سيرياستيبس :
لسرير
نهر الفرات، كما في كل منطقة أخرى في سورية، أغاني الحصاد الخاصة به،
تنتقل الأغاني جيلاً بعد جيل، وتستمر ما استمر القمح يزرع حيث زرع أول مرة
في التاريخ.
قبل أن تشرق الشمس تماماً، تكون قرى الجزيرة السورية قد بدأت يوماً من أيام
الحصاد، تخرج العائلات إلى الأراضي، يحمل الرجال مناجلهم، وتمضي النساء
إلى أماكن العمل ومعهن الطعام والماء تمتد السنابل أمامهم حتى تبدو الأرض
من بعيد كأنها قطعة واحدة من الذهب، في حين يعرف كل واحد أين سيبدأ وأين
ستلتقي يده يدَ الآخر.
يخرج الحصّادون جماعات يتقدمهم "الريس" الذي يدوزن إيقاع المناجل، يميل
الرجال فوق السنابل بخطٍّ أفقي، تتحرك المناجل في أيديهم، وتتجمع وراءهم
حزم القمح يبدأ العمل بصمته المعتاد، ثم لا يطول الصمت كثيراً حتى يبدأ
أحدهم الغناء، فتلتقط النساء والرجال صوته، ويأتي الرد من طرف آخر في الأرض
يتداخل الغناء مع صوت المناجل، وتتحول ساعات العمل الطويلة إلى شيء يمكن
احتماله. وتتساعد إيقاعات الأغاني مع فرحة الجنى، لتخفيف المشقّة.
كان للحصاد أغانيه التي يعرفها مجايلوها، ولكل مقام كلماته؛ بعضها يرفع
الحماس، وبعضها يذهب إلى الحب والغزل يرفع أحد الحواصيد صوته: "حاصود
وارملها سبل/ وبريطم الحلوة ذبل"... ثم يعود إلى سنبلته ومنجله.
وفي أغنية أخرى يمضي الحاصود أبعد في الغزل: "خبب يمشي المدلل بأزرق
النيلي/ ومن حبچ يا حلوة منهدم حيلي". وقد تخرج من الصف أغنية أخرى،
فيلتقطها من يعرفها ويرددها معه، بينما تكمل الأيدي عملها.
يبدأ فصل القمح عن التبن تُجمع السنابل في
المكان المخصّص للدرْس، وبعد أن ينفصل الحب عن القشّ تأتي التذرية يُرفع
خليط القمح والتبن في الهواء، وتتكفل الريح بالباقي
كانت الكلمات خفيفة أمام ثقل النهار، لكنها
كانت جزءاً من يوم الحصاد نفسه، فالحب يجد طريقه إلى الأغنية، والأغنية تجد
طريقها إلى الأرض، ثم تستمرّ المناجل في عملها. لم يكن هناك وقتٌ مخصّص
للغناء وآخر للعمل؛ كان الاثنان يمشيان معاً.
والنساء يعرفن نصيبهن من هذا اليوم جيداً في الأرض نساء يشاركن في الحصاد،
وأخريات يحملن الطعام والماء، وفي البيوت نساء ينشغلن بإعداد ما يحتاج إليه
هذا العدد الكبير من الناس، تصل القدور والصواني إلى الأرض، ويجلس الجميع
قليلاً قبل أن تعود الأيدي إلى السنابل.
كان موسم الحصاد طويلاً، وكان العمل كثيراً، ومن الصعب على عائلة واحدة أن
تنهيه وحدها. لذلك تأتي "الفزعة" ينتهي الرجل من حصاد أرضه، فيذهب إلى أرض
جاره، ويتأخّر آخر، فيجد من يأتيه من الصباح ليساعده لا تحتاج المسألة إلى
دعوة طويلة؛ يعرف الناس من يحتاج إليهم، ويعرفون أن دورهم سيأتي أيضاً.
تتسع الدائرة كلما تقدم الموسم، بيت يرسل رجالاً، وآخر يلحق بهم في اليوم
التالي هكذا تمر أيامهم بين الأراضي، حتى يصبح الحصاد شأن القرية كلها. ثم
تأتي مرحلة لا تقل تعباً عن الحصاد نفسه بعد جمع السنابل ونقلها إلى
البيدر، يبدأ فصل القمح عن التبن تُجمع السنابل في المكان المخصّص للدرْس،
وبعد أن ينفصل الحب عن القشّ تأتي التذرية يُرفع خليط القمح والتبن في
الهواء، وتتكفل الريح بالباقي؛ يطير التبن الأخف، بينما يعود القمح إلى
الأرض أثقل وأقرب إلى مكانه يكرّر الناس العملية مرّة بعد أخرى، حتى تصفو
الحبوب ويصبح المحصول جاهزاً للجمع.
بقي موسم الحصاد في ذاكرة الجزيرة وقمحها وأراضيها والأصوات التي كانت تأتي منها، كما بقيت الأيدي الخشنة التي كانت تتناوب على العمل
على البيدر تبدأ مرحلة أخرى من الموسم،
تُجمع الحبوب، وتُملأ الأكياس، ويستمر العمل حتى يأخذ المحصول طريقه إلى
المخازن والبيوت. البيدر مكان مفتوح، والناس فيه أكثر قرباً بعضهم من بعض،
يمرّ أحدهم فيسلّم ويكمل طريقه أو يجلس قليلاً، ويأتي طفل راكضاً من البيت،
وتبقى النساء في حركة لا تنقطع. ولأن العمل لا ينتهي سريعاً، يبقى الكلام
حاضراً أيضاً، أخبار القرية تصل إلى البيدر، والخلافات القديمة تجد فرصة
للحل، والعلاقات الجديدة تبدأ من نظرة أو كلمة أو لقاء عابر وفي موسم طويل
كهذا، لا بد أن تنشأ حكاياتٌ تبقى أطول من موسم القمح نفسه.
كان عابر السبيل ينتظر ذلك الموسم أيضاً، يمرّ على البيوت والبيادر، وكان
نصيبه من الطعام حاضراً، كما كان نصيب الفقير والأرملة. المحصول الذي خرج
من الأرض يمرّ بأيدٍ كثيرة قبل أن يستقر في بيت صاحبه، وفي الطريق إليه يجد
آخرون شيئاً منه. ثم تغير كل شيء بالتدريج. دخلت الحصادة إلى الأراضي، وما
كان يحتاج إلى أيام من العمل أصبح يُنجز في ساعات. فلم يعد الرجال ينحنون
فوق السنابل من الصباح إلى المساء، ولم تعد النساء ينتظرن نهاية النهار
لإعداد الطعام لعشرات الحواصيد تمضي الآلة في الأرض، وتترك وراءها القاع
أقرب إلى الفراغ.
كان ذلك أسهل على الناس، وأخفّ على أجسادهم، لكن الأرض فقدت تلك الأصوات
التي كانت سنابلها ترقص على إيقاعاتها. اختفى المنجل من أيدي كثيرين، وخفتت
الأغاني التي كانت ترافقه، وصارت الفزعة أقلّ حضوراً مع تقلص عدد الأيدي
التي يحتاج إليها الحصاد.
حتى البيدر، الذي كان محطّة أساسية في حياة الموسم، تغيرت مكانته مع تغير
طرق جمع المحصول ونقله. بقيت الأغاني وبعض الأبيات في ذاكرة رجال ونساء
عاشوا تلك الأيام، وبقيت أسماء أدوات لا يعرفها جيل الألفية الجديد إلا من
حكايات آبائه وأجداده. وقد يكفي بيت واحد حتى تعود إلى الأرض ذاكرة قديمة
للحظة. منجل يلمع تحت الشمس، امرأة يأتي صوتها من خلف السنابل:
البشارة يا التحبنا الله ما ضيع تعبنا/ دهب نحصد من أرضنا والله ما ضيع تعبنا
ورجل يرد عليها وهو يواصل عمله: صارت صفرا كل حقولي يا حبايب هلهلولي/ قومو
ربعي وافزعولي الكم احنا شقد فزعنا/ السنابل فرحت بجية المناجل/ يا الله
كترولي الهلاهل/ وافرحولي على العرسنا
هكذا بقي موسم الحصاد في ذاكرة الجزيرة وقمحها وأراضيها والأصوات التي كانت
تأتي منها، كما بقيت الأيدي الخشنة التي كانت تتناوب على العمل، والفزعة
التي تجعل تعب بيتٍ واحدٍ شأن الجميع، يكفي أن يتذكرها أحد، حتى يعود
المنجل إلى مكانه، ويعاود الريس من جديد دوزنة إيقاعه.
ملحق سوريا الجديدة - العربي الجديد