سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:09/07/2026 | SYR: 13:59 | 09/07/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير

 من الإليزيه إلى دمشق.. تحويل الانفتاح الدبلوماسي الفرنسي إلى حضور اقتصادي
09/07/2026      


سيرياستيبس 

لم تكن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق حدثاً بروتوكولياً عادياً في سياق العلاقات السورية الأوروبية، بل بدت أقرب إلى إعلان سياسي واقتصادي عن عودة باريس إلى الساحة السورية بعد سنوات من الغياب والقطيعة السياسية، فالزيارة التي جاءت في لحظة تشهد فيها البلاد إعادة رسم لخريطة النفوذ الاقتصادي والاستثماري، حملت في طياتها أسئلة تتجاوز الجانب الدبلوماسي، لتلامس مستقبل المنافسة الدولية على السوق السورية، وفرص إعادة الإعمار، وموقع فرنسا في شرق المتوسط خلال المرحلة المقبلة.

وبينما سبقت دول عديدة إلى فتح قنواتها الاقتصادية مع دمشق، تحاول باريس اليوم استثمار التقارب السياسي لإعادة تموضعها داخل سوق لا تزال في بدايات تشكلها، وسط منافسة إقليمية وخليجية متسارعة على المشاريع الكبرى وقطاعات البنية التحتية والطاقة والنقل والخدمات.

سباق متأخر نحو السوق السورية
يرى الخبير الاقتصادي إبراهيم نافع قوشجي أن توقيت الزيارة الفرنسية لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات الاقتصادية التي شهدتها سوريا خلال الأشهر الماضية، إذ دخلت شركات من روسيا والصين والهند والإمارات والسعودية في مفاوضات ومشاريع مرتبطة بالطاقة والنقل والبنية التحتية، ما وضع باريس أمام خيارين واضحين، إما البقاء خارج المشهد وخسارة فرصة إعادة التموضع في شرق المتوسط، أو العودة سريعاً لضمان موقع لها في سوق يجري تشكيل ملامحه من جديد.

ويقول قوشجي في حديثه لموقع تلفزيون سوريا إن فرنسا لا ترغب في أن تكون مجرد متفرج على عملية إعادة الإعمار الاقتصادي في سوريا، بل تسعى إلى أن تكون شريكاً مؤثراً في صياغة المرحلة المقبلة، ولا سيما في القطاعات التي تمتلك فيها الشركات الفرنسية خبرة تاريخية وتنافسية عالية.

ويضيف أن باريس تأخرت نسبياً في دخول المنافسة الاقتصادية مقارنة بدول أخرى تمكنت بالفعل من توقيع اتفاقيات طويلة الأجل في مجالات الطاقة والإنشاءات والاتصالات، إلا أن ذلك لا يعني ضياع الفرصة بالكامل، إذ ما تزال هناك قطاعات استراتيجية لم تحسم لصالح أي طرف دولي حتى الآن.


قطاعات تبحث عن شريك فرنسي
بحسب قوشجي، تمتلك فرنسا أفضلية نسبية في عدد من القطاعات التي يمكن أن تشكل مدخلاً لعودتها الاقتصادية إلى سوريا، وفي مقدمتها قطاع الطيران والمطارات، حيث تمتلك الشركات الفرنسية خبرة طويلة في إدارة المطارات وتطوير البنية الجوية، إلى جانب قطاع المياه والطاقة المتجددة الذي يعد من أكثر القطاعات حاجة للاستثمارات خلال السنوات المقبلة.

كما تبرز فرص مهمة في مجالات النقل والخدمات اللوجستية وإدارة الموانئ وسلاسل الإمداد، إضافة إلى قطاع الخدمات المالية والتأمين الذي يحتاج عملياً إلى إعادة بناء شبه كاملة بعد سنوات الثورة السورية والتحولات الاقتصادية التي شهدتها البلاد.

ويتوقع الخبير الاقتصادي أن تركز الشركات الفرنسية على أربع مسارات رئيسية خلال المرحلة المقبلة، تشمل إعادة تأهيل شبكات الكهرباء والمياه، وتطوير المطارات والمرافئ، وإنشاء مناطق صناعية مشتركة، فضلاً عن تحديث البنية الرقمية وتطوير قطاع الاتصالات والخدمات الذكية في المدن الكبرى مثل دمشق وحلب، ويشير إلى أن هذه المشاريع لا تمثل مجرد فرص استثمارية منفصلة، بل تشكل بوابات استراتيجية لعودة فرنسا إلى شرق المتوسط كلاعب اقتصادي يمتلك نفوذاً طويل الأمد في المنطقة.


وزير الاقتصاد والصناعة السورية نضال الشعار - إنترنت
الاستثمار يحتاج إلى ضمانات
لا تبدو الرغبة الفرنسية وحدها كافية لتحويل التقارب السياسي إلى شراكة اقتصادية مستدامة، إذ يؤكد قوشجي أن الشركات الفرنسية تنظر إلى مجموعة من الشروط الأساسية قبل اتخاذ قرارات استثمارية طويلة الأجل في سوريا.

وتأتي في مقدمة هذه الشروط الحاجة إلى استقرار تشريعي يضمن عدم تغير القوانين الناظمة للاستثمار بصورة متكررة، إضافة إلى وجود بيئة مالية واضحة تسمح بتحويل الأرباح وتأمين التمويل اللازم للمشاريع، فضلاً عن تقديم ضمانات سيادية تحمي الاستثمارات الكبرى من المخاطر السياسية أو التغيرات الإقليمية المفاجئة.

