سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:19/05/2026 | SYR: 11:57 | 19/05/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير
TopBanner_OGE

 احتقان زراعي في سوريا بسبب سعر القمح
اقتصاديون: يجب إرضاء الفلاحين حفاظاً على الأمن الغذائي
19/05/2026      


 



سيرياستيبس :

أثار قرار الحكومة السورية تحديد سعر شراء القمح من المزارعين بـ4.6 مليون ليرة للطن (330 دولاراً)، بينما كان في العام الماضي 450 دولاراً، موجة غضب واسعة بين المزارعين، خصوصاً في مناطق الجزيرة التي تشكل الخزان الرئيس للقمح في البلاد، إذ تنتج محافظات الحسكة والرقة ودير الزور عادة ما يقارب 50 إلى 60 في المئة من إجمال إنتاج سوريا من القمح، وسط تحذيرات من أن التسعيرة الجديدة لا تغطي كلفة الإنتاج الفعلية، وقد تدفع آلاف الفلاحين إلى تقليص المساحات المزروعة عوضاً عن توسيعها وزيادتها، الأمر الذي كان يمكن تحقيقه لو تم إعطاء تسعيرة مجزية وعادلة.

وزارة الاقتصاد والصناعة السورية رأت أن قرار تحديد سعر شراء القمح القاسي "الدرجة الأولى" لموسم 2026 يأتي ضمن خطوات دعم القطاع الزراعي وتعزيز الأمن الغذائي، لكن المزارعين كان لهم رأي آخر، إذ اعتبروا أن السعر غير عادل ولا يعكس حجم الموسم الحالي من الإنتاج، والمتوقع أن يصل إلى 2.5 مليون طن، في ظل ارتفاع الكلفة، مع الإشارة هنا إلى أن رئيس هيئة دعم وتنمية الإنتاج المحلي والصادرات تحدث خلال اجتماع عُقد الأحد 17 مايو (أيار) أن سوريا قد تصدر كميات محدودة من القمح هذا العام.

القرار الذي أصدرته وزارة الاقتصاد والصناعة السورية، بالإعلان عن تسعيرة شراء القمح من الفلاحين، تضمن في مادته الثانية أنه سيصدر لاحقاً التعليمات التنفيذية للقرار، مما ترك الباب مفتوحاً أمام إمكانية تعديل سعر شراء طن القمح، كما حصل العام الماضي عندما اتخذت الحكومة قراراً بمنح 120 دولاراً عن كل طن يباع للدولة.

المزارعون يرفضون تسعيرة الحكومة

ما إن أعلنت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية عن السعر الذي ستدفعه ثمناً للقمح، حتى بدأت موجة من الغضب والاستياء بين الفلاحين والمزارعين الذين اعتبروا أن التسعيرة مجحفة ولا تغطي الكلفة، وامتلأت وسائل الإعلام على اختلافها ووسائل التواصل الاجتماعي بمقالات وتقارير ومنشورات ومقاطع مصورة معبرة عن رفض التسعيرة الحكومية.

وشهد دوار النعيم في مدينة الرقة، تظاهرات للفلاحين والأهالي عبّروا فيها عن رفضهم السعر الذي جاء أقل من الكلفة، مع ارتفاع أسعار البذار والأسمدة والمحروقات وأجور النقل والعمالة والحصادات، مؤكدين أن هذا القرار سيزيد من معاناة الفلاح، وسيدفع كثيرين إلى ترك أراضيهم أو تقليص الإنتاج الزراعي. وردد المشاركون هتافات غاضبة، معتبرين أن السياسات الاقتصادية الحالية لا تراعي الواقع المعيشي الصعب، مؤكدين أن القمح بالنسبة للسوريين ليس مجرد محصول، بل قضية معيشية ووطنية ترتبط بلقمة الناس واستقرارهم.

