ملفات إبستين تكشف حقيقة قاتمة عن الأثرياء وألاعيبهم المالية الشائنة
08/02/2026
سيرياستيبس
ها قد انكشفت الآن تفاصيل حياة جيفري إبستين القذرة. وبصرف النظر عن انحلاله الأخلاقي، فإن ما فضحته ملايين الملفات تلك هو الأسرار الدفينة للأثرياء والمتنفذين الذين كان يقضي حاجاتهم. في الوقت الذي تدقق فيه الصحف الصفراء بلا كلل في شؤون الشهرة والمشاهير، إلا أن التثبت من الثروة كان دائماً مسألة أشد صعوبة بسبب التعقيدات والسرية التي تحيط بالممارسات المصرفية والقانونية والمالية. لا يمكن لأحد أن يشكك في مفهوم "الشهرة" لأننا، نحن الجمهور، من ساهم في صنعها (من خلال مشاهدة الأفلام وتنزيل الموسيقى وشراء المنتجات). أما الثروة فخدعة سحرية: إنها ما نتصور أنها عليه.
وتكشف ملفات إبستين، بين سطورها القاتمة، عن مدى ارتباط الثروة بسلسلة من الصفقات السرية والممارسات التجارية المشبوهة. إن توسّلات [مناشدات] الكثير من معارف إبستين للحصول على المال منه واضحة في آلاف الرسائل الإلكترونية (التي كُتبت بناء على تعويل في غير محله في السرية [والغفل]). وقد اتضح أن الأشخاص الذين كنا نعتقد أنهم يتمتعون بامتيازات كبيرة وبإمكانية الوصول إلى الثروة بفضل علاقاتهم ليسوا سوى محتالين عاديين، بما في ذلك غيلين ماكسويل نفسها.
وتتصدر فيرغي، دوقة يورك سابقاً، قائمة إبستين، حيث كانت متورطة في عام 1990 بديون بلغت 4 ملايين جنيه إسترليني راكمتها بسبب صفقات مشبوهة (وفضائح [وقوعها في شرك] شيخ مزيف) إضافة إلى عادتها في تبذير الأموال، وأحد الأمثلة على ذلك شراؤها سلعاً بقيمة 25 ألف دولار خلال ساعة واحدة من متجر بلومينغديلز. وتبين أن إبستين كان لها بمثابة المصرفي والمقرض الخاص وكان مستشارها المالي الذي تعيش تحت رحمته.
ونرى كيف تتوسل فيرغي إبستين منذ عام 2009، إذ كتبت له "أحتاج إلى مبلغ 20 ألف جنيه إسترليني بشكل عاجل لدفع الإيجار اليوم. لقد هددني المالك باللجوء إلى الصحف إن لم أدفع له. هل لديك أي اقتراحات؟". وفي مارس (آذار) 2011، حصلت على قرض آخر بقيمة 15 ألف جنيه إسترليني لتسديد مستحقات أحد الموظفين. وعمل إبستين كوسيط [سمسار] في البورصة لمصلحتها، حيث ساهم في تسريع وتيرة شراء وبيع بعض الأسهم، في الأرجح كوسيلة إضافية لزيادة الرافعة المالية [أداة تداول تسمح للمستثمر بالتحكم في صفقة أكبر بكثير مما يملك من رأس مال، عبر اقتراض الأموال من الوسيط المالي مقابل وديعة صغيرة].
بعد ذلك، نجد شخصاً كان من غير شك يمتلك الوسائل والقدرة والذكاء اللازمين لكسب المال وإدارته بنفسه، وهو بيتر ماندلسون. تظهر الوثائق التي نُشرت مؤخراً أن اللورد والعضو في حزب العمال كان بدوره يستجدي المال، وأنّ إبستين استجاب لطلبه فأرسل له 75 ألف جنيه إسترليني، وأرسل لشريكه في ذلك الوقت (وزوجه الحالي) رينالدو أفيلا دا سيلفا مبلغ 10 آلاف جنيه إسترليني لتلقي دورة في العلاج التقويمي (التي يوضح المجلس العام للعلاج التقويمي أنه لم يكملها قط). وتعتبر هذه المبالغ ضئيلة بالنظر إلى الأوساط المالية التي كان ماندلسون ينتمي إليها، مما يطرح سؤالاً آخر: ما الذي كان يأمل في الحصول عليه بشكل مادي أيضاً من هذه الصداقة؟
ونعلم الآن أن ماندلسون كان ينقل معلومات حكومية سرية إلى المصرفي المثقل بالفضائح. ويبدو أن إبستين أعطى المحتالين والوصوليين الطامحين إلى الثراء والارتقاء الاجتماعي الذين نسجوا علاقات وازنة أملاً في الانضمام إلى أوساط الأثرياء الذين يخدمهم، والذي يبدو أن ثروات الكثير منهم قد بُنيت على أساسات هشة. ومن الأمثلة على ذلك المخطط المذكور في الرسائل الإلكترونية إلى ماندلسون في شأن شراء شقة بقيمة 2 مليون جنيه إسترليني في ريو، عبر شركة وهمية في بنما، لأغراض التهرب الضريبي. إذا كان بحاجة إلى اقتراض 75 ألف جنيه إسترليني، فمن أين سيأتي بمبلغ 2 مليون جنيه إسترليني؟ هل كان إبستين سيقرضه هذا المبلغ، ومقابل أي خدمة؟
ما تكشفه جميع هذه الوثائق هو عالم المال والثروة السري والمليء بالمؤامرات. لأن النقطة التي لا يدركها الكثير من الناس هي أن الثروة غالباً ما تكون لعبة مظاهر، وهي لعبة جوفاء في كثير من الأحيان تستند إلى عوامل عديدة من بينها الاقتراض المفرط. تتوفر العديد من المقتنيات -أي السيارات واليخوت والعقارات والمجوهرات - للإيجار (أو حتى للاستئجار بالساعة من أجل التقاط صورة على ’إنستغرام‘)، لذا إذا كنت تريد إعطاء الانطباع بأنك ثري، فهذا ليس بالأمر الصعب. وفي حال كنت لا تستأجر هذه المقتنيات الفاخرة، يمكنك أن تسرقها، كما فعل رجل الأعمال والوجه البارز في المجتمع ديفيد تانغ الذي أثقلت الديون كاهله، وقد حوّل أرصدة من شركته إلى حسابه الخاص لتمويل نمط حياته.
بصفتي زوجة مصرفي، رأيت كيف استخدم معارفي مصارفهم الخاصة كجهات مانحة "سخية" يقترضون منها لتسديد الرهون العقارية كي يتسنّى لهم أن يعيشوا حياة فخمة تتجاوز إمكانياتهم أو مكافآتهم المالية (عائدات خاضعة للضريبة). وتبين أن المنازل والسيارات والعطلات والحفلات وحتى التبرعات السخية للجمعيات الخيرية كانت جميعها مسددة الثمن بواسطة الديون (وبالطبع لم تصل التبرعات التي صرّحوا بها علناً إلى وجهتها). استيقظت إحدى صديقاتي، التي انفصلت الآن عن زوجها المصرفي الرفيع المستوى، ذات صباح لتكتشف أن "منزليها" في نوتينغ هيل وأوكسفوردشير لم يكونا في الواقع ملكاً لها أو حتى لزوجها. لم يكن نمط حياة الأسرة بأكمله يقوم على "الاقتراض" فحسب، بل إن المكافآت [رواتب] التي نالها زوجها وتُقدّر بملايين الجنيهات، والتي كانت تعتقد أنها استُثمرت بحكمة، قد أنفقت بالكامل، من دون أن تسدد الضرائب عليها أبداً.
كلما اقترب المرء من دوائر المؤسسات المالية، أصبح من السهل عليه إدارة ديونه. وقد أوضح لنا أحد كبار رجال الأعمال في مجال العقارات أنه يمتلك أكبر بوليصة تأمين ممكنة على الحياة، لأن معظم ممتلكاته مرهونة، بما في ذلك منزله الأساسي الذي يؤجره حالياً. عندما كانت حالة الأسواق جيدة، كانت ثروته تقدر بملايين الملايين (على الورق بالطبع). وبعض الأشخاص الذين نعرفهم اقترضوا للحفاظ على نمط حياة الأوساط الاجتماعية التي ينتمون إليها [ويتحدرون منها] (والتي تقصي كلّ من يعجز عن مواكبة هذا المستوى من الحياة): وهنا تكمن أكبر بذور الدمار.
غالباً ما يكون أصحاب المليارات هم الأكثر غرقاً في الديون. نعلم جميعاً، بفضل تسريبات مصلحة الضرائب الأميركية، أن إمبراطورية دونالد ترمب بأكملها قائمة على الخسائر (أكدت الوثائق أن السيد ترمب لم يدفع أي ضرائب فيدرالية في عام 2020، فيما دفع 750 دولاراً فقط (622 جنيهاً إسترلينياً) في عامي 2016 و2017. ودفع ما يقارب مليون دولار في عام 2018). إن الإفلاس يقضي على رجال الأعمال العاديين، ومع ذلك، استمر ترمب في الحصول على قروض.
تقول ماريان مونفورتي، أستاذة ممارسات المحاسبة في جامعة سيراكيوز "إنه رجل أعمال بامتياز، ويعمل في كل المجالات. بدأ عمله في مجال العقارات، الأمر الذي يخلق مستوى من التعقيد بين عمليات تقييم الأصول والإيرادات والخسائر واستهلاك الأصول. كل هذا يعني أن عائداته تنطوي على درجة إضافية من التعقيد غير مألوفة لدى غيره من أصحاب المليارات".
لكنها في الواقع موجودة عند غيره. ففي منزل كل ملياردير مكتب خاص يعمل فيه محامون ومحاسبون مرموقون، مهمتهم الوحيدة هي الحفاظ على استمرارية جميع الأنشطة من خلال استراتيجيات اقتراض معقدة تسمى "اشترِ واقترض ومت". وتتلخص هذه الاستراتيجيات في عدم إنفاق رأس المال أو الأرباح أبداً، بل الاقتراض باستمرار على أساسها بطريقة تزيد النمو وتقلص الضرائب إلى أدنى حد ممكن.
وهنا يأتي دور المصارف الخاصة والمقرضين المتخصصين. وهم يقدمون تسهيلات ائتمانية مدعومة بقيمة الأصول التي تمتلكها (الأسهم والعقارات والأعمال الفنية)، والتي تصبح بمثابة ضمانات. وغالباً ما تأتي هذه القروض التفضيلية (التي تستند إلى وجود ودائع أو استثمارات كبيرة) بأسعار فائدة أقل (خمسة في المئة مقارنة بعائد 10 في المئة على محفظة الأسهم). بدلاً من بيع الأسهم وتحمّل ضريبة على أرباح رأس المال لشراء طائرة أخرى على سبيل المثال، يستخدم الأثرياء قرضاً لا يعتبر دخلاً خاضعاً للضريبة (يُسمّى استخدام الاستثمارات والأعمال الفنية كضمان "الإقراض اللومباردي"). وعندما يحين موعد سداد القرض، يأخذ الأثرياء ببساطة قرضاً آخر مقابل ذلك القرض وهكذا دواليك. أما كيف يستطيعون النوم ليلاً فهذه قصة أخرى.
وتنجز هذه الأمور بواسطة خبراء متخصصين يطلبون أجوراً باهظة، ويستخدمون هياكل خارجية [جنات ضريبية] وصناديق استئمانية وما يسمى "أدوات ذات أغراض خاصة"، وهي مخططات كان إبستين يتقاضى مبالغ طائلة مقابل توفيرها (وهذا هو السبب الرئيس الذي دفع الكثير من الطامحين للارتقاء المالي والاجتماعي إلى التهافت عليه [على خدماته]). وفي الوقت نفسه، تواصل محافظهم الاستثمارية في النمو. أما بند "مت" في قانون الضرائب (في أميركا) فيعني رفع القيمة الأساسية لهذه الأصول إلى سعرها الحالي، مما يلغي فعلياً ضريبة أرباح رأس المال بالنسبة إلى الورثة.
وبالطبع، عندما تنقلب حال الأسواق، فإن الأشخاص نفسهم الذين يعيشون حياة مترفة في سانت بارتس على متن اليخوت التي تموّلها القروض، سيجدون أنفسهم ضحايا الأسواق. أعتقد أن العديد من عملاء إبستين لجأوا إليه في هذه المرحلة لأن أي مؤسسة مالية ذات سمعة طيبة كانت سترفض طلباتهم رفضاً قاطعاً.
وبالنسبة إلى المحتالين، كان إبستين يمنحهم الأمل في أن يتمكنوا بدورهم من الاستفادة من هذه الحيل البصرية البسيطة لخلق وهم الثروة، إذا ما نفذوا ما يطلبه منهم.
اندبندنت عربية
المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=145&id=204464