلال السنوات المقبلة يتجاوز التعامل مع السيارة الكهربائية باعتبارها مجرد نوع جديد من السيارات، فالنقل الكهربائي، قطاع يقع عند تقاطع الكهرباء والنقل والطاقة المتجددة والتخزين والبنية التحتية الرقمية.
وتحدد المنصة مجموعة من الأولويات: استراتيجية وطنية واضحة للنقل الكهربائي تحدد الأهداف والمسؤوليات ومراحل التنفيذ، وإنشاء سجل وطني للسيارات الكهربائية ومحطات الشحن يسمح بمعرفة العدد والتوزع الجغرافي والاستهلاك، وإصدار كود فني وطني للشواحن ومحطات الشحن يتضمن الجودة والسلامة والحماية والاختبارات ومتطلبات الربط بالشبكة.
كما تدعو إلى تطوير شبكات التوزيع والمحولات في المناطق المتوقع أن تشهد انتشاراً كبيراً للسيارات والشواحن، وتطبيق الشحن الذكي وإدارة الأحمال والتعرفة حسب وقت الاستخدام، وتشجيع دمج الطاقة الشمسية والبطاريات مع محطات الشحن، وتطوير قطاع الصيانة والتدريب الفني وقطع الغيار، والبدء مبكراً بوضع إطار للتعامل مع بطاريات السيارات بعد انتهاء عمرها وإعادة استخدامها أو تدويرها.
الفرصة الحقيقية أمام سوريا هي أن تستفيد من هذه المرحلة لبناء القوانين والكود الفني والبنية التحتية للشحن قبل أن ينتقل السوق من بضعة آلاف إلى عشرات الآلاف من السيارات. إذا تم ذلك بشكل صحيح، يمكن للنقل الكهربائي أن يصبح جزءاً من تحديث قطاع الطاقة السوري وليس عبئاً إضافياً عليه.
تلفزيون سوريا