ويتوقع قوشجي أن تفتح زيارة ماكرون الباب أمام زيادة الاستثمارات الفرنسية المباشرة خلال العامين المقبلين، إلى جانب رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين عبر اتفاقيات قطاعية تشمل الزراعة والصناعات الغذائية والدوائية والخدمات اللوجستية، ويرى أن قدرة باريس على تقديم نموذج استثماري قائم على الشراكات طويلة الأجل ونقل التكنولوجيا والخبرة الفنية قد تمنحها أفضلية تنافسية في مواجهة العروض الأخرى التي تركز غالباً على المكاسب التجارية السريعة.


بين الاقتصاد والأمن
ويرى الباحث محمد السكري أن الزيارة الفرنسية لا تحمل أبعاداً اقتصادية فحسب، بل تعكس محاولة فرنسية لبناء مقاربة متكاملة تربط بين السياسة والاقتصاد والأمن في آن واحد، ويقول السكري لموقع تلفزيون سوريا، إن باريس تدرك أن مرحلة إعادة الإعمار والتحول الاقتصادي في سوريا تمثل فرصة استراتيجية يصعب تجاهلها، خاصة مع تزايد اهتمام المستثمرين العرب والأوروبيين بالسوق السورية خلال الفترة الأخيرة، الأمر الذي يدفع فرنسا إلى التحرك مبكراً لتجنب خسارة فرص استثمارية مستقبلية.

ويضيف أن فرنسا ما تزال تمتلك ميزات مهمة في قطاعات النقل واللوجستيات والطاقة والبنية التحتية والخدمات المالية والصحية والتعليمية، وهي مجالات تتمتع فيها الشركات الفرنسية بخبرة واسعة وحضور دولي مؤثر، كما أن العرض الفرنسي قد يكتسب جاذبية إضافية بسبب قدرته على الجمع بين الاستثمار ونقل التكنولوجيا والمعايير الأوروبية وإمكانية الوصول إلى التمويل والأسواق الأوروبية، وهي عناصر قد تمنح باريس أفضلية نوعية مقارنة ببعض المنافسين الدوليين.

الملف اللبناني والمقاتلون الأجانب
ويشير السكري إلى أن أي انخراط اقتصادي فرنسي واسع النطاق سيظل مرتبطاً بمستوى الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة، إذ تنظر الشركات الفرنسية بقلق إلى احتمالات توسع التوترات الإقليمية أو انتقال تداعيات الصراعات المحيطة إلى الداخل السوري.

ويبرز في هذا السياق الملف اللبناني بوصفه أحد العوامل المؤثرة في الحسابات الفرنسية، خاصة في ظل الدور التقليدي الذي تلعبه باريس داخل لبنان وتفضيلها للمقاربات السياسية والتفاوضية طويلة الأمد على حساب خيارات التصعيد العسكري، كما تحضر قضية المقاتلين الأجانب، ولا سيما الفرنسيين منهم، كأحد الملفات الأمنية التي لا تزال تشغل صناع القرار في باريس، وهو ما ظهر بوضوح خلال الزيارة الأخيرة لماكرون إلى دمشق، في ظل تأكيدات سورية تتعلق بطبيعة المؤسسة العسكرية الجديدة ومحددات الهوية الوطنية للجيش السوري.

وبحسب السكري، فإن الملفات الاقتصادية والأمنية تبدو متداخلة بصورة كبيرة في الحسابات الفرنسية، الأمر الذي يجعل نجاح أي شراكة اقتصادية مستقبلية مرتبطاً بمدى قدرة الطرفين على معالجة هذه الملفات بالتوازي مع فتح قنوات التعاون الاقتصادي والاستثماري.

عودة إلى التاريخ عبر بوابة الاقتصاد
ورغم أن فرنسا تدخل المنافسة الاقتصادية في سوريا متأخرة مقارنة ببعض اللاعبين الدوليين والإقليميين، فإنها لا تزال تراهن على رصيدها التاريخي وعلاقاتها القديمة وخبرتها التقنية وقدرتها على بناء شراكات طويلة الأجل، وتبقى الرمزية التاريخية لسوريا حاضرة بقوة في المخيال السياسي والثقافي الفرنسي، وهو ما يفسر إلى حد بعيد حرص ماكرون على أن يكون أول رئيس من الاتحاد الأوروبي يزور دمشق بعد سنوات القطيعة خلال وجود النظام المخلوع في فترة الثورة، في خطوة تحمل أبعاداً تتجاوز البروتوكول السياسي إلى إعادة تعريف المصالح الفرنسية في المنطقة.

وتبدو باريس اليوم أمام فرصة لاختبار قدرتها على تحويل الانفتاح الدبلوماسي إلى حضور اقتصادي فعلي، فالسوق السورية التي بدأت تستقطب استثمارات ومشاريع من قوى دولية متعددة، لن تنتظر المترددين طويلاً، في حين ستحدد سرعة التحرك الفرنسي ومرونة الإطار القانوني والاقتصادي الجديد ما إذا كانت فرنسا ستنجح في استعادة دورها التقليدي في سوريا، أم ستكتفي بمراقبة الآخرين وهم يرسمون ملامح المرحلة المقبلة.

تلفزيون سوريا 


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق