سيرياستيبس
تتراجع في محافظة الحسكة، شمال شرقي سورية، زراعات تقليدية مثل الشمندر السكري والكمون والكزبرة والحلبة، وتواجه زراعة القمح والشعير والقطن تحديات متزايدة. ولذلك يتجه كثير من المزارعين إلى الخضراوات بحثاً عن الغذاء والدخل وفرص العمل الموسمية. وتشمل هذه الزراعات البصل والثوم والبندورة والخيار والكوسا والفليفلة والبازلاء والفاصولياء، إلى جانب الجرجير والفجل والسلق، وتتوزع مواسمها بين الصيف والشتاء. لكن البديل الجديد ليس بمنأى عن الأزمات: كلفة إنتاج مرتفعة، ونقص في المستلزمات، وتقلبات في الطقس، وصعوبة في التسويق. وتظهر هذه المشكلات بوضوح في موسم الباذنجان، بنوعيه الألماسي والحمصي، في قرية تل جيهان بريف الحسكة. ويكتسب هذا المحصول أهمية خاصة، لأنه المادة الأساسية للمكدوس، أحد أشهر المؤن الغذائية في سورية.
كلفة بالدولار وثمن بالليرة
يقول المزارع فاضل أبو حسن، من تل جيهان، لـ"العربي الجديد"، إن نقص المازوت أخر فلاحة الأراضي نحو 15 يوماً في بداية الموسم. فزراعة الباذنجان تبدأ عادة بتشتيل الشتلات مطلع يونيو/ حزيران، ثم تمر بإزالة الأعشاب والري والتسميد، وصولاً إلى القطاف الذي يحتاج إلى عمال ونقل متواصلين.
لكن المشكلة الأكبر، بحسب أبو حسن، هي العملة. فمعظم مستلزمات الإنتاج، من المبيدات والمازوت إلى الأكياس والنقل، تسعر بالدولار، بينما يبيع المزارع محصوله بالليرة السورية. وكثير من المزارعين يشترون المستلزمات بالدين، ثم يسددون بعد أن يرتفع سعر الصرف، فيخسرون جزءاً من رأس مالهم حتى لو كان المحصول جيداً. ويضيف أبو حسن أن فعالية بعض المبيدات والأسمدة المتوفرة في الأسواق تراجعت، وقد لا تتجاوز أحياناً 40%، بحسب تقديره. ويطالب بتشديد الرقابة على المبيدات المستوردة والتحقق من جودتها قبل وصولها إلى المزارعين.
من جهته، يشير المزارع غاندي سفوك إلى أن أصحاب الجرارات كانوا يشترطون على المزارعين تأمين الوقود بأنفسهم قبل الفلاحة. ويضيف أن صعوبة الحصول على بذور محسنة تدفع بعضهم إلى إعادة استخدام بذور المواسم السابقة، ما قد يغير صفات المحصول مع الوقت.
ويزيد الطقس الأعباء، فالبرد يتلف الأزهار، والأمطار تؤثر في حجم الثمار. ويقول سفوك إن إنتاج أربعة دونمات كان يبلغ نحو طن ونصف طن قبل نحو عشرين يوماً، ثم تراجع إلى قرابة 500 كيلوغرام. ثلاثة أضعاف بين الحقل والمستهلك
ولا تنتهي المشكلات عند الحقل. فبحسب تقدير سفوك، يبيع المزارع محصوله في سوق الهال بسعر، ثم يصل إلى المستهلك عبر حلقات التوزيع بسعر قد يبلغ ثلاثة أضعافه. ومع ارتفاع كلفة النقل والتخزين، قد يكسد المحصول في المواسم الجيدة. ويحذر سفوك من أن بعض المزارعين عملوا بخسارة خلال العامين الماضيين، وأن استمرار ذلك قد يدفعهم إلى تقليص المساحات المزروعة أو ترك بعض المحاصيل. ويدعو إلى خطط زراعية تمتد لعامين أو ثلاثة، وتأمين مستلزمات الإنتاج، وفتح أسواق جديدة
أجر يوم لا يكفي خبز الأسرة
وتمتد الأزمة إلى العمال الموسميين. فخديجة المحمد تعمل مع مجموعة من العاملات في قطاف الباذنجان، قبل أن تنتقل إلى المحاصيل الشتوية مثل البصل والجرجير والسلق. وتقول المحمد لـ"العربي الجديد" إن يوم العمل يبدأ عند السابعة صباحاً ويمتد حتى الواحدة أو الثانية ظهراً. ويتقاضى العاملون بين 30 ألفاً و35 ألف ليرة يومياً، وأحيانا أقل. وتقدر أن الأسرة تحتاج إلى نحو 25 ألف ليرة للخبز وحده، فلا يبقى من الأجر إلا القليل لبقية الاحتياجات.
وتضيف أن كثيراً من العاملات يخرجن إلى الحقول لإعالة أسرهن وتعليم أبنائهن في المدارس والجامعات. ومع اقتراب الشتاء، يصبح العمل أقسى: برد ومطر وحقول مبللة منذ الصباح الباكر. وتطالب المتحدثة بأجور تتناسب مع كلفة المعيشة، لأن "اليومية المنخفضة قد تجعل الخروج إلى العمل غير مجدٍ".
في المقابل، يرى سفوك أن الأجور، على انخفاضها، تبقى عبئاً على المزارع حين يقارنها بالعائد، خاصة حين يضطر إلى استئجار سيارة لنقل العمال. ويقول إن الطرفين خاسران: فالعامل يفقد دخله إذا توقف المزارع عن الزراعة، والمزارع لا يستطيع الاستمرار إذا لم يغطِّ المحصول كلفته. التصنيع مخرجاً
ويطرح المزارعون حلولاً تبدأ بتوفير البذور المحسنة ومستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة، وتنظيم التسويق. ويقترح أبو حسن إنشاء شركات للفرز والتعليب والتغليف، تقلل الاعتماد على البيع السريع للمحصول الطازج، وتوفر فرص عمل إضافية، وتزيد القيمة المضافة للإنتاج. ويبدو هذا الحل أكثر أهمية للباذنجان، الذي يمكن تحويله إلى مكدوس ومنتجات معلّبة بدل أن يُهدر في مواسم الوفرة. فمن دون حلول تشمل الإنتاج والتسويق والتصنيع، قد تتحول زراعة الخضراوات في الحسكة، التي توفر الغذاء والعمل للمنطقة، إلى نشاط خاسر للمزارع والعامل معاً.
العربي الجديد
|