الإصلاح الإداري .. كلام في الهواء ... ومن يسأل من..!
07/05/1969



بقلم مروان دراج

النافذة الواحدة بتبسيط الإجراءات الإدارية التخلص من الروتين والبريوقراطية تيسير وتسهيل أعمال المواطنين في المؤسسات الرسمية .. هذه العبارات أو ما يشبهها من حيث المضمون رددها أكثر من مسؤول وفي غير مناسبة تماشياً مع النوايا الحكومية الرامية إلى إحداث إصلاح في الجانب الإداري بل إن بعضاً من المسوؤلين الذين استمرؤوا الحديث لساعات طويلة وفي غيرمناسبة حول الإصلاح ومعانيه ترك انطباعاً خلال السنوات الأخيرة على أن آليات العمل الإداري بأدواته القديمة و المختلفة ستذهب إلى غير رجعة وأن المواطن سوف يتمكن من اجاز معاملاته الرسمية دون الحاجة إلى تبديد الوقت أو شراء ذمم بعض الموظفين الصغار والمتوسطين والكبار أو اللجوء إلى معقبي المعاملات .

في مواجهة هذه الوعود وما أكثرها خلال السنوات الأخيرة فإن السؤال الذي يطلق من جانب عامة الناس وبكثير من السخرية وقليل من الجدية .. ولكن أين هو الإصلاح الإداري .. ولماذا الآليات والأنماط القديمة استمرت على حالها ..بل وازدادت تعقيداً وسوءاً في بعض المؤسسات إن لم نقل في غالبتها ؟!

مثل هذه الأسئلة وسواها ستبقى تطلق من جانب الرأي العام مادام أن مظاهر الروتين والبيروقراطية تزداد اتساعاً وحضوراً والأنماط القديمة و البالية في الإدارة تستمر على حالها وللدلالة على هذا الكلام يمكن الإشارة إلى بعض الأمثلة أن المواطن العادي الذي يتوجه إلى الدوائر الرسمية لإنجاز معاملة بعينها ما زال يشكو ويظهر الاستياء وعدم الرضا بسبب التلكؤ من جانب الموظفين وهو الأمر الذي يدفعه إلى اللجوء إلى معقبي المعاملات ومن الأمثلة الأخرى فإن المصادقة على وثيقة عادية في القصر العدلي بدمشق بحاجة لتبديد ما يزيد على الساعتين ويمكن انجازها بدقائق في حال (دفع المعلوم ) لبعض العاملين أو المستخدمين في أروقة القصر العدلي وبالمناسبة فإن هناك الكثير من الأساليب و(السيناريوهات )التي باتت مكشوفة للعيان بهدف الافتعال وعن قصد حالة الاحتشاد و(الجمهرة) والتي باتت يتفنن البعض في صناعتها والترتيب لها وأيضاً الحصول على قيد عقاري من المصالح العقارية في دمشق وغيرها من المحافظات يستدعي الانتظار لمدة زمنية لاتقل عن الثلاثة أو أربعة أيام في حين وكما هو حال الوثيقة في القصر العدلي هناك من ينجزها بأقل من نصف ساعة .. واما في حال الحديث عن انجاز معاملة حصر إرث أو الحصول على رخصة بناء من البلديات أو تسوية أوضاع عقارات وسواها من المعاملات التي يطلق عليها بالمعاملات المعقدة فهذا يستوجب تبديد مدة زمنية تبدأ من الشهرين وما فوق في أحسن الأحوال .

والتنمية الإدارية لاتتمثل فقط في سرعة إنجاز وثيقة أو معاملة ولا تنحصر في آلية التعاطي بين المؤسسات و الأفراد ولا حتى في النافذة الواحدة التي لم تر النور ..وإنما هي عملية لنهوض متكامل وتبدل جذري في آليات العمل الإداري الذي يؤدي تدريجياً إلى التخلص من مظاهر الروتين و البيروقراطية والمعاملات الورقية بكافة أشكالها ولتوضيح هذه النقطة الأخيرة فإن الكثير من المواطنين يتندرون وبكثير من السخرية أن معاملة بسيطة قد لاتحتاج سوى غلى إبراز

الهوية الشخصية ومع ذلك قد يستلزم الأمر إحضار ما يزيد على عشر وثائق ورقية ومن أكثر من جهة رسمية هذا إلى جانب (مصنف السحاب) والأعداد الكبيرة من الطوابع والأختام وللدلالة على ذلك فإن إنجاز معاملة تملك لمنزل تستلزم لأكثر من نصف دزينة من الأوراق وهي بحاجة لمراجعة عدة جهات وانتظار موافقة البعض منها لمدة زمنية لا تقل عن شهرين في حل متابعتها وباستمرار من جانب صاحب العلاقة .

وبمنأى عن كل ذلك نعود إلى نقطة جوهرية سبق وأن أتينا على ذكرها بإشارة سريعة ومفادها أن مقياس نجاح التنمية الإدارية - كما ذكرنا- لا يتوقف فقط في إحداث تغيير في آليات العمل اليومي بين المؤسسات والأفراد وإنما لابد من نجاحها أيضاً في الأداء اليومي للمؤسسات التي تسهم وبشكل مباشر في رفع وتائرالنهوض الاقتصادي والخدمي فبعض المؤسسات إن لم نقل غالبيتها لم تتمكن في السنوات الاخيرة من توظيف كامل الاستثمارات الواردة تحت بند الإنفاق الاستثماري وذلك بسبب تراكم العجز الإداري فبعض المشاريع تتوقف عن العمل بسبب تعقيد التعاملات المصرفية أو التلكؤ في إصدار قرارمن هذه الجهة الرسمية أو تلك ...وأيضاً مناقصات كثيرة يعلن عنها وتلغى أكثر من مرة نتيجة الإكتشاف المتأخر لبعض الأخطاء الإدارية أو القانونية في دفتر الشروط أو لأسباب أخرى ناجمة عن غياب الكفاءات التي تناط بها مسؤولية صوغ خطط وبرامج بعض المؤسسات.

الانتقادات التي تطلق في السر والعلن من جانب الرأي العام ستبقى تمثل عين الحقيقة مادام أن الإصلاح الإداري المأمول تواتر في حضوره اللفظي ولم يرق إلى مستوى الفعل والعمل اليومي.

ومثلما سبق وذكرنا فإن ظاهرة الذين يعقبون المعاملات ويفترشون الأرصفة على أبواب المؤسسات الوزارات ..ازدادت انتعاشاً كما أن أجهزة الحاسوب التي شهدت حضوراً لائقاً وكثيفاً في بعض المؤسسات لم تكن أكثر من ديكور مادام أن سجلات الصادر والوارد والمعاملات الورقية مازالت تتربع على مكاتب الموظفين ..وأما (النافذة الواحدة) وما يحيطها من احتفاء من جانب بعض المسؤولين ليست أكثر من لغو جميل.. وببساطة فإن الفساد بتداعياته ومعانيه المختلفة هو سبب زحف واستشراء هذا الداء أو ذاك و الذين يقفون بوجه عربة الإصلاح ويمنعونها من التحرك و الإقلاع يدركون أن الشفافية والأساليب الحديثة في الإدارة ستفقدهم مكاسب وامتيازات لاحصر لها والمساءلة أو المحاسبة هي السبيل الوحيد للخروج من عنق الزجاجة غير أن لسان حال المواطن العادي يقول وبشيء من فقدان الأمل : ولكن من يسأل من؟!



المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=160&id=142

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc