ثقافة المبادرة لا المضاربة!
04/11/2008



عندما كنا في الجامعة، كان أستاذ الفلسفة البروفسور نديم نعيمة، وهو ابن أخ الكاتب الكبير مخائيل نعيمة يقول لنا أن العلم والفلسفة والدين أهدافهم واحدة وهي الوصول إلى الحقيقة. الفلسفة تحاول الغوص في حقائق الكون عبر التأمل والتحليق فيما وراء الطبيعة للوصول إلى الحقيقة أما العلم فيحاول التوصل إليها عبر التجربة والإكتشاف باستخدام وسائل وطرق محددة خير من وصفها العالم فرانسيس بيكون الذي يسمى أبو العلم. أما الدين فهو يبين لنا الحقيقة عبر نصوص سماوية يحاول المفسرون ورجال الدين تمريرها للناس للوصول إلى حياة افضل في الدنيا والآخرة. ذكرتني تصريحات الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي عندما قال بأننا نريد رأسمالية المبادرين لارأسمالية المضاربين  le capitalisme des entrepneurs et non  le capitalisme de speculateurs بما قاله البروفسورنعيمة حول الأهداف المشتركة للدين والعلم. في الفقه الإسلامي هناك أركان وآداب للبيع منها أن يكون البيع من مالك أو من يقوم مقامه و أن يكون المبيع مقدوراً على تسليمه .أما آداب البيع فهي تقضي بأن لا يبيع الإنسان مالا يملك ولا أن لايبيع السلعة قبل حيازتها  بمعنى آخر، ملكية المبيع وحيازته شرطان لصحة البيع. هذه قاعدة بسيطة لطالما تحداها المدافعون عن المضاربة بإعتبارها عائقاً اقتصادياً أمام حركة الأسواق. تطبيق هذه القاعدة يحد إلى قدر كبير من القدرة على المضاربة نظراً لأن المضاربة تقوم على تداول الأشياء دون حيازتها. ولو فتشنا في الديانات السماوية الأخرى لوجدنا بالتأكيد نصوصاً لو طبقت لتلافينا الكثير من الإستغلال والطمع اللذان هما من أسباب الكثير من مشاكل االبشرية اليوم. هناك اليوم دعوات في أطراف العالم المتقدمة لتعديل النظام المالي العالمي وسيكون من نتائج الأزمة المالية الحالية الكثير من الدراسات الإقتصادية من قبل باحثين محللين سيعتمد عليها صناع السياسة في العالم لتحديث التشريعات والأنظمة بما يعزز سلامة النظام المالي ويحقق النمو الإقتصادي. ومن أهم هذه الدعوات محاربة المضاربة كما في دعوة الرئيس الفرنسي فالمضارب هو مال بلا رأس فهو يدخل فقط ليرفع الأسعار ويراهن على تحرك هذه الأسعار صعوداً مع مرور الزمن أو بفعل المزيد من المضاربات ودوماً هناك ضحايا. روح المبادرة entrepreneurship  هي عكس المضاربة فالمبادر يأخذ المخاطرة ويعمل عقله للوصول إلى طريقة جديدة أو ربط جديد بين الموارد المختلفة من بشرية ومالية لتطوير منتج أو خدمة جديدتان تلبيان حاجة المستهلك وبما يضيف شيئاً جديداً للمجتمع. الرئيس الفرنسي كان على صواب فالمبادرين هم من يدفعون بالبشرية إلى الأمام. المبادرون من أمثال هنري فورد وبيل غيتس وتوماس اديسون مخترع الكهرباء والأخوين بيل وطلعت حرب أبو الإقتصاد المصري الذي كان أول من أسس مصرفاً استثمر في مؤسسات انتاجية في مصر. هؤلاء هم من أوصل البشرية إلى ما وصلت إليه من تقدم. أما المضاربون فهم من أوصل العالم إلى الأزمة التي نعيشها. لذلك علينا أن نشجع المبادرة عبر نشر روحها في تربية أجيالنا وفي ثقافتنا وفي مؤسسات اقتصادنا وفي شبابنا الذي يبحث الكثيرون منه عن وظيفة في الدولة تقيهم شر مخاطر العمل والكفاح. علينا أن نحارب المضاربة في ثقافتنا و نرفضها في مؤسسات الأعمال فالعائد والربح يجب أن يكونا فقط مقابل عمل أو مال!

 

 

عبد القادر حصرية



المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=160&id=238

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc