سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:03/11/2026 | SYR: 20:57 | 03/11/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير

 ليس هرمز وحده... البحر الأسود يهدد أمن الغذاء العالمي
03/11/2026      




سيرياستيبس 


أصبح البحر الأسود في الأشهر الأخيرة أخطر ممر للملاحة البحرية في العالم، وتبعات ذلك الاقتصادية على التجارة العالمية أكبر بكثير من مشكلات الخليج ومضيق هرمز بسبب الحرب على إيران.

بدأت روسيا محاولة شحن القمح من ميناء مورمانسك القطبي مع زيادة ضربات المسيرات الأوكرانية في البحر الأسود، بحسب تقرير نشرته صحيفة "فاينانشيال تايمز".

ويبعد الميناء القطبي شمال البلاد آلاف الكيلومترات عن مزارع القمح في الجنوب، مما يعني زيادة كلفة النقل بصورة تقضي تماماً على الأرباح.

كانت أول تجربة للشحن من الميناء القطبي الشمالي، الذي اعتاد تحميل وتفريغ الأسمدة، الأربعاء الماضي، بشحنة بلغت نحو 30 ألف طن من القمح لمشترين في شمال أفريقيا. ومع ارتفاع كلفة النقل نتيجة اضطراب الملاحة في البحر الأسود، ترتفع أسعار القمح وغيره من الحبوب، بينما تتراجع العائدات التي يحصل عليها المزارعون مع وفرة المحصول هذا الموسم.

وفي الأشهر الأخيرة، أصبحت أخطار النقل البحري في البحر الأسود عالية جداً، مما أدى إلى خفض صادرات روسيا، أكبر مصدر للقمح في العالم، وكذلك أوكرانيا، وهي من كبار مصدري القمح أيضاً، والمتضرر الأكبر من ذلك هي الدول المستوردة، بخاصة في أفريقيا، مثل ليبيا وتونس وكينيا.

وبحسب بيانات شركة شحن الحبوب الروسية "رشاغروترانس"، انخفضت صادرات القمح الروسية في الفترة من يوليو (تموز) إلى سبتمبر (أيلول) الماضيين بنسبة 38 في المئة مقارنة بالفترة ذاتها عام 2025، وكذلك تراجعت صادرات الحبوب الأوكرانية من القمح والذرة.

أخطار البحر الأسود
على رغم أن المصدرين في البلدين سعوا إلى إيجاد طرق شحن بديلة، فإن ذلك لم يعوض الفاقد نتيجة توقف التصدير عبر البحر الأسود، فتجار الحبوب الروس يستخدمون الملاحة النهرية ثم بحر قزوين، لكن ذلك يقتصر على التصدير إلى إيران فحسب، بينما يحاول الأوكرانيون التصدير بنقل الحبوب بالقطارات إلى الدول الأوروبية المجاورة. وتضيف تلك الطرق البديلة كلفة عالية للشحن، لكنها أيضاً لا تشكل سوى ما يقارب ثلث الكميات التي كانت تصدر عبر البحر الأسود.

أصبح البحر الأسود في الأشهر الأخيرة أخطر ممر للملاحة البحرية في العالم، وتبعات ذلك الاقتصادية على التجارة العالمية أكبر بكثير من مشكلات الخليج ومضيق هرمز بسبب الحرب على إيران. وعلى رغم أن حرب إيران تحظى باهتمام إعلامي أكبر، فإن أخطار الملاحة البحرية بسببها لا تقارن بما يحدث في البحر الأسود. وبحسب بعض التقديرات الصادرة عن شركات البحوث ومراقبة الملاحة البحرية العالمية، فإن الهجمات على السفن في البحر الأسود تزيد على ستة أضعاف مثيلاتها في الخليج ومضيق هرمز.

تواجه ناقلات النفط وسفن الشحن وناقلات الحبوب في البحر الأسود هجمات بالمسيرات والصواريخ والألغام البحرية. وعلى رغم أن تركيا توسطت بين روسيا وأوكرانيا عام 2022 لتأمين مسارات آمنة للسفن التجارية، فإن محاولة أنقرة أخيراً لعقد اتفاق مماثل لم تفلح. وترى شركات الناقلات والسفن ومجموعات البحارة أن أخطار البحر الأسود أكبر بكثير من أخطار الشرق الأوسط.

تعرضت 570 سفينة للهجوم في البحر الأسود هذا العام حتى الآن، مما أدى إلى مقتل 40 بحاراً في الأقل، بحسب بيانات شركة أمن النقل البحري "إمبري" ومنظمة النقل البحري الدولية، وذلك بالمقارنة مع عدد هجمات يقل عن السدس ومقتل 24 بحاراً فقط عند مضيق هرمز.

تقول مجموعات النقل البحري إن ملاك السفن على استعداد لإرسال ناقلاتهم وسفن الحاويات التابعة لهم إلى الشرق الأوسط، وليس إلى البحر الأسود، حيث الأخطار أعلى والعائدات أقل. ومع أن البحر الأسود كان منطقة خطرة منذ بداية حرب أوكرانيا، فإن وتيرة الهجمات على السفن فيه والموانئ المطلة عليه زادت منذ بداية صيف هذا العام.

بحسب بيانات شركة "إمبري"، تعرضت 387 سفينة للهجوم في البحر الأسود خلال الفترة من يوليو إلى سبتمبر الماضيين، بزيادة تزيد على خمسة أضعاف معدل الهجمات في الربع السابق من العام.

تصعيد أوكراني
على رغم انتشار الألغام البحرية في البحر الأسود من قبل البلدين المتحاربين منذ بداية الحرب، فإن أوكرانيا صعدت هجماتها بالمسيرات في الأشهر الأخيرة على السفن الروسية التي تبحر عبر البحر الأسود، لمنع تصدير الديزل من شبه جزيرة القرم.

واستهدفت الهجمات الأوكرانية الملاحة البحرية في مضيق كيرتش، إذ يلتقي بحر أزوف البحر الأسود، إضافة إلى استهداف الموانئ ومرافئ التصدير الروسية بكثافة.

في سبتمبر الماضي، أعلن قائد قوات الأنظمة غير المأهولة الأوكرانية روبرت بروفدي أن كييف هاجمت أكثر من 300 سفينة روسية خلال فترة 11 أسبوعاً. ولم تقتصر الهجمات على ناقلات النفط ومشتقاته الخاضعة للعقوبات، بل استهدفت سفن الحاويات والسفن الناقلة للحبوب كذلك.

بالطبع، جاء الرد الروسي باستهداف السفن والموانئ الأوكرانية، وبحسب بيانات شركة "إمبري"، شكلت الهجمات الروسية نسبة 90 في المئة من الهجمات على خطوط الملاحة في البحر الأسود خلال الأيام الـ45 الأخيرة. وكانت النتيجة أن ميناء أوديسا، أكبر موانئ أوكرانيا على البحر الأسود، لم يستقبل سوى 10 سفن فقط في سبتمبر، مقابل 400 سفينة في يوليو، بحسب ما ذكرت شركة إدارة الموانئ الأوكرانية "تي إي أس".

وطبقاً للاتحاد الدولي لعمال النقل، فإن بعض البحارة يغادرون السفن لدى عبورها مضيق البوسفور قبل دخولها البحر الأسود.

وفي هذه الحال، تطالبهم شركات السفن بدفع تعويض عن عدم إكمالهم الرحلة. وتشير البيانات إلى أن غالب السفن التي تعمل في مسارات البحر الأسود لا تتبع شركات نقل بحري كبرى، وأن البحارة معظمهم من دول مثل سوريا ومصر وأذربيجان وبنغلاديش، ممن يقبلون بأجور أقل وتعويض أخطار بسيط.

والنتيجة أن صادرات أوكرانيا، مثلاً، من المنتجات الزراعية هوت إلى 1.4 مليون طن فقط في أغسطس (آب)، أي أقل بنسبة 75 في المئة من مستوياتها قبل الحرب. ولا يقتصر الضرر على هبوط الصادرات الروسية والأوكرانية، بل إن الأسواق المستوردة، من شمال أفريقيا إلى دول آسيوية كإندونيسيا، تتضرر من غياب واردات الحبوب.

الأضرار على الشرق الأوسط وأفريقيا
لعل الضرر الأكبر يقع على بلدان الشرق الأوسط وأفريقيا، التي تضم أكبر مستوردي الحبوب من روسيا وأوكرانيا تقليدياً. ويقدر تقرير لشركة "أس أند بي غلوبال" أن أخطار تعطل الملاحة في البحر الأسود وبحر أزوف يمكن أن تستمر لمدة ثلاثة أشهر مقبلة في الأقل.

وذكر التقرير أن الضرر الأكبر سيقع على دول شمال أفريقيا وغيرها من الدول الأفريقية المستوردة للقمح، التي ستضطر إلى الاستيراد من مصادر أخرى وبأسعار أعلى. وسيزيد ذلك الضغوط على موازنات تلك الدول التي تعاني في غالبها أوضاعاً اقتصادية ليست جيدة. ويخشى أن استمرار عدم تصدير الحبوب عبر البحر الأسود إلى العام المقبل سيعني مزيداً من الضغوط على عملات الدول المستوردة في أفريقيا، ليدفعها نحو مزيد من الهبوط في قيمتها، بحسب تقرير "غلوبال".

وفي مقدمة تلك الدول المتضررة ليبيا، التي استوردت 80 في المئة من وارداتها من القمح من أوكرانيا العام الماضي عام 2025، فيما استوردت مصر 80 في المئة من وارداتها من القمح خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي من أوكرانيا.

أما كينيا فتستورد ثلثي وارداتها من القمح من روسيا، وتستورد تونس 45 في المئة من وارداتها من القمح من البلدين، روسيا وأوكرانيا، بينما تستورد الجزائر 33 في المئة من وارداتها من القمح عبر البحر الأسود وبحر أزوف.

ومن شأن تعطل الإمدادات أو الاستيراد من مصادر أخرى عالية الكلفة أن يضغط على معدلات التضخم في تلك البلدان ويدفعها إلى الارتفاع. ويضاف إلى ذلك الضغط على الموازنات واحتمال زيادة العجز، فضلاً عن هبوط أسعار صرف العملات الوطنية.

اندبندنت عربية 


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق