خبير اقتصادي : التمويل العقاري في سوريا لن يستعيد فعاليته الحقيقية إلا مع تحسن ملموس في الاستقرار الاقتصادي
21/01/2026
سيرياستيبس
أكد الخبير الاقتصادي الدكتور المهندس سامر الرحال لصحيفة الحرية أن التمويل العقاري في سوريا لا يمكن التعامل معه كقضية مصرفية بحتة، بل هو ركيزة أساسية للتعافي الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي، وأشار إلى أن هذا القطاع يُعد من المفاتيح الرئيسية لإعادة الإعمار والبناء، لكنه في الوقت ذاته من أكثر القطاعات حساسية في اقتصاد خارج من حرب طويلة الأمد، وفي ظل محدودية الموارد المتاحة.
وأوضح الرحال أن المشكلة الجوهرية في قطاع التمويل العقاري تبدأ من غياب التمويل طويل الأجل، حيث تتركز القروض الحالية على آجال قصيرة وبفوائد مرتفعة لا تتناسب مع الدخل الحقيقي للأسر السورية، مضيفاً: إن التضخم العقاري بات غير مرتبط بالقيمة الحقيقية للعقار، الذي تحوّل إلى مخزن للقيمة في ظل ضعف الليرة، ما أدى إلى فجوة واسعة بين أسعار العقارات والقدرة الشرائية للمواطنين.
وأشار الرحال إلى أن ضعف الثقة بالمصارف، نتيجة تجارب سابقة غير موفقة، فاقم من تعقيد المشهد، إلى جانب الخلل الذي أصاب السجل العقاري خلال السنوات السابقة، من دمار للوثائق ونزاعات ملكية، ووجود عقارات غير ممسوحة أو منظمة، كما لفت إلى أن الطابع النقدي للاقتصاد الفردي وصعوبة تقييم الدخل الحقيقي، إلى جانب التهرب الضريبي، كلها عوامل تعيق أي نموذج تمويلي تقليدي.
وبيّن الرحال أن استنساخ نماذج التمويل العقاري الغربية غير ممكن في الحالة السورية الراهنة، في ظل غياب استقرار سعر الصرف، وعدم ثبات الدخل، وغياب أدوات التحوط، إضافة إلى محدودية رأس المال المصرفي القابل للتوظيف في هذا القطاع.
وأكد الرحال أن الحل يجب أن يكون سورياً ومرحلياً، يبدأ بإعادة هيكلة قطاع التمويل العقاري، مع الفصل الواضح بين العقار كحاجة سكنية والعقار كوعاء ادخار، واقترح إنشاء مسارين متوازيين: الأول، تمويل سكني اجتماعي مدعوم حكومياً موجه للأسر الشابة. والثاني، تمويل استثماري عقاري سوقي غير مدعوم، واعتبر أن هذا الفصل ضروري للحد من المضاربة وضبط الأسعار.
وأضاف الدكتور الرحال: من الضروري إنشاء مؤسسة وطنية للتمويل العقاري تتولى إعادة تمويل القروض، وتجميع المخاطر، وإصدار أدوات دين طويلة الأجل على شكل سندات سكنية، بتمويل أولي من الدولة، ومساهمات من المغتربين، وشراكات مع منظمات دولية غير سياسية.
وأشار الخبير الرحال إلى أهمية التحول في هذه المرحلة من قروض شراء جاهزة إلى تمويل بناء تدريجي، يتم فيه تمويل المشروع على مراحل مرتبطة بالإنجاز (الأساسات، الهيكل، الإكساء)، بما يقلل المخاطر على المصارف ويربط التمويل بالدخل الفعلي لا الاسمي.
وشدد الرحال على ضرورة مراعاة الخصوصية السورية عبر تطوير أدوات تمويل بديلة، مثل التمويل التشاركي بين المصرف والمطوّر والمستفيد، وإصدار صكوك أو سندات إعادة إعمار موجهة للمغتربين بعوائد واقعية غير مضاربية. كما دعا إلى ضبط السوق العقارية دون خنقها، من خلال فرض ضرائب على العقارات غير المشغولة، وإطلاق تسجيل عقاري إلكتروني موحد، وتحفيز العرض عبر تسهيلات للمطورين الجادين بنظام حق الانتفاع.
وأكد الدكتور الرحال أن ضخامة كلفة إعادة الإعمار لا تعني أن تتحمل الدولة عبء التمويل العقاري وحدها، بل يتطلب الأمر هندسة مالية ذكية لتوزيع المخاطر، عبر ضمانات جزئية من الدولة، ومشاركة القطاع الخاص، وجذب مدخرات السوريين في الخارج بدل الاعتماد على الخزينة العامة.
وأشار إلى وجود جهود حكومية أولية لإعادة هيكلة السوق العقارية، وتصريحات عن نظام تمويل عقاري جديد، إضافة إلى إعادة تفعيل هيئة الإشراف على التمويل العقاري بموجب قانون التمويل العقاري رقم /39/ لعام 2009، وتحديث مجلس إدارتها، إلا أن هذه الخطوات لا تزال بحاجة إلى بنية مؤسساتية قوية وضمانات تنفيذ واضحة.
وأوضح الرحال أن التمويل العقاري في سوريا لن يستعيد فعاليته الحقيقية إلا مع تحسن ملموس في الاستقرار الاقتصادي، وضبط التضخم، وإعادة بناء الثقة القانونية والمؤسسية وحتى ذلك الحين، تبقى الحلول الانتقالية كالإسكان التعاوني والتمويل التشاركي، بدعم دولي غير مسيّس، الخيار الأكثر واقعية.
المشهد
المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=207&id=204286