الاقتصادات العربية في 2026 ... هل هناك فضاء للتفاؤل؟
08/01/2026
سيرياستيبس
تدخل الدول العربية العام الجديد بتحديات اقتصادية واجتماعية غاية في التعقيد، فهناك سعي إلى تسريع النمو وتوليد فرص العمل، ولكن هذا الهدف المنشود يرتبط بعدة عوامل محلية وإقليمية وعالمية، تجعل تحقيقه صعباً، وواقع الحال يشير إلى مستوى عال من الصدمات المحتملة التي من شأنها تغيير المسار، وهناك عوامل عديدة ستتحكم وتؤثر في معدلات النمو التي يمكن تحقيقها خلال عام 2026.
يرتبط أول هذه العوامل مباشرة بأسعار النفط، وخصوصاً في مجموعة الدول المصدّرة، والتي تبني موازناتها السنوية بناء على تقديرات متفائلة لأسعار النفط التي شهدت انخفاضاً ملحوظاً خلال العام الماضي في مفارقةٍ كبيرةٍ لديناميكيات سوق النفط التقليدي، فالتوترات العالمية والإقليمية كان يفترض أن تساهم بارتفاع أسعار النفط، ولكن الطلب العالمي المتباطئ وارتفاع كميات المخزون في العالم أدت إلى تراجع في أسعار النفط بنسبة 15-20% لخام برنت في العام الماضي، وساهم في ذلك التراجع الكميات الكبيرة من النفط التي تم إنتاجها وعرضها في الأسواق بشكل غير رسمي من بعض الدول الخاضعة لحصار دولي أو مقاطعة، وفي مقدمها روسيا وإيران وفنزويلا. ويؤثر تراجع إيرادات النفط على نمط الاستهلاك والإنفاق في الدول المنتجة، وله تداعياته على الدول المجاورة.
العامل الثاني الذي سيؤثر على آفاق النمو في المنطقة الحرب التجارية التي بدأتها الولايات المتحدة في إبريل/ نيسان من العام الماضي، ومن المرجّح أن تظهر آثارها خلال هذا العام، ولا شك أن نظام التجارة الدولي الذي ساد خلال السنوات والعقود الماضية يشهد تغييرات جذرية تخرق قواعد منظمة التجارة العالمية. وهو خرق فاضح اعتقد الاقتصاديون أنهم تجاوزوه، يتمثل بفرض قيود جديدة على تدفقات التجارة العالمية أعادت الحوار إلى المربع الأول باتجاه تعزيز نمط الحمائية في التجارة العالمية، وضرب مبادئ السوق الحرّة، واستحضار المكون السياسي الداخلي في صياغة أنظمة التجارة الدولية الجديدة والصاعدة، وهو ما أدى الى إرباك منظومة التجارة العالمية، وعلى ما يبدو سوف يستمر هذا النمط خلال السنوات المقبلة.
العامل الثالث الذي سيؤثر على أنماط النمو ومستوياتها يرتبط بالنزاعات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط التي تستهلك جانباً كبيراً من موارد الدول التي نتحدّث عنها، فهناك دول خرجت من نزاعات محلية، وتسعى إلى إرساء قواعد جديدة لتنظيم الأعمال وإعادة بناء البنى التحتية التي دمّرتها النزاعات، وتأتي سورية في مقدّمة تلك الدول التي تسعى إلى تحقيق الاستقرار وتحقيق مستويات نمو تعزّز شرعيتها السياسية وتحسن مستويات المعيشة لمواطنيها.
وهناك دول لا زالت تعيش في خضم تلك الصراعات، مثل اليمن الذي من الواضح أن معاناة أهله ستستمر إلى أجل غير مسمى بسبب عدم القدرة على تحقيق توافقات داخلية تساهم بإرساء منظومة للاستقرار، وهناك دول غنيّة بالموارد، مثل العراق وليبيا، إلا أن الضعف المؤسّسي وغياب الأفق السياسي والتوافقات الداخلية فيها لا تسمح باستغلال الموارد المتاحة لبناء قاعدة إنتاجية واقتصاد سليم. ويمكن وصف الاقتصاد اللبناني ضمن هذه الفئة القادرة على تحقيق مستويات نمو حال توفر الاستقرار الداخلي فيها.
كذلك هناك دول تحاول التوفيق ما بين متطلبات محلية لتحسين ظروف المعيشة والخدمات، مثل مصر وتونس والأردن والمغرب، ومتطلبات المؤسسات الدولية، مثل صندوق النقد والبنك الدوليين اللذين يطبقان برامج إصلاح اقتصادي تسعى إلى تخفيض حجم الإنفاق العام وتحسين كفاءته، وفي الوقت نفسه، خفض المديونية في ظل تباطؤ اقتصادي ونسبة بطالة مرتفعة سيما بين الشباب في تلك الدول، وهو ما يجعل تطبيق تلك البرامج صعباً للغاية، إذ يبدو أحياناً أن المطلوب تحقيق أهداف متناقضة تضع الاستقرار في المقدمة، في حين أن الشباب الساعي إلى فرص العمل يرنو إلى تنشيط الاقتصاد وزيادة معدلات النمو مستويات المشاركة في سوق العمل. ... وتطبيق برامج الإصلاح تلك، وإن كان ضرورة للحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي، يولد ضغوطاً اجتماعية تجعل الالتزام الكامل بوصفات الإصلاح صعباً للغاية.
العامل الرابع يرتبط بالمتغيرات التكنولوجية المتسارعة، والتي تغير الكثير من أنماط الاستهلال والإنتاج، ويمكن لهذا العامل أن يكون إيجابياً حال تعزيز القدرة على التكيف مع تلك المتغيرات وإدماجها في الاقتصادات المتباينة الأداء التي نتحدّث عنها، وفي الوقت نفسه، يمكن التخلف عن اللحاق واستيعاب تلك المستجدات، الأمر الذي من شأنه تعميق الفجوة التكنولوجية وفجوة المعرفة، وللتكيف متطلبات تتعلق بالعامل البشري والبنى التحتية، وهو يستلزم استثماراتٍ كبيرةً تثير التساؤل حول ما يوصف بالجاهزية.
لا تبدو الصورة متفائلة للاقتصادات العربية في العام الجديد وفقاً للواقع الموصوف، وحتى في التقارير الدولية التي تصدّرها المؤسسات الدولية، مثل البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي، فإن آفاق النمو الإقليمي لا تتجاوز في كثير من الدول المستقرة 3% إلى 4%، وهي نسب، وإن كانت إيجابية، قاصرة عن تحقيق طموحات الشباب المهمّش والمتعلم والباحث عن الاندماج في مجتمعه. وتتباين التحديات خلال العام الجديد وفقاً لمنظومة الدول وواقعها، فعلى الدول النفطية التكيف مع واقع جديد مرتبط بسوق متذبذبة وتشهد تغييرات متسارعة بأسعار النفط ومصاعب التنويع الاقتصادي، وهناك دول تسعى إلى الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وتحقيق متطلبات المؤسسات الدولية حفاظاً على تصنيفها الائتماني وسمعتها الدولية، وهناك دول تكاد تبدأ من الصفر، فهي تعاني من هشاشة في مؤسّساتها ونقص في مواردها وبناها التحتية متدنية السوية.
الطريق الوحيد أمام تلك الدول التركيز على الأطر الكلية وبناء المؤسسات تدريجياً اعتماداً على تشاركية واسعة تعزز ثقة المواطنين وتجعلهم شركاء فاعلين في التحولات الجارية واتباع استراتيجية تواصل إيجابية وصياغة أولويات تركز على الخدمات الأساسية المرتبطة بمرافق البنية التحتية مثل الطرق والكهرباء والمياه والتعليم والصحة.
العربي الجديد
المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=131&id=204183