وانتشرت مقاطع لفلاح من مدينة القامشلي القريبة من الحدود السورية - العراقية، يقتلع بجرافة سنابل القمح التي لا تزال خضراء ولم يحن حصادها بعد، احتجاجاً على السعر "المحبط". في حين أعرب كثيرون من فلاحي درعا عن صدمتهم، معتبرين أن الحكومة ستدفع لهم ثمناً لا يتناسب مع مجهودهم ولا يلبي متطلبات معيشتهم. وشهدت مدينة دير الزور احتجاجات لفلاحيها عبر جولات بسياراتهم ودراجاتهم داخل أحياء المدينة وهم يحملون سنابل القمح.

وطالب المزارعون السوريون، خصوصاً في مناطق الجزيرة، الحكومة بإعادة النظر في أسعار القمح، وقال عبدالله الحمود، وهو مزارع من الرقة، لـ"اندبندنت عربية"، إن السعر قليل ولا يغطي كلفة الإنتاج التي تحملها الفلاح، مشيراً إلى أن السعر كان يجب ألا يقل عن 5 آلاف ليرة للكيلوغرام الواحد (37 سنتاً)، موضحاً أن الإنتاج هذا العام وفير بفضل الأمطار، وسوريا لن تكون مضطرة للاستيراد، متسائلاً "كيف يحاصر الفلاح بهذا السعر الذي سيدفع كثيرين من المزارعين إلى بيع محصولهم للتجار عوضاً عن الدولة؟"، وقال إنه لا بد أن تصحح الحكومة السعر سريعاً وقبل بدء موسم الحصاد، أو على الأقل تقديم علاوة "مكافأة" للفلاحين الذين يبيعون للدولة، بما يساعدهم في تغطية كلفتهم وتحقيق ربح يستحقونه، وأضاف أن النجاح في رفع إنتاجية محصول القمح هذا العام يجب أن يكون نقطة انطلاق لتوسيع المساحات المزروعة في المواسم المقبلة، وهذا لن يتحقق إذا لم يحصل الفلاح على سعر يحقق له عائداً مجزياً، محذراً من تناقص المساحات المزروعة بالقمح في المواسم المقبلة.

وأوضح مزارع من ريف الحسكة أنه مقارنة مع أسعار القمح قبل عام 2011، يتكشف حجم التراجع الذي أصاب القطاع الزراعي السوري، موضحاً أن سعر الطن آنذاك كان قريباً من 460 دولاراً، لكن كلفة الإنتاج كانت أقل بكثير بسبب توفر الدعم الحكومي للمحروقات والأسمدة والكهربا، وقال "إذا كانت أسعار المازوت والكهرباء والأسمدة كما كانت سابقاً لكان السعر الحالي جيداً، لكن اليوم الفلاح يدفع كل شيء بأسعار مرتفعة، ولذلك سيخرج خاسراً".

وأكد غياث الصالح، وهو مزارع من اللاذقية، لـ"اندبندنت عربية"، أن سعر القمح لهذا العام مجحف بحق الفلاح، وقال "عادة ننتظر الموسم لنسدد ديوننا لأن معظم الفلاحين يزرعون بالدين، ليأتي قرار التسعير صادماً، وهو حكم لا يشجع الفلاحين على الزراعة، وأنا منهم"، مؤكداً أنه سيحاول بيع المحصول للتجار الذين سيعطون أسعاراً أفضل من الدولة.

كلفة إنتاج مرتفعة وسعر بلا ربح

تحرك اتحاد الفلاحين سريعاً لنقل احتجاجات الفلاحين إلى الحكومة، في محاولة للتأثير على قرارها ودفعها إلى تعديل السعر بما يتناسب مع الكلفة الكبيرة التي دفعها الفلاح هذا العام.

وقال مصدر في اتحاد الفلاحين، فضل عدم ذكر اسمه، لـ"اندبندنت عربية"، إن السعر جاء أقل من المتوقع، وكنا منذ البداية حذرنا من أن نجاح تسويق الموسم من قبل الدولة مرتبط بإعطاء سعر عادل للفلاح، وأشار إلى أن الحكومة بالكاد أعطت الفلاح قيمة الكلفة، وهو ما يؤكده المزارعون الذين تحملوا أسعار الحراثة والبذار والري والنقل والمحروقات والأسمدة، والآن الحصادات، مقابل هامش ربح شبه معدوم، وتابع أن السعر يجب أن يتجاوز 5 آلاف ليرة للكيلوغرام الواحد (37 سنتاً)، بحيث يغطي الكلفة ويؤمن هامش ربح مقبولاً للفلاح يدفعه للتفكير بالزراعة في الموسم المقبل، وأوضح أن الفلاح يدفع كلفة الحراثة مرتين في ظل ارتفاع أسعار المحروقات، وفي العام المقبل ستكون أعلى بعد رفع أسعار المحروقات 30 في المئة.

شهدت أسعار الأسمدة ارتفاعاً هذا العام، مع استخدام سماد بكلفة 1000 دولار للطن، ووصل سعر طن البذار إلى 6200 دولار، وهو سعر مرتفع.

ومع بدء الحصاد، هناك كلفة كبيرة سيفرضها ارتفاع أسعار المحروقات وأجور الحصادات وأجور نقل القمح إلى مراكز التسليم الحكومية، موضحاً أنه وفقاً لاحتساب الكلفة، فإن الفلاح بالكاد يربح 100 ألف ليرة (7.5 دولار) عن كل طن، وهو ربح لا يكفي لتغطية معيشته، خصوصاً في ظل ارتفاع سعر الصرف، بل لا يكفي لتغطية الأخطار التي قد يتعرض لها خلال الموسم.

وأكد المصدر أن المسألة ليست في إعطاء سعر يخفف العبء عن خزينة الدولة، بل في قدرة الحكومة على النهوض بالقطاع الزراعي الذي يشكل أحد أعمدة الاقتصاد السوري ومصادر نهوضه، وحذر من أن تقلبات سعر الصرف قد تربك الفلاحين أيضاً، وتضيف إليهم أعباء جديدة، فضلاً عن تأثر مدخلات الإنتاج، بخاصة الأسمدة والمحروقات، بإغلاق مضيق هرمز والاضطرابات الجيوسياسية في المنطقة.

إرضاء الفلاح بتسعيرة عادلة لحماية الأمن الغذائي

أكد اقتصاديون لـ"اندبندنت عربية" ضرورة أن ترفع الحكومة سعر القمح بشكل ينصف الفلاح ويجنب القطاع الزراعي الدخول في أزمة قد تخرج عن السيطرة، لأن الفلاح ليس مستعداً للخسارة، ومن واجب الحكومة أن تحميه منها، بينما يشكل موسم القمح الجيد مفتاحاً لتحقيق الأمن الغذائي.

وقال الخبير الزراعي يوسف الشوا، إن تأمين الاكتفاء من طحين الخبز يبدو أمراً في غاية الأهمية والحساسية، وهو ما قد تتمكن سوريا من بلوغه فعلاً في ظل توقعات بأن يتجاوز إنتاج القمح هذا العام 2.3 مليون طن، وأضاف، "حتى لو كان التسعير المحلي أعلى من السوق العالمية، فيجب إعطاء الفلاح السعر الذي يرضيه، لأن رضا الفلاح هو الضمان لتحقيق ليس الأمن الغذائي فحسب، بل أيضاً الاستقلالية والاستقرار والسيادة الاقتصادية"، وأشار إلى أنه كان يجب وضع تسعيرة لا يكون الهدف منها تربيح الفلاح بقدر ما يكون الهدف منها تثبيت ارتباطه بأرضه وضمان استقراره وتحسين معيشته، لأن استقرار الفلاح يعني أن السوريين سيأكلون الخبز وسيؤمنون مؤونتهم، في وقت تابع فيه الجميع خبر خفض الأمم المتحدة المساعدات الغذائية لسوريا إلى النصف.

إبعاد القمح والخبز عن وصفات البنك الدولي

وأكد الخبير التنموي جلال عجيب ضرورة أن تعيد الحكومة السورية النظر في السعر الذي ستشتري به القمح من الفلاح، وأن ترفعه، وأن تركز على البعد الاستراتيجي لكفاية إنتاج البلاد من القمح، باعتباره إحدى ركائز الأمن الغذائي، بما ينطوي عليه من استقلالية وعدم ارتهان لتقلبات الأسواق الخارجية وتحكمها بالأسعار.


وأوضح  أن كلفة إنتاج الطن الواحد تصل إلى 4.5 مليون ليرة، بينما ستشتريه الحكومة بسعر 4.6 مليون ليرة (330 دولاراً)، وهذا يعني أن الفلاح تعب موسماً كاملاً مقابل بضعة دولارات عن كل طن، محذراً من ردود فعل الفلاحين في الموسم القادم، ومن تراجع المساحات المزروعة بالقمح مجدداً، وقال، "يجب منح الفلاحين الثقة بالمستقبل، والأهم أن نعبد الطريق لمستقبل الأمن الغذائي في بلد يعاني الملايين من سكانه صعوبات في تأمين احتياجاتهم من الطعام"، وأضاف "طالما أن الخبز يشكل أهم ركيزة في الأمن الغذائي للسوريين، فيجب التعامل مع محصول القمح بشكل مختلف، وأن تقوم الدولة بدعمه بشكل حقيقي، ولا أعتقد أن وصفات البنك الدولي يجب أن تُطبق على القمح والخبز في بلد يعاني سكانه الفقر وتراجع الدخل"، وأشار إلى أنه قد يكون سهلاً على الفلاح التحول إلى محاصيل أخرى أكثر ربحاً، لكن الأمر لا يبدو سهلاً على الحكومة عندما يتعلق بتراجع إنتاج القمح مجدداً، بينما يجري الحديث عن أن سوريا لن تستورد القمح هذا العام، وأكد أن حماية الفلاح ورفع قدرته على تحمل الكلفة، التي غالباً ما تكون ديوناً متراكمة مستحقة الوفاء عند الحصاد وبيع المحصول، يجب أن تكون في صلب اهتمامات الحكومة السورية وطريقة تفكيرها.

45 في المئة من القمح يأتي من الحسكة

وأعلنت وزارة الزراعة السورية عن توقعات مبشرة لهذا الموسم في إنتاج القمح، على رغم عدم تنفيذ كامل الخطة الزراعية. وبلغت المساحة المنفذة لزراعة القمح 1.268 مليون هكتار، منها 505 آلاف هكتار مروي و763 ألف هكتار بعلي، وشكلت هذه المساحة 86 في المئة من المساحة المقررة في الخطة الزراعية التي كانت تصل إلى 1.4 مليون هكتار، مما أدى إلى انخفاض الإنتاج المقدر من 2.8 مليون طن إلى 2.3 مليون طن، وقد يصل إلى 2.5 مليون طن، 45 في المئة منها سيأتي من محافظة الحسكة وحدها، مع الإشارة إلى أن المساحة المزروعة هذا الموسم لم تتجاوز ربع حجم المساحات القابلة للزراعة على مستوى البلاد.

ويعود تحسن إنتاج القمح هذا العام إلى موسم الأمطار الجيد الذي فاق المعدل، مقارنة بالموسم الماضي الذي لم يتجاوز فيه الهطول المطري 35 في المئة من المعدل السنوي، إلى جانب عودة مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في الجزيرة إلى الإنتاج.

وتمتلك سوريا صوامع تتسع لنحو 2.5 مليون طن من القمح، ومع توفر مليون طن كمخزون حالي، فإن دمشق قد لا تكون مضطرة للاستيراد هذا العام، وهو ما ربطه مختصون اقتصاديون بالنجاح في إعادة النظر بالتسعيرة الرسمية.

وتجهز مؤسسة الحبوب، المعنية بشراء القمح من الفلاحين، 65 مركزاً موزعاً في عموم البلاد.

استوردت سوريا، منذ سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، 1.465 مليون طن من القمح بأكثر من 329 مليون دولار لتلبية حاجات المخابز، أي بمعدل نحو 225 دولاراً للطن، وبسبب تراجع الإنتاج كانت الحكومة تضطر لدفع فاتورة استيراد قمح سنوية بلغت عام 2023 نحو 550 مليون دولار.

اندبندنت عربية


شارك بالتعليق :

الاسم : 
التعليق:

طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق