سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:15/10/2026 | SYR: 16:43 | 15/10/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير

 حين يصبح الجمهور مخفراً
15/10/2026      


سيرياستيبس :

من أكثر المفارقات قسوة في التحولات السياسية والاجتماعية أن الطبقات التي كانت مسحوقة، والملايين التي عاشت طويلاً تحت الخوف، قد تجد نفسها، بعد سقوط السلطة التي قمعتها، تؤدي بعض الأدوار التي كان يؤديها رجال الأمن والمخابرات في تلك السلطة. وهي المفارقة التي حذّرت منها الحكمة البشرية بصياغات كثيرة، لأنّها متكرّرة في التاريخ، وكثيراً ما تحول المظلومون إلى وحوش فيما يقاتلون الوحوش.  
ليس المقصود أن الشعب أصبح أجهزة أمن جديدة، ولا أن القمع القديم انتقل حرفياً إلى الشارع. المسألة أكثر تعقيداً وأشد خطراً، بعض الناس الذين حُرموا طويلاً من حق الكلام، باتوا يمارسون على غيرهم حق المنع والإسكات، وبعض الذين كانوا يخافون من رجل الأمن، أصبحوا يتصرفون وكأنهم رجال أمن على صفحات التواصل الاجتماعي.
في عهد الأسد، كان السوري يعرف جيداً أن للكلمة ثمناً. كان يمكن لجملة في مجلس، أو تعليق في مكان عام، أو موقف سياسي، أن تفتح الطريق إلى التحقيق والاعتقال والسجن. ولذلك عاش ملايين السوريين داخل زنزانة كبيرة بلا جدران، لم تكن تحتاج إلى قضبان، لأن الخوف كان قد أقامها داخل الرؤوس.
كان رجل الأمن يومها يقوم بالمهمة الواضحة: يراقب، يسأل، يهدد، يعتقل، ويقرر أحياناً من يحق له أن يتكلم ومن ينبغي أن يصمت. ثم سقط النظام… ذهبت السجون، وتراجع الخوف الذي صنعته أجهزة الأمن والمخابرات، وفتح السوريون أفواههم التي ظلت مغلقة سنوات طويلة. كان يفترض أن تكون هذه لحظة ولادة عامة للحرية، وأن يصبح الاختلاف حقاً طبيعياً، وأن يتعلم المجتمع كيف يعيش من دون شرطي يقف فوق رأسه، لكن المفارقة أن الشرطي، في بعض الحالات، لم يعد بحاجة إلى الوجود. لقد أصبح الجمهور نفسه، أو جزء منه، يقوم بالمهمة.
يكفي اليوم أن يكتب شخص رأياً لا يوافق المزاج السائد، حتى تبدأ عملية المطاردة، تخوين، تشويه، شتائم، اتهامات، اجتزاء للكلام، ونبش في الماضي. وقد يتحول صاحب الرأي خلال ساعات إلى متهم يحتاج إلى الدفاع عن نفسه، لا لأن الدولة اعتقلته، وإنما لأن جمهوراً قرر أن يعاقبه معنوياً. وأن يمارس عليه في الفضاء العام ما كانت أجهزة المخابرات تمارسه عليه داخل الزنزانات والأقبية. وهنا المفارقة الأكثر إيلاماً، بعض الذين يفعلون ذلك هم من أبناء الثورة، وبعضهم من المؤيدين للسلطة الجديدة. أي إننا أمام عقلية واحدة يمكن أن تتخذ شعارات مختلفة.
المشكلة ليست أن الناس اختلفوا، فالاختلاف هو أحد شروط الحرية. المشكلة أن بعضنا لم يتعلم بعد أن الحرية التي نطلبها لأنفسنا لا يمكن أن تصبح امتيازاً نحرم منه الآخرين. ولا تكون حرية حقاً، طالما نمنعها عن المختلف والمخالف. 
لماذا نريد حرية التعبير عندما يكون الكلام في صالحنا، ونعتبرها تهديداً عندما يوجه النقد إلينا؟ ولماذا يصبح الشخص وطنياً حين يصفق، وخائناً حين يفكر وينتقد ويسأل، ومتآمراً حين يعترض؟ 
ربما لم يسقط الاستبداد كله بسقوط رأس النظام. فقد يسقط جهاز الأمن، لكن تبقى طريقته في التفكير. وقد تختفي الزنزانة، لكن يبقى السجّان كامناً في اللغة والسلوك والوعي.
وهذه هي المعركة الأصعب بعد سقوط أي نظام، ألا نعيد إنتاج القمع بأدوات جديدة، وألا يتحول المقهور إلى قاهر، والضحية إلى جلاد، والمواطن إلى مخبر على مواطن آخر.
فالثورة التي تطيح السجن، لكنها تُبقي عقلية السجّان حيّة في المجتمع، تكون قد غيّرت السلطة، لكنها لم تغيّر الإنسان.والسؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحاً أمامنا: هل انتهى عهد السجون، وهل انتهى زمن السجّانين حقاً؟


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق